زوجة عمدة نيويورك تزور سوريا.. لماذا لا تزال واشنطن تحذر الأميركيين من السفر إليها؟

من المقرر أن تزور راما دواجي، زوجة عمدة نيويورك زهران ممداني، سوريا ولبنان في أيلول/سبتمبر المقبل، في رحلة عائلية أثارت جدلاً بعد إعلان مكتب ممداني أن فريقاً من شرطة المدينة سيرافقها، قبل أن تنفي الشرطة وجود ترتيبات من هذا النوع.

وأكدت شرطة نيويورك أنها لا ترسل عناصرها إلى دول مصنفة ضمن المستوى الرابع من تحذيرات السفر الأميركية في رحلات شخصية.

ولاحقاً، أقر ممداني بحدوث “سوء تفاهم”، موضحاً أن زوجته ستسافر من دون حماية تابعة لشرطة نيويورك، على أن تبدأ زيارتها في 20 أيلول/سبتمبر، من دون الإعلان عن تفاصيل مسار الرحلة أو المناطق التي ستزورها.

ولفتت الحادثة انتباه المتابعون حيث أعاد إلى الواجهة سؤالاً تجاوز تفاصيل الرحلة وهو: لماذا لا تزال سوريا مصنفة أميركياً ضمن أعلى درجات التحذير من السفر، رغم التحول السياسي الذي شهدته البلاد منذ سقوط نظام بشار الأسد؟

لماذا تضع واشنطن سوريا في مستوى “لا تسافر”؟

تصنف وزارة الخارجية الأميركية سوريا ولبنان ضمن المستوى الرابع من تحذيرات السفر، وهو أعلى مستوى في نظام التحذيرات الأميركي، ويعني أن السلطات تنصح المواطنين الأميركيين بـ “عدم السفر” إلى الدولة المعنية بسبب ارتفاع المخاطر.

زهران ممداني برفقة زوجته راما دواجي – انترنت

ولا يمثل التصنيف حظراً قانونياً على السفر، لكنه يعكس تقديراً رسمياً بأن المخاطر التي قد يتعرض لها المواطنون مرتفعة، وأن قدرة الحكومة الأميركية على تقديم المساعدة في حالات الطوارئ قد تكون محدودة للغاية أو غير متاحة.

وفي حالة سوريا، تحذر الخارجية الأميركية من مخاطر الإرهاب والاضطرابات والخطف واحتجاز الرهائن والجريمة والنزاع المسلح.

كما تشير إلى أن عمل السفارة الأميركية في دمشق معلق منذ عام 2012، ما يعني أن الحكومة الأميركية لا تستطيع تقديم الخدمات القنصلية المعتادة أو الطارئة لمواطنيها داخل سوريا.

ويعني ذلك أن المواطن الأميركي الموجود في سوريا قد يواجه وضعاً أمنياً طارئاً من دون قدرة مضمونة على الحصول على مساعدة مباشرة من الحكومة الأميركية، وهو عامل أساسي في استمرار التصنيف المرتفع.

من هي راما دواجي؟

راما دواجي، البالغة 29 عاماً، فنانة ورسامة أميركية من أصول سورية. ولدت في هيوستن بولاية تكساس، وانتقلت مع عائلتها إلى دبي عندما كانت في التاسعة من عمرها، قبل أن تعيش لاحقاً في نيويورك.

وتتناول أعمالها الفنية موضوعات مرتبطة بالنساء والعلاقات الاجتماعية والحياة في الشرق الأوسط، كما تعاونت مع مؤسسات إعلامية وثقافية.

وتزوجت دواجي من زهران ممداني عام 2025، قبل انتخابه عمدة لنيويورك وتوليه منصبه في كانون الثاني/يناير 2026.

ولا تحمل الرحلة، وفق المعلومات المعلنة، طابعاً رسمياً أو حكومياً، وإنما تأتي في إطار زيارة عائلية.

لماذا لم يتغير تصنيف سوريا؟

رغم سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024 وتولي سلطة انتقالية بقيادة أحمد الشرع إدارة البلاد، لم يؤد التحول السياسي تلقائياً إلى تغيير تقييم واشنطن للمخاطر الأمنية داخل سوريا.

راما دواجي فنانة ورسامة أميركية من أصول سورية – انترنت

ويرى مراقبون أن ـتحذيرات السفر الأميركية تستند إلى تقييم المخاطر، وليس إلى طبيعة العلاقة السياسية مع الحكومة القائمة وحدها. ولذلك فإن تغيير السلطة لا يعني بالضرورة رفع مستوى التحذير ما لم يتغير أيضاً تقييم الوضع الأمني وقدرة الدولة على حماية المواطنين والأجانب.

وتشير الخارجية الأميركية إلى أن الوضع الأمني في سوريا يمكن أن يتغير بسرعة، وهو ما يجعل المخاطر المرتبطة بالسفر إليها، من وجهة نظر واشنطن، صعبة التنبؤ.

كما أن استمرار مخاطر الإرهاب والخطف واحتجاز الرهائن والجريمة والنزاع المسلح، إلى جانب محدودية القدرة القنصلية الأميركية، يبقي سوريا ضمن أعلى مستويات التحذير.

وفي هذا السياق، اعتبر مفوض شرطة نيويورك السابق بيل براتون أن إرسال عناصر من شرطة المدينة لمرافقة دواجي إلى سوريا ولبنان سيكون “غير حكيم”، بالنظر إلى المخاطر المحتملة على أفراد الشرطة والحاجة إلى ترتيبات وتنسيق أمني واسع في حال حصول مثل هذه المهمة.

ماذا تكشف الزيارة؟

لا تمثل زيارة دواجي، من الناحية الرسمية، زيارة سياسية، لكن ارتباطها بعمدة أكبر مدينة أميركية يجعلها محط اهتمام إعلامي وسياسي.

كما أن كونها أميركية من أصول سورية يمنح الرحلة بعداً شخصياً، في وقت تسعى فيه سوريا إلى إعادة بناء علاقاتها مع الولايات المتحدة والدول الغربية بعد التحولات السياسية التي شهدتها البلاد.

لكن أهمية الرحلة تتجاوز هوية المسافرة نفسها. يرى مراقبون أن الولايات المتحدة قد تتعامل سياسياً مع السلطة الجديدة في دمشق، وقد تتغير طبيعة علاقاتها معها، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن مؤسساتها المعنية بأمن المواطنين ستغير تقييماتها بالسرعة نفسها.

وبذلك، تكشف رحلة زوجة عمدة نيويورك أن التحول السياسي في سوريا لم يتحول بعد إلى تحول مماثل في التقييم الأمني الأميركي للبلاد؛ إذ ما تزال واشنطن تعتبر السفر إليها مخاطرة مرتفعة بما يكفي للإبقاء عليها ضمن فئة “لا تسافر”.

محمد حبش

محمد حبش

صحفي سوري

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم