شكّل ارتباط جماعة “الحوثي” بالأجندة الإيرانية عاملاً أساسياً في إعادة تشكيل المشهد اليمني، إذ لم تكتفِ الجماعة بمصادرة قرار الدولة الداخلي، بل تحولت إلى أداة لتنفيذ جزء من استراتيجية طهران في تهديد الممرات البحرية الدولية والاعتداء المستمر على أراضي دول الجوار.
وقد أدّت هذه التجاوزات الميدانية والتهديدات العابرة للحدود إلى نقل الأزمة اليمنية من مجرد صراع محلي إلى مرحلة جديدة وشديدة الخطورة من الصراع المفتوح، مما فرض واقعاً ميدانياً يستدعي تدخلاً حاسماً للقوات والدول الدولية والإقليمية لإعادة التوازن، وحماية أمن الملاحة العالمية، وتجريد الجماعة من أدوات الابتزاز الاستراتيجي، والضغط عليهم للانخراط الجاد في العملية السياسية داخل اليمن.
“فجر اليمن”.. معركة لاستعادة دور الدولة
أعلن رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، انطلاق عمليات عسكرية واسعة أطلق عليها “فجر اليمن”، لاستعادة الأراضي الخاضعة لسيطرة الحوثيين وبسط سلطة الدولة على كامل التراب الوطني. وأوضح العليمي أنه وجّه القوات المسلحة وكافة التشكيلات العسكرية للبدء بتنفيذ الخطط المعتمدة، مشيراً إلى أن قرار العمليات جاء بعد استنفاد فرص السلام ومقابلة “الحوثيين” لجهود التهدئة بالتصعيد والحشد.
ومن جانبه، أكد الناطق باسم القوات المسلحة، ماجد النزيلي، أن المعركة تهدف لإنهاء الانقلاب واستعادة السيادة الوطنية، بعدما تجاوزت أضرار المليشيا الداخل اليمني لتطال الإقليم والملاحة الدولية.

وأكد البيان الصادر عن الناطق باسم القوات المسلحة، استمرار العمليات العسكرية على مختلف المحاور وفق الخطط المعتمدة، موضحاً أن “القوات نفذت 1122 عملية استهداف دقيقة شملت مرابض المدفعية، والتحصينات، وخطوط الإمداد، ومراكز القيادة التابعة للمليشيات في جبهات صعدة والجوف وتعز والساحل، باستخدام الطيران الحربي والمسيّر والصواريخ والمدفعية وقناصة القوات. وأسفرت هذه الضربات، وفق الحصيلة الميدانية، عن تحييد 1747 عنصراً من الميليشيا، وتدمير وإعطاب 364 آلية ومعدة عسكرية، مع تأكيد الجيش على مواصلة معركة التحرير واستعادة سيادة الدولة بثبات واقتدار”.
وفي هذا الصدد، يعلق الباحث اليمني عادل الأحمدي، رئيس “مركز نشوان للدراسات”، في حديثه مع “الحل نت” قائلاً: “إن الهدف الرئيس للعمليات العسكرية للحكومة اليمنية المعترف بها دولياً التابعة هو تحرير اليمن من سيطرة جماعة الحوثي، مما يعني أن هذه العمليات لن تتوقف إلا بإنهاء الانقلاب القائم منذ عام 2014 وبسط سلطة الدولة على كامل أراضيها”.
وأردف الباحث اليمني أنه “يُفترض أن تُفضي هذه الجهود إلى إنهاء احتكار الجماعة للسلاح، استناداً إلى المبدأ الذي يقرّ بأن الدولة هي الجهة الوحيدة المالكة لحق الاستخدام المشروع لأدوات الإكراه، من سلاح ومؤسسات إنفاذ القانون”.
منع استحواذ “الحوثي” على باب المندب
يمثل مضيق باب المندب أحد أهم الممرات الملاحية وأكثرها حساسية في جغرافية التجارة العالمية، إذ يشكل نقطة عبور استراتيجية لحركة التجارة والطاقة بين البحر الأحمر وخليج عدن والمحيط الهندي، كما يكتسب أهمية خاصة بالنسبة إلى حركة شحنات النفط والغاز المتجهة بين الخليج والأسواق العالمية.
وبالتالي، فإن سيطرة جماعة “الحوثي” على مواقع ومناطق مطلة على هذا الشريان الحيوي، وبدعم واستراتيجية إيرانية، تمنح طهران ووكلاءها ورقة ضغط جيوسياسية كبيرة، تستخدم للمناورة أمام الولايات المتحدة وحلفائها الإقليميين في الخليج، هذا بالإضافة إلى تهديد الاستقرار المالي والأمني للاقتصاد العالمي ككل.
وقد شهدت الأسابيع الأخيرة تحولاً ميدانياً خطيراً، حيث تمكن “الحوثيون” من فرض نفوذهم على مناطق ومواقع استراتيجية امتداداً للساحل الجنوبي للبحر الأحمر والمطلة بشكل مباشر على المضيق. ورافق هذا التمدد الميداني تصعيد مكثف في وتيرة الهجمات باستخدام الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة الموجهة نحو الأراضي والمنشآت السعودية، مما دفع المملكة إلى الرد العسكري عبر شن غارات جوية مكثفة استهدفت المواقع الاستراتيجية ومصادر التهديد التابعة للجماعة.
ولهذا جاءت العملية “فجر اليمن” وشملت قوات برية موالية للحكومة المعترف بها دولياً في اليمن، مع غطاء جوي سعودي. وصرح مسؤول أميركي رفيع المستوى لوسائل الإعلام بأن الولايات المتحدة تقدم الدعم للسعودية لمواجهة هجمات “الحوثيين”. وأضاف قائلاً: “تستخدم السعودية قدرات التزود بالوقود الأميركية للدفاع عن مجالها الجوي ومساعدة القوات التي تحارب الحوثيين”.
وقالت “نيويورك تايمز”، نقلاً عن مسؤول أميركي، إن “الولايات المتحدة تقدم دعماً عسكرياً للمملكة العربية السعودية خلال الهجوم ضد الحوثيين”. فيما ترجح تقارير صحفية أن واشنطن تدعم السعودية والحكومة اليمنية المعترف بها دولياً عبر الدعم الاستخباراتي والمعلومات اللوجستية، والالتزام بالاتفاقيات الدفاعية المشتركة، وحق السعودية في الدفاع عن نفسها في مواجهة هجمات “الحوثيين”، بينما ترفض حتى الآن تنفيذ ضربات عسكرية أميركية مباشرة إلى جانب الرياض، في ظل عدم وجود مؤشرات معلنة حتى الآن على مشاركة ميدانية أو قتالية مباشرة للقوات الأميركية في هذه العملية العسكرية.
وبالعودة إلى الباحث اليمني عادل الأحمدي: “تمثل الموافقة الدولية للعمليات العسكرية الحالية ضد جماعة الحوثي نقطة تحول استراتيجية مفصلية في مسار الصراع اليمني؛ إذ لم تعد هذه العمليات تُصنف كنزاع داخلي أو مواجهة إقليمية، بل تحولت إلى جهود تُنفذ تحت مظلة ودعم دولي واسعين فرضتهما ممارسات الجماعة الحوثية نفسها. فبعد استنفاد المجتمع الدولي والدول الكبرى كافة مبادرات التهدئة، واستمرار الجماعة في استهداف الممرات البحرية والتجارة العالمية واعتداءاتها المتكررة على دول الجوار، قررت الإدارة الدولية الحد من نفوذ وقدرات جماعة الحوثي”.
من جبهات تعز ولحج إلى معادلات الصراع الإقليمي
على الصعيد الميداني، تركز جانب من العمليات الأخيرة في تعز ولحج، حيث أعلنت القوات الحكومية تنفيذ 97 عملية استهداف ضد مواقع وتجمعات تابعة “للحوثيين” في جبهة طور الباحة ومحور تعز. كما تحدثت تقارير عن استعادة الحكومة اليمنية السيطرة على مناطق سكنية وسلسلة جبلية في مديرية حيفان جنوب محافظة تعز، فضلاً عن تقدم استراتيجي لقوات التحالف وتحديداً “العمالقة” و”درع الوطن” غربي تعز مما أربك جماعة “الحوثي” وقطع خطوط إمدادها القادمة من إب.

وقالت قناة “العربية” إنه بعد التقدم في ذوباب وباب المندب والمخا اتجهت القوات الحكومية صوب الوازعية غربي تعز، وقد تكبد “الحوثيون” خسائر مادية ولوجستية كبيرة حتى اليوم.
