خرجت احتفالات هالوين في إيران هذا العام من المقاهي والأماكن المغلقة إلى شوارع المدن، متحدية قرارات السلطات التي حظرت تنظيم الفعاليات المرتبطة بالمناسبة، وهددت المنشآت التجارية المخالفة بالإغلاق والملاحقة القضائية.
وعكس مشهد الاحتفال اتساع الفجوة بين القيود الاجتماعية التي يفرضها النظام الإيراني وأنماط الحياة التي تتبناها قطاعات من الشباب، حيث شهدت طهران ومدن إيرانية أخرى تجمعات لمحتفلين ارتدوا أزياء تنكرية ووضعوا أقنعة ورسومات على وجوههم، فيما انتهى أحد هذه التجمعات بمواجهات مع قوات الأمن في العاصمة.
ولم تقتصر دلالة هذه الاحتفالات على ممارسة نشاط ترفيهي رغم الحظر، إنما أعادت طرح أسئلة بشأن التحولات الاجتماعية داخل إيران، وحدود السلطات على فرض نموذجها الثقافي والديني، والرسائل التي تحملها مظاهر انفتاح الشباب على مناسبات وثقافات عالمية.
احتفالات رغم الحظر ومواجهات في طهران
أظهرت مقاطع فيديو وصور متداولة على شبكات التواصل الاجتماعي، خلال 29 و30 تشرين الأول/ أكتوبر، مشاركة مجموعات من الشباب في احتفالات هالوين بالعاصمة طهران ومدن شيراز ومشهد وبوشهر، من خلال ارتداء الأزياء التنكرية وتزيين السيارات ووضع مكياج يحاكي الشخصيات المرعبة المرتبطة بالمناسبة.
وبرز شارع إيرانشهر في طهران باعتباره إحدى أبرز نقاط تجمع المحتفلين، إذ شهد حضوراً واسعاً لشباب ارتدوا أزياء تنكرية وشاركوا في مظاهر الاحتفال، رغم التحذيرات الرسمية من تنظيم أي فعاليات مرتبطة بهالوين.
وبحسب موقع “إيران واير”، تحولت التجمعات في شارع إيرانشهر، مساء الجمعة 30 تشرين الأول/ أكتوبر، إلى مواجهات بعد تدخل عناصر بملابس مدنية وعناصر من قوات الباسيج لتفريق المحتفلين.
ونقل الموقع عن شهود عيان قولهم إن أعداداً كبيرة من العناصر الملثمين، بعضهم كان يحمل العصي والهراوات، انتشرت في الشارع واعتدت على عدد من الموجودين، كما أغلقت الطريق وأجبرت المقاهي على إخلاء زبائنها وإغلاق أبوابها.
وأضاف الشهود أن العناصر الأمنية اعترضت على ملابس المشاركين والرسومات التي وضعوها على وجوههم، قبل أن تعمل على تفريق التجمعات بالقوة.
وتأتي هذه المواجهات بعد إعلان غرفة أصناف إيران، في 29 تشرين الأول/ أكتوبر، منع تنظيم أي مراسم أو احتفالات أو تجمعات مرتبطة بهالوين في الأماكن العامة والوحدات التجارية، بما في ذلك الدعاية للمناسبة وبيع المنتجات والأدوات المرتبطة بها.
وهددت الغرفة المقاهي والمطاعم ومراكز الضيافة المخالفة بالإغلاق والإحالة إلى الجهات القضائية، مبررة القرار بما وصفته “حماية الشؤون الثقافية والدينية والاجتماعية للبلاد”.
وامتدت القيود إلى المنشآت السياحية، إذ أعلنت إدارة التراث الثقافي والسياحة والصناعات اليدوية في مدينة آران وبيدغول بمحافظة أصفهان منع تنظيم احتفالات هالوين في مراكز الإقامة والمنشآت السياحية، مع التلويح بإغلاق المخالفين أو إلغاء تراخيصهم.
وسبقت هذه الإجراءات إعلانات عن إلغاء فعاليات كانت مقررة في عدد من المقاهي والمراكز الفنية، بينها مقهى “إيزل” في أصفهان ومجمع “عمارت مادام وموسيو”، إلى جانب إلغاء ورشة عمل فنية مرتبطة بالمناسبة.
تمرد اجتماعي
تحمل دلالة احتفالات هالوين في إيران على انتشار مناسبة ثقافية وافدة، لتكشف عن مساحة من التباعد بين قطاعات من الشباب والنموذج الاجتماعي والأيديولوجي الذي تسعى السلطات إلى فرضه.
فخلال السنوات الماضية، أخذت مناسبات مثل هالوين تجد طريقها إلى أوساط شبابية في المدن الإيرانية الكبرى، عبر المقاهي والمراكز الترفيهية والمتاجر وشبكات التواصل الاجتماعي، لتتحول تدريجياً إلى نشاط تجاري وثقافي يتجاوز الاحتفال المنزلي المحدود.
ويكتسب هذا الانتشار أهمية في ظل القيود التي تفرضها السلطات الإيرانية على أنماط اللباس والاختلاط والأنشطة الترفيهية، ومحاولاتها ضبط المجال العام وفق القيم التي تتبناها الجمهورية الإسلامية.
ويرى مراقبون أن الإصرار على ممارسة أنشطة تحظرها السلطات وإظهارها في الشوارع والأماكن العامة يعكسان رفضاً لدى بعض الشرائح الاجتماعية للقيود المفروضة على خياراتها الشخصية.
وتبرز هذه الظاهرة في سياق أوسع من التوتر بين المجتمع والسلطات بشأن الحريات الشخصية، خصوصاً بعد احتجاجات “المرأة، الحياة، الحرية” التي اندلعت عام 2022، على خلفية وفاة الشابة الكردية مهسا أميني بعد توقيفها من قبل شرطة الأخلاق بسبب قواعد الحجاب الإلزامي.
ومنذ ذلك الحين، ظهرت في المدن الإيرانية مظاهر متكررة لعدم الالتزام بالحجاب الإلزامي، رغم استمرار القوانين والضغوط الرسمية، ما كشف عن صعوبة فرض القيود الاجتماعية بصورة كاملة ومستدامة.
من القناع إلى الرسالة
إلى جانب المظاهر الاحتفالية، حملت تجمعات هالوين في طهران دلالات تتجاوز الترفيه، خصوصاً مع انتقالها إلى الشوارع رغم قرارات المنع والتهديدات الأمنية.
ويرى مراقون أن ارتداء الأقنعة والأزياء التنكرية، وتحويل الشوارع إلى مساحة للاحتفال، يمكن قراءته ضمن ما يعرف بـ”الكرنفالية”، وهي مساحة مؤقتة تتراجع فيها القيود الاجتماعية المعتادة، ويجد الأفراد فيها فرصة للتعبير عن أنفسهم بصورة مختلفة عن الأدوار التي تفرضها عليهم السلطة والمجتمع.

وفي هذا السياق، لا يخفي القناع بالضرورة هوية مرتديه بقدر ما يمنحه مساحة للتعبير عن شخصية أو رغبة لا يستطيع إظهارها بالقدر نفسه في حياته اليومية.
ويشير متابعون أن الاحتفالات تحمل رسالة إلى النظام الإيرانية مفادها أن القيود الرسمية لا تكفي لمنع قطاعات من المجتمع من تبني أنماط حياة مختلفة، وأن محاولات ضبط الخيارات الشخصية تصطدم برغبات اجتماعية تتسع، خصوصاً بين الشباب في المدن الكبرى.
كما أن الإصرار على الاحتفال في الأماكن العامة، بدلاً من الاكتفاء بالتجمعات الخاصة، يضيف بعداً آخر إلى المشهد، إذ يجعل ممارسة النشاط نفسه تحدياً لقرار المنع، حتى من دون وجود شعارات سياسية أو مطالب مباشرة موجهة إلى الحكومة.
وفي الطرف الأخر يشيروا متابعون أن الاحتفالات وجهت رسالة للعالم تتصل برغبة قطاعات من الشباب الإيراني في الانتماء إلى فضاء ثقافي عالمي، والمشاركة في مناسبات وأنماط ترفيه لا تتقيد بالحدود السياسية أو الأيديولوجية التي تحاول السلطات فرضها.
وفي المحصلة، لم تكن احتفالات هالوين في إيران مجرد مناسبة تنكرية، إنما يعكس التوتر بين سلطة تريد فرض حياة اجتماعية وفق تصورها الأيديولوجي، وقطاعات من الشباب تسعى إلى توسيع مساحة الحرية الشخصية والانفتاح على العالم.
- هالوين إيران.. ماذا أراد الشباب الإيراني قوله للنظام والعالم؟
- ضمن برنامج “الرغيف الأفضل”.. تأهيل أفران عامة في الحسكة
- تصعيد “حوثي” من عدن إلى السعودية.. هجمات تطال المنشآت الحيوية
- “العمل وحده لا يكفي”.. كيف تفقد الأسر السورية استقرارها تحت وطأة تكاليف المعيشة؟
- القضاء الأميركي يسجن قرصاناً سورياً عمل لمصلحة نظام الأسد

