دخلت المواجهة بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران مرحلة جديدة أكثر تعقيداً، بعدما انهارت عملياً التفاهمات التي كانت قد خففت من حدة التصعيد خلال الأسابيع الماضية، مع تبادل الطرفين الاتهامات بخرق “مذكرة التفاهم” الموقعة في حزيران/يونيو الماضي، واستئناف العمليات العسكرية بوتيرة غير مسبوقة.
وبناء على تلك التطورات عادت المنطقة إلى مربع المواجهة المفتوحة، ما طرح تساؤلات جدية حول ما إذا كانت تلك المذكرة قد فقدت قيمتها السياسية والأمنية، أم أنها لا تزال تشكل إطاراً يمكن العودة إليه إذا توافرت الإرادة السياسية.
تصعيد ميداني غير مسبوق
خلال اليوم الثامن من التصعيد، كثفت الولايات المتحدة عملياتها العسكرية ضد أهداف داخل إيران، في إطار استراتيجية أعلنت القيادة المركزية الأميركية “سنتكوم” أنها تستهدف تقويض القدرات العسكرية الإيرانية المرتبطة بتهديد الملاحة الدولية في مضيق هرمز.
وشملت الضربات مواقع للدفاعات الجوية، ومنشآت للمراقبة الساحلية، ومستودعات للصواريخ والطائرات المسيّرة، إلى جانب مواقع مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني، قالت واشنطن إنها استخدمت في الهجمات الأخيرة على القوات الأميركية وحلفائها في المنطقة.

كما دفعت وزارة الدفاع الأميركية بتعزيزات جوية إضافية، تضمنت مقاتلات من طرازي “إف-16” و”إف-35″، في مؤشر واضح على استعدادها لمواصلة العمليات إذا استمرت الهجمات الإيرانية.
وفي المقابل، وسعت إيران نطاق ردها العسكري، إذ استهدفت قواعد ومنشآت عسكرية أميركية وحليفة في عدد من دول الخليج، بينما أكدت طهران أن التصعيد الأميركي يمثل انتهاكاً مباشراً للتفاهمات السابقة، وأن استمرار الضربات يبرر تعليق التزاماتها الواردة في مذكرة التفاهم.
كما صعدت القيادة الإيرانية خطابها السياسي، معتبرة أن الاتفاق المؤقت فقد مضمونه بعد ما وصفته بانتهاكات أميركية متكررة، فيما أكد المرشد الإيراني أن التعويل على التعهدات الأميركية لم يعد ممكناً، في حين رد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالقول إنه “غير معني” بإعلان إيران تعليق التزاماتها، في رسالة تعكس اتساع الهوة بين الطرفين.
اتفاق تحت اختبار النار
كانت مذكرة التفاهم، التي وُقعت بوساطة إقليمية في الشهر الماضي، قد هدفت إلى وقف الأعمال العسكرية، وإعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة التجارية، وتهيئة الأرضية لاستئناف المفاوضات بشأن البرنامج النووي الإيراني والقضايا الأمنية الإقليمية.
كما تضمنت تفاهمات أولية لتنظيم حركة الملاحة في المضيق وخفض الاحتكاك العسكري، إلا أن كثيراً من تفاصيلها تُركت لمفاوضات لاحقة، الأمر الذي جعلها عرضة للاهتزاز مع أول اختبار ميداني جدي.
وتبدو أزمة مضيق هرمز اليوم في قلب الخلاف بين الطرفين، إذ تتمسك إيران بحقها في تنظيم المرور عبر الممر البحري وفق ما تعتبره مقتضيات أمنها القومي، بينما تؤكد الولايات المتحدة أن ضمان حرية الملاحة يمثل أولوية استراتيجية لا يمكن التراجع عنها.
وقد أعادت واشنطن فرض حصار بحري على الموانئ الإيرانية، وأعلنت اعتراض وتحويل مسار عدد من السفن المرتبطة بإيران، في خطوة اعتبرتها طهران خرقاً مباشراً للتفاهمات السابقة، بينما تؤكد الإدارة الأميركية أن إجراءاتها تستهدف منع استخدام الموانئ الإيرانية لدعم العمليات العسكرية وليس تعطيل التجارة الدولية.
رهانات الطاقة العالمية
يكتسب مضيق هرمز أهمية استثنائية، إذ يمر عبره نحو خمس تجارة النفط العالمية وكميات ضخمة من الغاز الطبيعي المسال، ما يجعل أي اضطراب في حركة الملاحة ينعكس سريعاً على أسواق الطاقة العالمية.
ولهذا السبب، سارعت كل من دول مجلس التعاون الخليجي والاتحاد الأوروبي إلى تجديد الدعوة لضمان حرية الملاحة وإبقاء المضيق مفتوحاً أمام السفن التجارية، مع إدانة الهجمات التي استهدفت السفن والمنشآت المدنية، والتحذير من أن استمرار التصعيد سيهدد أمن الطاقة العالمي ويزيد من تقلبات الأسواق.

في الوقت نفسه، يواصل الرئيس الأميركي دونالد ترامب تبرير العمليات العسكرية باعتبارها جزءاً من استراتيجية تهدف إلى منع إيران من امتلاك سلاح نووي، مؤكداً أن بلاده لن توقف عملياتها قبل إزالة التهديد الذي تمثله القدرات العسكرية الإيرانية.
أما طهران، فتواصل نفيها السعي إلى تطوير سلاح نووي، رغم استمرار الخلاف مع القوى الغربية بشأن مستويات تخصيب اليورانيوم، التي تجاوزت في السنوات الأخيرة نسبة 60 بالمئة، وهي نسبة تقترب من المستوى اللازم لإنتاج مواد انشطارية صالحة للاستخدام العسكري، وفق تقييمات الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
انهيار الثقة قبل الاتفاق
لا تعني التطورات الأخيرة بالضرورة انتهاء صلاحية مذكرة التفاهم من الناحية القانونية، لكنها تكشف عملياً عن انهيار الثقة السياسية التي قامت عليها، فالاتفاق المؤقت كان يستند إلى التزام متبادل بخفض التصعيد، بينما أصبح كل طرف يتهم الآخر بأنه بدأ أولاً بخرق التفاهمات، وهو ما أدى إلى تفريغها من مضمونها التنفيذي.
وتشير تحليلات متخصصة إلى أن أي محاولة لإحياء الاتفاق ستكون مرهونة أولاً بوقف العمليات العسكرية، ثم التوصل إلى تفاهمات أكثر تفصيلاً بشأن الملاحة في مضيق هرمز، والبرنامج النووي الإيراني، ودور القوات الأميركية في المنطقة، وهي ملفات أثبتت الأحداث الأخيرة أنها أكثر تعقيداً مما كان يُعتقد عند توقيع الاتفاق.

وبين استمرار الضربات الأميركية، وتمسك إيران بالرد العسكري، وتزايد المخاوف الدولية من اتساع رقعة الحرب، تبدو مذكرة التفاهم اليوم أقرب إلى وثيقة سياسية فقدت فعاليتها العملية أكثر من كونها إطاراً قادراً على ضبط الصراع.
وإذا لم تنجح الجهود الدبلوماسية في إعادة بناء الحد الأدنى من الثقة بين الطرفين، فإن المنطقة قد تدخل مرحلة جديدة تتجاوز مجرد انهيار اتفاق مؤقت، لتتحول إلى مواجهة مفتوحة ستكون لها تداعيات مباشرة على أمن الخليج، وأسواق الطاقة، والاقتصاد العالمي بأسره.
- استنزاف “حوثي” متواصل في معارك غرب تعز.. تابع المستجدات
- مهاجرون أفارقة في الصفوف الأولى لهجمات “الحوثيين” على تعز
- طهران وبكين على مفترق هرمز.. ماذا تريد الصين من إيران؟
- تقرير حقوقي يحمل الحكومة وفصائل بالسويداء مسؤولية عرقلة امتحانات الطلاب
- على خلفية مقتل متظاهرين عراقيين.. تحرك قضائي ضد زعيم منظمة “بدر”

