أثار اعتقال المعارض السياسي السوري طوني دانيال في مدينة اللاذقية، بعد انتقاده العلني للفساد داخل نقابة المهندسين، موجة انتقادات واسعة، وسط اتهامات للحكومة السورية الانتقالية بمواصلة ممارسات تقييد الحريات واستخدام أدوات قانونية ورثتها عن النظام السابق لإسكات الأصوات المنتقدة.
اعتقال بعد انتقاد الفساد
وأوقف دانيال أمام مبنى نقابة المهندسين في اللاذقية بواسطة سيارة “فان” بيضاء، من دون تبليغ أو استدعاء قضائي مسبق، وذلك عقب مشاركته في برنامج “صالون الجمهورية” الذي يقدمه الإعلامي أحمد فاخوري، حيث وجّه انتقادات مباشرة لما وصفه بالفساد الإداري والمالي داخل النقابة، وانتقد أداء مسؤولين محليين في المحافظة.
وأثارت طريقة توقيفه استياءً واسعاً بين ناشطين ومحامين وحقوقيين، اعتبروا أن ما جرى يمثل اعتقالاً تعسفياً يتعارض مع أبسط الضمانات القانونية، ويبعث برسالة مفادها أن كشف ملفات الفساد قد يقود إلى الملاحقة بدلاً من فتح تحقيقات بشأنها.
وقال مدير المركز السوري للعدالة والمساءلة، محمد العبد الله، إن دانيال “اعتُقل بطريقة الخطف” بعد ظهوره في البرنامج، مشيراً إلى أنه اقتيد عبر سيارة مدنية ومن دون أمر قضائي أو إشعار مسبق. وأضاف أن معلومات متداولة تشير إلى أن التوقيف جاء على خلفية ادعاء شخصي، وربما استناداً إلى قانون الجرائم الإلكترونية الصادر في عهد نظام بشار الأسد.
بدورها، اعتبرت المهندسة المعمارية نهيل زربا أن قانون الجرائم الإلكترونية “صُمم في الحقبة الأسدية لمحاربة الأحرار”، مطالبة بإلغائه أو تعديله جذرياً، ومؤكدة أن استخدامه لمعاقبة المنتقدين يحوله إلى “سيف مسلط على رقاب السوريين”، بدلاً من أن يكون أداة لحماية الأفراد من التشهير والإساءة.
وقبل اعتقاله، كان دانيال قد نشر تعليقاً على صفحته في “فيسبوك” قال فيه إن الحلقة التي شارك فيها كشفت للرأي العام ما وصفه بمحاولات بعض المسؤولين السابقين التنصل من مسؤولياتهم وإلقاء اللوم بالكامل على النظام السابق، مؤكداً أن “أحداً لم يعد قادراً على الضحك على عقول الناس”، في إشارة إلى النقاش الذي دار خلال البرنامج حول قضايا الفساد والإدارة المحلية في اللاذقية.
اتهامات باستمرار أدوات القمع القديمة
وفي سياق متصل، وجّه المحامي والمدافع عن حقوق الإنسان ميشال شماس رسالة علنية إلى وزير العدل، طالب فيها بالتحقيق في اعتقال دانيال، معتبراً أن الإجراءات المتخذة بحقه تخالف التعميم رقم /26/ الصادر في 29 حزيران/يونيو 2026، والذي شدد على الحد من التوقيفات المبنية على الشكاوى الشخصية وعدم اللجوء إلى التوقيف الاحتياطي إلا في حالات استثنائية ووفق قرار خطي من النيابة العامة.
وقال شماس إن حالة دانيال تمثل مخالفة واضحة للتعميم، إذا كان توقيفه قد تم بالفعل بناء على شكوى شخصية ومن دون وجود جرم يستوجب تحقيقاً فنياً أو رقمياً، مضيفاً أن استمرار مثل هذه الإجراءات يفرغ التعميم من مضمونه ويؤكد أن الأجهزة الأمنية والضابطة العدلية ما زالت تتصرف وفق آليات سادت في عهد النظام السابق.
كما أشار إلى حالة الطبيب حسين علي الحميد، الذي اعتُقل لدى دخوله الأراضي السورية بتهمة “النيل من هيبة الدولة”، وهي تهمة استخدمها النظام السابق لعقود ضد المعارضين، معتبراً أن إعادة اللجوء إلى هذه التهمة يتناقض مع الوعود الرسمية بحماية حرية التعبير ويثير شكوكاً حول جدية الإصلاحات القضائية التي تعلنها الحكومة الانتقالية.
من جهتهم، تساءل ناشطون عن جدوى البرامج الحوارية التي ترفع شعارات المكاشفة وكشف الفساد إذا كان المشاركون فيها معرضين للاعتقال بسبب آرائهم، معتبرين أن توقيف دانيال يقوض الثقة بأي مساحة يفترض أنها مخصصة للنقاش العام، ويعزز المخاوف من تضييق متزايد على حرية التعبير.
ويأتي اعتقال دانيال بعد أيام من توقيف عدد من الناشطين والفاعلين على خلفية منشورات أو مواقف علنية، من بينهم مازن العرجا، والدكتور حسين علي الحميد، وحسان عقاد، في سلسلة اعتقالات يرى حقوقيون أنها تعكس اتجاهاً مقلقاً نحو إعادة توظيف قوانين وتهم استخدمت سابقاً لتجريم المعارضين، رغم تعهدات الحكومة السورية الانتقالية بإرساء دولة القانون وحماية الحريات العامة.
- ما بعد الانسحاب الأميركي.. العراق ولبنان أمام مسار الانتقال من نفوذ الفصائل إلى سيادة الدولة
- قيادي “حوثي” بارز يتولى ملف التحشيد في مأرب والجوف.. من هو؟
- هجوم “حوثي” يستهدف محطة كهرباء في المدينة المنورة
- فيضانات في مخيمات الشمال السوري وسط تحذيرات من تفاقم الأضرار
- خفض وقود السيارات الحكومية 30%.. هل ينقذ الخزينة السورية؟