وتكتسب جبهتا تعز ولحج أهمية خاصة نظراً لموقعهما واتصالهما بالمناطق الجنوبية والساحل الغربي، إذ تشكل لحج ممراً مهماً نحو عدن والمناطق الجنوبية. وبالتزامن مع إعلان بدء العمليات، شرعت الحكومة اليمنية في تنفيذ قرار التعبئة العامة والنفير المجتمعي من العاصمة المؤقتة عدن، فيما قال وزير الدفاع طاهر العقيلي إن الإجراءات التنفيذية للقرار بدأت، وتشمل تفعيل مسارات التعبئة البشرية والاحتياط، وتنظيم مراكز الاستقبال، وتكليف الجهات المعنية بتنفيذ المهام الموكلة إليها.
ووفق التقديرات، تشير هذه الخطوة إلى أن الحكومة تستعد لمعركة قد تحتاج إلى موارد بشرية وعسكرية كبيرة، خصوصاً إذا توسعت العمليات إلى أكثر من جبهة.
وعلى الرغم من أن الجبهات المشتعلة حالياً تبدو ظاهرياً كامتداد للصراع اليمني الممتد منذ نحو اثني عشر عاماً، إلا أن المحللين يقرؤونها ضمن سياق إقليمي ودولي أوسع نطاقاً، حيث ترتبط مباشرة بمشاريع إيران العدائية في المنطقة، وحالة التنافس مع الرياض. ويتجلى ذلك في استمرار جماعة “الحوثي” المدعومة من طهران في شن هجمات صاروخية واستهداف المنشآت النفطية والمدن السعودية.
“التهلكة” على غرار ما لحق بـ”حزب الله”
وقد أطهرت الأحداث أن اعتماد “الحوثيين” الكامل والمستمر على إيران قد يقودهم إلى مصير مشابه لما واجهه “حزب الله” الموالي لطهران في لبنان. فبدلاً من التركيز على مصالح اليمنيين، أصبحت الجماعة، وفق هذا الطرح، أداة تنفذ رغبات طهران، تماماً كما حدث في لبنان الذي دمرته الحروب والأزمات الاقتصادية.
واليوم يصر “الحوثيون” على إدخال اليمن في صراعات “لا ناقة له فيها ولا جمل”، من خلال هجماتهم واستغلالهم للبحر والأراضي اليمنية لصالح مشاريع إيران. هذا الارتهان للخارج قد يتسبب في دمار البلاد وعزلها، وفي النهاية يدفع المواطن البسيط ثمن هذه المغامرات الصفرية، بينما قد تتخلى طهران عن حلفائها عندما تتغير المصالح.
وعليه، يتضح أن اتباع “الحوثيين” لإيران بشكل كامل كان عاملاً أساسياً في إضعاف موقفهم؛ فقد تسببوا في معاداة قطاعات من الشعب اليمني والدول المجاورة والمجتمع الدولي.
ومع بدء المعارك العسكرية القوية وتشديد الرقابة على طرق تهريب السلاح، أصبحت الجماعة في موقف صعب جداً اليوم، خصوصاً إذا استمرت خسارتها لبعض أوراق اللعب والمناورة.
وفي ضوء التطورات العسكرية الحالية، تبدو نهاية مشروع “الحوثي” أمام مسار عسكري وسياسي جديد، وقد تصبح مسألة إضعاف الجماعة أو تغيير موقعها في المعادلة اليمنية مرتبطة بنتائج العمليات المقبلة، ليتأكد مجدداً أن الارتهان لإيران قد يفاقم الدمار والانهيار في الدول التي تنخرط في صراعاتها الإقليمية وليس أكثر من ذلك.
- تحقيقات فساد تطال رئيس فرع الحماية والأمن الدبلوماسي في حمص
- من تركيا إلى البرازيل الواردات تتوسع والمنافسة تشتد.. هل يستفيد المستهلك السوري؟
- استهداف مطار عدن.. صواريخ تسقط قرب مدرج الطائرات
- عودة أزمة البنزين المغشوش في سوريا.. ماذا وجدت فحوص “سادكوب”؟
- عملية “فجر اليمن”.. هل يسرّع الارتهان لإيران نهاية “الحوثيين”؟

