لجنة التحقيق الدولية: العدالة الشاملة شرط لنجاح المرحلة الانتقالية في سوريا

جدد مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة ولاية لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا لمدة عام، فيما قدمت اللجنة، اليوم الثلاثاء، تحديثاً شفهياً أمام المجلس حول أوضاع حقوق الإنسان في البلاد، محذرة من أن نجاح المرحلة الانتقالية يتطلب مساءلة شاملة، وضمانات لمنع تكرار الانتهاكات، ومشاركة أوسع في العملية السياسية.

وكان المجلس قد اعتمد في آذار/مارس الماضي القرار A/HRC/61/L.25، الذي مدد ولاية اللجنة عاماً إضافياً من دون تصويت، وكلفها بتقديم تحديث شفهي خلال الدورة الـ63 الحالية، إلى جانب تقرير يغطي الفترة الممتدة من كانون الثاني/يناير 2026 إلى كانون الثاني/يناير 2027. ويأتي اجتماع اليوم في إطار تنفيذ هذا القرار، بينما تواصل اللجنة التحقيق في الانتهاكات التي شهدتها سوريا خلال المرحلة الانتقالية.

مساءلة شاملة وتحذير من العدالة الانتقائية

قالت اللجنة إن الانتقال السياسي في سوريا يحتاج إلى معالجة شاملة لإرث الانتهاكات، مؤكدة أن المساءلة يجب أن تشمل جميع مرتكبي الجرائم والانتهاكات الجسيمة، بغض النظر عن انتماءاتهم أو مواقعهم. وحذرت من أن تطبيق العدالة بصورة انتقائية يمكن أن يعيد إنتاج المظالم التي غذت النزاع، ويقوض جهود المصالحة وبناء مؤسسات قادرة على حماية حقوق الإنسان.

وفد من لجنة التحقيق الدولية المستقلة يجتمع بوزير الخارجية السوري أسعد الشيباني. (سانا)

ورحبت اللجنة ببعض الخطوات التي اتخذتها السلطات السورية في مجال بناء مؤسسات المساءلة، وباستمرار تعاونها مع اللجنة، لكنها شددت على أن الإصلاح المؤسسي يجب أن يترافق مع إجراءات ملموسة للتحقيق في الانتهاكات ومحاسبة المسؤولين عنها، إلى جانب الكشف عن مصير المفقودين ومعالجة ملف المحتجزين.

وتناولت اللجنة الانتهاكات المرتبطة بأحداث الساحل وغربي سوريا، وكذلك أعمال العنف التي شهدتها محافظة السويداء، مؤكدة ضرورة توسيع نطاق التحقيقات والمساءلة لتشمل الانتهاكات التي ارتكبتها مختلف الأطراف. كما أشارت إلى استمرار المخاوف المتعلقة بالاعتقالات التعسفية، والوفيات أثناء الاحتجاز، والتهديدات التي تستهدف ناشطين ونساء، إضافة إلى خطاب الكراهية والتحريض على العنف.

السويداء وشمال شرقي سوريا

وأبقت اللجنة ملف السويداء ضمن القضايا الرئيسية التي تتابعها، في ظل استمرار التوترات والانتهاكات التي رافقت موجات العنف في المحافظة. ودعت إلى ضمان إجراء تحقيقات مستقلة وشفافة في الانتهاكات ومحاسبة المسؤولين عنها، باعتبار ذلك جزءاً من معالجة أسباب العنف ومنع تجدده.

وفي شمال شرقي سوريا، قالت اللجنة إنها تواصل التحقيق في تقارير عن انتهاكات خطيرة، بما في ذلك عمليات قتل لمحتجزين خلال المواجهات بين الحكومة وقوات سوريا الديمقراطية. كما أعربت عن قلقها إزاء أوضاع المحتجزين في المخيمات ومراكز الاحتجاز، ولا سيما النساء والأطفال الذين يشتبه بارتباطهم بتنظيم “داعش”.

وأشارت اللجنة إلى وجود أكثر من ألفي شخص، معظمهم من النساء والأطفال، في مخيم روج، إضافة إلى أكثر من 100 طفل أجنبي محتجزين في شمال شرقي سوريا.

مخيم روج. (انترنت)

وجددت دعوتها إلى إنهاء الاحتجاز التعسفي، وإعادة الرعايا الأجانب إلى بلدانهم، وضمان معاملة الأطفال المحتجزين باعتبارهم ضحايا يحتاجون إلى الحماية وإعادة التأهيل.

كما أعربت عن قلقها إزاء نقل أكثر من 5700 رجل وفتى إلى العراق في وقت سابق من العام، معتبرة أن التعامل مع هذا الملف يجب أن يتم بما يضمن حقوق المحتجزين الأساسية، بما في ذلك ضمانات المحاكمة العادلة وعدم التعرض للتعذيب أو سوء المعاملة.

انتقادات للعمليات الإسرائيلية داخل سوريا

وتطرقت اللجنة كذلك إلى العمليات العسكرية الإسرائيلية داخل الأراضي السورية، معربة عن قلقها من استمرار التوغلات والعمليات البرية والمداهمات والاحتجازات، وما تسببه من انتهاكات ونزوح للسكان.

وقالت اللجنة إن قوات إسرائيلية احتجزت 49 شخصاً داخل الأراضي السورية حتى أيلول/سبتمبر، بينهم طفلان، مشيرة إلى مخاوف بشأن ظروف احتجاز بعضهم وإمكانية تعرضهم للتعذيب أو سوء المعاملة.

وأكدت اللجنة أن حماية حقوق الإنسان خلال المرحلة الانتقالية تتطلب معالجة الانتهاكات التي ترتكبها جميع الأطراف، ودعت السلطات السورية والمجتمع الدولي إلى دعم بناء مؤسسات قضائية وأمنية قادرة على إجراء تحقيقات مستقلة وضمان المساءلة.

ويأتي تحديث اللجنة في وقت تواصل فيه سوريا انتقالها السياسي والمؤسسي وسط ملفات أمنية وحقوقية شديدة التعقيد، بينما يفترض أن تقدم اللجنة تقريرها المقبل إلى مجلس حقوق الإنسان ضمن الولاية التي جرى تمديدها حتى عام 2027.

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم