اتفاق “هرمز” يقترب من مرحلته النهائية.. هل تكسب إيران معركة النفوذ بعد الحرب؟

هرمز

مع اقتراب المفاوضات بين إيران وسلطنة عُمان من محطتها الأخيرة، تتجه الأنظار إلى مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية في العالم، حيث لا تبدو القضية مقتصرة على إعادة فتح طريق ملاحي تعطلت فيه التجارة بفعل الحرب، بل تتجاوز ذلك إلى إعادة رسم موازين النفوذ في الخليج.

وبينما تتحدث طهران عن “المرحلة النهائية” لصياغة الاتفاق، وتبدي واشنطن تفاؤلاً بإمكانية الإعلان عنه خلال أيام، تتصاعد في المقابل مخاوف إقليمية ودولية من أن ينتهي التفاهم إلى منح إيران نفوذاً أكبر على شريان تمر عبره نحو خُمس تجارة النفط العالمية، بما قد يحول الأزمة العسكرية إلى مكسب استراتيجي لطهران.

طهران وواشنطن.. روايتان متباينتان

أعلن مسؤولون إيرانيون أن المفاوضات الثنائية مع سلطنة عُمان دخلت مرحلة المراجعة النهائية بعد استكمال الجوانب الفنية والقانونية المتعلقة بتنظيم حركة الملاحة، مؤكدين أن التفاهم الجديد لا يعني العودة إلى الوضع الذي كان قائماً قبل الحرب، وإنما إنشاء نموذج مختلف لإدارة العبور البحري يتوافق، وفق الرواية الإيرانية، مع المصالح الأمنية والسيادية للدولتين المشاطئتين للمضيق.

كما شددت طهران على أن المحادثات تجري حصراً مع مسقط، نافية وجود مفاوضات مباشرة مع الولايات المتحدة، رغم التصريحات الأميركية التي توحي بعكس ذلك.

النفوذ الإيراني في مضيق هرمز- إنترنت

في المقابل، أبدى الرئيس الأميركي دونالد ترمب تفاؤلاً بإمكانية التوصل إلى اتفاق قريب، معتبراً أن المباحثات حققت تقدماً كبيراً، فيما أوضح نائب الرئيس جيه دي فانس أن إنهاء الأزمة يتطلب وقتاً وأن المفاوضات تمر بمراحل معقدة وطبيعتها “فوضوية”.

ويعكس هذا التباين في التصريحات استمرار الهوة بين الخطاب السياسي للطرفين، حتى مع اقترابهما من تفاهم قد يشكل نقطة تحول في واحدة من أخطر الأزمات البحرية التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة.

كيف سيُدار المضيق؟

بحسب التسريبات المتداولة، يقوم الاتفاق على تنظيم حركة السفن عبر مسارين منفصلين، بحيث تدخل السفن المتجهة إلى الخليج عبر ممر يقع داخل المياه الإيرانية، بينما تغادر عبر ممر تشرف عليه سلطنة عُمان، على أن يتم لاحقاً دمج الحركة في ممر واحد بعد استكمال إزالة الألغام البحرية التي خلفتها الحرب.

كما يتضمن المقترح ترتيبات تتعلق بتقديم خدمات ملاحية وبيئية للسفن العابرة، وهي النقطة التي أثارت اعتراضاً أميركياً واضحاً، إذ ترفض واشنطن منح إيران أي صلاحية تسمح لها بفرض رسوم أو ممارسة نفوذ مباشر على حركة التجارة الدولية.

ورغم أن الاتفاق يوصف بأنه مؤقت، إلا أن أهميته تتجاوز الجانب الملاحي، إذ يرتبط عملياً بإحياء التفاهم الذي كانت واشنطن وطهران قد توصلتا إليه في حزيران/يونيو الماضي قبل انهياره، والذي كان يهدف إلى وقف العمليات العسكرية واستئناف المفاوضات الخاصة بالبرنامج النووي الإيراني.

 وتشير معلومات نقلتها وسائل إعلام غربية إلى أن مسودة الاتفاق أصبحت جاهزة بانتظار الموافقة النهائية من القيادة الإيرانية، ما يجعلها أقرب من أي وقت مضى إلى التنفيذ، إذا لم تطرأ تطورات سياسية أو أمنية تعرقل المسار الحالي.

نفوذ جديد تحت غطاء الملاحة

غير أن التفاؤل الدبلوماسي يقابله حذر واسع لدى دوائر سياسية وأمنية غربية، إذ يرى عدد من المحللين أن إعادة تنظيم الملاحة بالشكل المطروح قد تمنح إيران للمرة الأولى دوراً عملياً في إدارة حركة العبور داخل المضيق، بما يتجاوز الحقوق التقليدية التي تكفلها اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار للدول الساحلية.

ويحذر هؤلاء من أن اعتماد ممر واحد في المستقبل قد يتيح لطهران امتلاك أدوات ضغط إضافية، سواء عبر التحكم في تدفق السفن أو التأثير في حركة بعض الناقلات خلال فترات التوتر السياسي، وهو ما قد يخلق واقعاً جديداً يصعب التراجع عنه لاحقاً.

مرور السفن عبر مضيق هرمز- إنترنت

وتكتسب هذه المخاوف أهمية خاصة بالنظر إلى المكانة الاستراتيجية لمضيق هرمز، الذي يمر عبره ما يقارب 20 بالمئة من تجارة النفط العالمية وكميات ضخمة من الغاز الطبيعي المسال، ما يجعل أي تغيير في آلية إدارته قضية ذات انعكاسات مباشرة على أسواق الطاقة العالمية.

 وقد أدى إغلاق المضيق خلال الحرب إلى اضطراب سلاسل الإمداد وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، وهو ما دفع الدول المستوردة للنفط إلى ممارسة ضغوط دبلوماسية واسعة لإعادة فتحه في أسرع وقت ممكن، لذلك، فإن نجاح الاتفاق قد يسهم في تهدئة أسواق الطاقة وخفض تكاليف النقل، لكنه في الوقت ذاته قد يرسخ واقعاً جيوسياسياً جديداً يمنح إيران أوراق قوة إضافية.

قلق خليجي وحسابات أميركية

في موازاة ذلك، برزت قراءة أخرى للأزمة ركزت على انعكاساتها في علاقات الولايات المتحدة بحلفائها الخليجيين، فبحسب تحليلات غربية، شهدت الأشهر الأخيرة تراجعاً في مستوى الثقة السعودية بالسياسة الأميركية تجاه إيران، نتيجة تغير المواقف بين التصعيد العسكري والانفتاح على التفاوض.

وتشير هذه التقديرات إلى أن الرياض، التي كانت تؤيد في بداية الأزمة إضعاف القدرات الإيرانية، أصبحت أكثر ميلاً إلى دعم تسوية سياسية تقلل من مخاطر استمرار الحرب على أمن الخليج وتدفقات الطاقة العالمية، خاصة بعد أن أثبتت المواجهة أن كلفة التصعيد قد تكون أعلى من مكاسبها.

كما يرى محللون أن الإدارة الأميركية تجد نفسها أمام معادلة معقدة؛ فمن جهة ترغب في إنهاء الأزمة وإعادة الاستقرار إلى أحد أهم الممرات البحرية في العالم، ومن جهة أخرى لا تريد أن يظهر الاتفاق وكأنه اعتراف بدور إيراني أوسع في الخليج أو تنازل استراتيجي يمنح طهران نفوذاً دائماً.

ولذلك تتمسك واشنطن برفض أي ترتيبات تمنح إيران حق فرض رسوم أو ممارسة سلطة منفردة على الملاحة، في محاولة للحفاظ على مبدأ حرية العبور الذي شكل لعقود أحد ركائز النظام البحري الدولي.

اختبار الاستقرار أم تكريس النفوذ؟

في حال إقرار الاتفاق بصيغته الحالية، فإنه لن يمثل مجرد تفاهم فني لتنظيم حركة السفن، بل سيؤسس لمرحلة سياسية جديدة في الخليج، يكون عنوانها الانتقال من المواجهة العسكرية إلى إدارة النفوذ عبر التفاهمات الدبلوماسية.

إلا أن هذا الانتقال لن يخلو من التحديات، إذ ستظل قدرة الاتفاق على الصمود مرهونة بمدى التزام أطرافه، وبإمكانية التوفيق بين مطلب المجتمع الدولي بضمان حرية الملاحة، وإصرار إيران على تثبيت دورها كفاعل رئيسي في إدارة المضيق.

ومن هنا، تبدو المرحلة المقبلة اختباراً حقيقياً لما إذا كان “اتفاق هرمز” سيحقق الاستقرار المنشود، أم أنه سيفتح الباب أمام معادلة جديدة تمنح طهران نفوذاً أوسع في أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم.

هند خليفة

هند خليفة

صحفية متخصصة في الشأن الاقتصادي.

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم