تواجه إيران واحدة من أشد أزماتها الاقتصادية في العقود الأخيرة، مع توقعات صندوق النقد الدولي بارتفاع متوسط التضخم إلى 78.6 بالمئة خلال السنة المالية المنتهية في 20 آذار/ مارس 2027، وانكماش الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 7.6 بالمئة، في وقت تتراجع فيه عائدات الصادرات وتتزايد الضغوط على العملة المحلية والموارد المالية.
وتضع هذه المؤشرات السلطات الإيرانية أمام اختبار صعب، يتمثل في احتواء ارتفاع الأسعار وتأمين النقد الأجنبي، بالتزامن مع تداعيات الحرب والقيود الأميركية على صادرات النفط.
تضخم قياسي وانكماش اقتصادي
أظهرت التقديرات المحدّثة التي نشرها الصندوق في 22 تشرين الأول/ أكتوبر أن متوسط التضخم في إيران قد يرتفع من 50.6 بالمئة في العام السابق إلى 78.6 بالمئة خلال العام الحالي، وهو أعلى مستوى في سلسلة بياناته منذ عام 1980 على الأقل.
وفي المقابل، يُرجح أن يتراجع الاقتصاد بنسبة 7.6 بالمئة، بعد انكماش بلغ 0.9 بالمئة في العام السابق، مع توقع انخفاض الناتج النفطي بنسبة 25.8 بالمئة والناتج غير النفطي بنسبة 6 بالمئة.

ولا تقتصر خطورة هذه التوقعات على ارتفاع الأسعار، إذ تتزامن مع تراجع حاد في مصادر النقد الأجنبي التي تعتمد عليها طهران لتمويل الواردات وتلبية احتياجات القطاعات الإنتاجية.
ووفق تقديرات صندوق النقد الدولي، يُتوقع أن تنخفض حصيلة صادرات السلع والخدمات من 112.7 مليار دولار إلى 70.3 مليار دولار، بتراجع يقارب 38 بالمئة، فيما يُرجح انخفاض قيمة الواردات بنحو 28 بالمئة إلى 73.4 مليار دولار، ورغم تقلص فاتورة الاستيراد، لا يكفي ذلك لمنع تحول الحساب الجاري من فائض يعادل 3.3 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي إلى عجز بنسبة 1.2 بالمئة.
الصادرات تحت ضغط والريال يواصل التراجع
تعكس هذه الأرقام حجم الضغوط التي تواجه الاقتصاد الإيراني مع تعطل صادرات النفط بفعل القيود البحرية الأميركية، بما يهدد أحد أهم مصادر تمويل الحكومة وتوفير العملات الأجنبية، فكل تراجع في الإيرادات الخارجية يحد من قدرة البلاد على تمويل مشترياتها من الأسواق الدولية، بينما يؤدي ارتفاع تكلفة الحصول على الدولار إلى زيادة أعباء استيراد الغذاء والدواء والمواد الأولية ومستلزمات الإنتاج.
وتزداد هذه الضغوط مع تراجع قيمة الريال الإيراني في السوق الموازية، فقد أفادت وكالة رويترز للأنباء بأن الدولار اقترب في 3 تشرين الأول/ أكتوبر الجاري من2.7 مليون ريال، في وقت أعلن فيه البنك المركزي ضخ ما يصل إلى ملياري دولار عبر المصارف الحكومية لدعم العملة، ليزيد انخفاض الريال من تكلفة الواردات ويغذي الضغوط التضخمية، ما ينعكس على أسعار السلع الأساسية والقدرة الشرائية للأسر.

وفي مواجهة هذه التطورات، تحاول السلطات الإيرانية احتواء تدهور العملة وتوفير مصادر بديلة للإيرادات، عبر حزمة إجراءات تشمل التدخل في سوق الصرف، وبيع أصول حكومية، وطرح شركات مملوكة للدولة في البورصة، إلى جانب دراسة تعديل نظام دعم الطاقة.
وكشف محافظ البنك المركزي الإيراني عبد الناصر همتي، في تصريحات صحفية، أن هذه الخيارات تستهدف تعويض جانب من الخسائر الناجمة عن تعطل صادرات النفط، والاستفادة من موارد لم تحظَ سابقاً بالاهتمام الكافي بسبب الاعتماد على عائدات المحروقات.
ووصف همتي التوقعات الأميركية بانهيار اقتصادي وشيك بأنها “أوهام”، مؤكداً أن الاحتياطيات الأجنبية المتاحة لدى البنك المركزي تكفي لتمويل واردات الغذاء والأدوية والمواد الأولية حتى نهاية ولاية الرئيس الأميركي دونالد ترامب، من دون الكشف عن حجم تلك الاحتياطيات.
كما أعلن البنك المركزي عن إجراءات لدعم الريال، بينها ضخ العملات الأجنبية في السوق وتشديد بعض القيود النقدية، في مسعى للحد من التقلبات وحماية القدرة الشرائية.
هل تنجح الإجراءات في كبح التضخم؟
لكن هذه التدابير تواجه حدوداً واضحة؛ فتدخل البنك المركزي في سوق الصرف قد يخفف التقلبات مؤقتاً، لكنه لا يعوض بصورة مستدامة الإيرادات التي تفقدها البلاد نتيجة تراجع الصادرات، كذلك، فإن بيع الأصول الحكومية يوفر سيولة لمرة واحدة، بينما قد يؤدي تعديل دعم الطاقة إلى زيادة تكاليف الإنتاج والنقل والمعيشة، إذا لم يُنفذ بالتوازي مع تدابير تحمي الفئات الأكثر تضرراً.
وفي هذا السياق، رأى الباحث الاقتصادي يحيى السيد عمر، في منشور عبر منصة “فيسبوك”، أن جوهر الأزمة الإيرانية يتمثل في تراجع مصادر الدخل الخارجي، وليس في ارتفاع الأسعار وحده، موضحاً أن انخفاض الصادرات يقلص تدفقات العملات الأجنبية ويزيد الضغوط على الريال، ما يرفع تكلفة الواردات وينقل أثر تراجع العملة إلى الأسواق المحلية.
وأشار إلى أن تراجع الناتج النفطي وغير النفطي يهدد قدرة الشركات على مواصلة الإنتاج والتوظيف، في حين يحد تحول الحساب الجاري إلى العجز من هامش المناورة المتاح أمام السلطات لتمويل الاحتياجات الأساسية.
ورأى أن بيع الأصول الحكومية أو تعديل دعم الطاقة قد يوفران موارد مؤقتة، لكنهما لا يعوضان خسائر الصادرات ولا يضمنان استعادة الاستقرار الاقتصادي بمفردهما، خصوصاً إذا حمّلت الإجراءات الأسر والقطاعات الإنتاجية أعباء إضافية.
تعافٍ متوقع لا يبدد المخاوف
رغم أن صندوق النقد الدولي يتوقع عودة الاقتصاد الإيراني إلى النمو بنسبة 3.6 بالمئة في عام 2027، مع تراجع متوسط التضخم إلى 42 بالمئة، فإن هذه التوقعات لا تعني عودة سريعة إلى مستويات المعيشة السابقة؛ إذ يُرجح أن يبقى الناتج الحقيقي أقل بنحو 4.3 بالمئة من مستواه في عام 2025، مع استمرار ارتفاع الأسعار بوتيرة كبيرة.
وبذلك، لا يتوقف نجاح الإجراءات الحكومية على قدرتها على تأمين سيولة عاجلة أو تهدئة سوق الصرف فحسب، بل على معالجة الاختلالات التي تضغط على الاقتصاد، وفي مقدمتها استعادة تدفقات النقد الأجنبي، وتوفير مستلزمات الإنتاج، واحتواء التضخم، وتوجيه الدعم إلى الفئات الأكثر احتياجاً، فدون تحسن مستدام في الإيرادات الخارجية والنشاط الإنتاجي، قد تبقى التدخلات المالية والنقدية حلولاً مؤقتة، فيما تستمر الأسر والشركات في تحمل كلفة الأزمة.
- تضخم يقترب من 80% وصادرات تتهاوى.. إلى أين يتجه الاقتصاد الإيراني؟
- شكاوى استبعاد “السورية للبترول” أكثر من نصف الموظفين .. ما التفاصيل؟
- إسرائيل تواصل تجريف الأراضي في القنيطرة لاستكمال مشروع “سوفا 53”
- أزمة المازوت في سوريا.. لماذا لا تنتهي الاختناقات رغم الوعود الحكومية؟
- الحوثيون يجددون التهديد باستهداف مطار الرياض.. إلى أين يتجه التصعيد في السعودية؟

