الأمم المتحدة: ملف المفقودين في سوريا ما يزال اختباراً حقيقياً للسلطات الجديدة رغم الخطوات المعلنة

أكدت رئيسة المؤسسة المستقلة المعنية بالمفقودين في سوريا، كارلا كينتانا، أن قضية المفقودين لا تزال تمثل أحد أكثر الملفات إلحاحاً وتعقيداً في البلاد بعد سقوط نظام الأسد، معتبرة أن كشف مصير عشرات الآلاف من المفقودين والمختفين قسراً يشكل شرطاً أساسياً لتحقيق العدالة الانتقالية وترسيخ المصالحة الوطنية، وقضية إنسانية لاتقتصر على عائلات الضحايا.

مابين 130 ل 300 ألف مفقود 

وجاءت تصريحات كينتانا في مقابلة مع أخبار الأمم المتحدة عقب إحاطتها أمام الجمعية العامة، حيث أوضحت أن سوريا تعد من بين أكثر دول العالم من حيث أعداد المفقودين نسبة إلى عدد السكان، كما أشارت إلى التقديرات التي تفيد بأن عدد المفقودين في سوريا قد يتراوح بين 130 ألفا و300 ألف شخص، مؤكدة أن كل أسرة سورية تقريبا تعرف شخصا مفقودا أو فقدت أحد أفرادها. 

وأضافت أن المؤسسة الأممية تعمل على توثيق وكشف مصير جميع المفقودين، بمن فيهم ضحايا الاحتجاز والإخفاء القسري لدى النظام السابق، والمفقودون على يد تنظيم “داعش” وسائر الجماعات المسلحة، إضافة إلى المهاجرين الذين اختفوا خلال رحلات اللجوء، فضلاً عن الأشخاص الذين سُجل اختفاؤهم بعد كانون الأول/ديسمبر 2024.

وأوضحت كينتانا أن المؤسسة حققت خلال العام الماضي تقدماً على المستوى التقني، إذ قامت بمعالجة أكثر من 75 ألف وثيقة، ودمجت قواعد بيانات متعددة بهدف إنشاء نظام موحد يسمح بمطابقة المعلومات المتعلقة بالمفقودين، كما بدأت بإبلاغ بعض العائلات بنتائج أولية حول مصير أقاربها.

وأضافت أن المؤسسة تعمل كذلك على تطوير آليات لتبادل المعلومات مع السلطات السورية والهيئات الدولية، بالتوازي مع جهودها لافتتاح مكتب دائم داخل سوريا، معتبرة أن الوجود الميداني سيمنحها قدرة أكبر على الوصول إلى العائلات والشهود والمقابر المحتملة، إلا أن هذه الخطوة ما تزال مرهونة بموافقة السلطات السورية.

استمرار التغييب في سوريا 

ورغم الترحيب الذي أبدته المسؤولة الأممية بالتعاون الأولي مع السلطات الجديدة، شددت على أن نجاح أي مسار لمعالجة هذا الملف لن يتحقق بمجرد إنشاء مؤسسات جديدة أو إصدار تشريعات، وإنما يتطلب إرادة سياسية حقيقية تضمن الوصول الكامل إلى الأرشيفات الرسمية والسجلات الأمنية ومواقع المقابر الجماعية، وتوفر الحماية للشهود، وتسمح بإجراء تحقيقات مستقلة وشفافة بعيداً عن أي اعتبارات سياسية أو أمنية. كما أكدت ضرورة إشراك عائلات المفقودين ومنظمات المجتمع المدني في جميع مراحل العمل، معتبرة أن تجاهلهم سيقوض أي جهود مستقبلية لكشف الحقيقة.

وتأتي هذه التصريحات في وقت أعلنت فيه السلطات السورية الانتقالية تشكيل الهيئة الوطنية للمفقودين وبدء العمل على إعداد قانون خاص بالقضية، إلا أن منظمات حقوقية لا تزال تبدي تحفظات بشأن قدرة هذه الخطوات على تحقيق نتائج ملموسة في ظل غياب تفاصيل واضحة حول صلاحيات الهيئة وآليات عملها وضمان استقلاليتها. كما يثير استمرار تسجيل حالات اختفاء جديدة خلال المرحلة الانتقالية مخاوف من أن الانتهاكات لم تتوقف بصورة كاملة، الأمر الذي يضع مصداقية السلطات أمام اختبار حقيقي.

ويرى مراقبون أن معالجة ملف المفقودين لن تقاس بعدد اللجان أو المؤسسات التي يجري الإعلان عنها، بل بقدرة الدولة على كشف الحقيقة كاملة، ومحاسبة المسؤولين عن جرائم الإخفاء القسري أياً كانت مواقعهم وأياً تكن الجهات التي ارتكبتها، وتمكين العائلات من معرفة مصير مفقوديها واستعادة رفاتهم عند الإمكان.

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم