مع اقتراب فصل الشتاء وما يرافقه من صعود متسارع في وتيرة استجرار الطاقة، تستقبل المحافظات السورية الموسم البارد على وقع انتكاسة جديدة في المنظومة الكهربائية.
وشهدت البلاد خلال الأسابيع الأخيرة قفزة حادة في ساعات التقنين عكست هشاشة البنية التحتية، وفتحت الباب أمام أعباء معيشية واقتصادية بالغة التعقيد، تترافق مع تفاوت جغرافي لافت في توزيع حصص التغذية بين المناطق السورية، وداخل المحافظة الواحدة.
تقنين متصاعد يكشف هشاشة التوليد
هذا التراجع المفاجئ في استقرار التيار، والذي يعيد إلى الأذهان أزمات المواسم السابقة، أرجعته الشركة السورية للكهرباء عبر بياناتها الرسمية إلى تضافر جملة من العوامل الفنية والتشغيلية الطارئة، يتقدمها تنفيذ أعمال صيانة دورية ومفاجئة طاولت مجموعات توليد في عدة محطات، إضافة إلى استمرار خروج مجموعات التوليد في محطة تشرين الحرارية عن الخدمة وتعثر إعادة ربطها بالشبكة الوطنية، جنباً إلى جنب مع انخفاض كميات الغاز الأذربيجاني المورد لتشغيل التوربينات.
وتأتي هذه التطورات في أعقاب إشارات متتالية كانت قد أعلنت عنها الشركة منذ منتصف أيلول/سبتمبر، كاشفة عن خروج تدريجي لعدد من المجموعات قاد إلى انخفاض القدرة التوليدية المتاحة، بينما تؤكد فرقها الهندسية مواصلة العمل على مدار الساعة لإعادة ما أمكن منها إلى الخدمة في محاولة لاحتواء العجز التدريجي.

غير أن المعادلة لا تقف عند حدود الأعطال التقنية فحسب؛ إذ تكشف مصادر مسؤولة في الشركة السورية للبترول عن عمق المأزق المالي المرتبط بملف الطاقة ككل.
وبالرغم من استقرار تدفقات الغاز عبر الأردن عقب توقف فني وجيز، فإن فاتورة استيراد الغاز الأجنبي وبخاصة الوارد من أذربيجان تمثل ضغطاً هائلاً على الخزينة العامة في وقت تتضاءل فيه الإيرادات بفعل ضعف التحصيل وعجز شرائح واسعة عن سداد فواتير الاستهلاك.
دمشق وريفها.. تفاوت في ساعات التغذية
مع استحالة رفع واردات الغاز لتلبية ذروة الطلب الشتوية في ظل الظروف الراهنة، باتت المنظومة عاجزة عن ملاحقة الفجوة المتسعة بين ما تطلبه المدن وما تضخه المحطات، وهو ما دفع نحو تشديد برامج التقنين وتعميق خسائر مختلف القطاعات الإنتاجية.
على الأرض، تجلت هذه المعضلة في واقع معيشي ضاغط يتسم بغياب التكافؤ؛ ففي العاصمة دمشق وضواحيها، ترتسم خريطة توزيع شديدة التباين تعزز التساؤلات الشعبية حول معايير العدالة في إدارة الحصص.
فبينما تحظى أحياء كـ”مشروع دمر” و”حي التجارة” بتغذية شبه مستقرة تجعل ساعات الانقطاع لا تتعدى ثلاث ساعات يومياً، تغرق أحياء أخرى كـ”التضامن” ومناطق “دمشق القديمة” في ظلام يمتد بين خمس إلى ست ساعات متواصلة مقابل فترات وصل محدودة، بل يتسع هذا الفارق ليصبح فجوة حقيقية في ريف دمشق، حيث تعيش مدن مثل جرمانا والتل وضاحية الشام انقطاعات تتراوح بين ست إلى سبع ساعات متتالية، مقابل ساعات وصل شحيحة ومتقطعة تتخللها أعطال متكررة في المحولات المحلية، لتصل فترات الغياب في بعض الأطراف إلى نحو عشر ساعات يومياً.
حمص.. الانقطاع يضغط على النشاط الاقتصادي
هذا التفاوت لا يختلف كثيراً في المنطقة الوسطى؛ ففي مدينة حمص وريفها تتجاوز فترات القطع المتواصل ثلاث ساعات مقابل ساعتي وصل شحيحتين، وهو مشهد ينعكس بصورة مباشرة على النشاط الاقتصادي اليومي، حيث لم تعد الخسارة مقتصرة على المنازل السكنية وحاجاتها الأساسية للتدفئة والإنارة.
وامتدت الخسارة لتشل حركة المحال التجارية والورش الحرفية الصغيرة التي تجد نفسها مرغمة على اللجوء إلى شبكات “الأمبيرات” والمولدات الخاصة باهظة التكلفة، لتدخل في حلقة مفرغة من ارتفاع تكاليف التشغيل التي تفضي بالضرورة إلى زيادات إضافية في أسعار السلع والخدمات على المستهلك النهائي.

وفي خضم هذا الشلل، أضحت منظومات الطاقة البديلة، التي كانت تعد خياراً ترفيهياً في سنوات مضت، شريان نجاة إلزامي لا غنى عنه، لكنها في الوقت ذاته باتت سوقاً يستنزف مدخرات الأسر.
ويقدر مواطنون في حمص وريف دمشق تكلفة تركيب منظومة طاقة متكاملة تعتمد على بطاريات الليثيوم بقدرة خمسة كيلوواط بنحو 1300 دولار أميركي، وهو رقم يفوق القدرة المالية للغالبية العظمى من السكان، في حين تتراوح المنظومات الأقل جودة المعتمدة على البطاريات السائلة بين 500 و600 دولار.
وحتى الحلول المتواضعة التي لا تتعدى بطارية صغيرة ومحولة لتشغيل الإنارة الليلية وموزع الإنترنت المنزلي لخدمة الطلاب والجامعيين باتت تتطلب نحو 300 دولار، وهو عبء قاصم في بلد تآكلت فيه القدرات الشرائية إلى مستويات قياسية.
- تقنين الكهرباء يشتد في سوريا قبل الشتاء.. لماذا تتفاوت ساعات الوصل بين المحافظات؟
- بين التهديدات والمفاوضات.. هل تناور إيران لتجنب حرب جديدة؟
- جنيف تحتضن فعاليات تضامنية مع تعز ومطالبات بإنهاء حصارها
- “أتحسّس مسدسي”.. مسؤول حكومي يهدد صحفية سورية وسط موجة تضامن
- هالوين إيران.. ماذا أراد الشباب الإيراني قوله للنظام والعالم؟

