منذ أكثر من عام على اندلاع أحداث العنف الدامية في السويداء، لم تعد الأزمة في المحافظة الواقعة جنوب سوريا تختزل في الخلاف بين دمشق والقوى المحلية أو في سؤال السيطرة الأمنية وحده.
فمع دخول خريف 2026، تبدو السويداء عالقة في دائرة أوسع من الأزمات المتداخلة، هناك عشرات الآلاف ما زالوا غير قادرين على العودة إلى مناطقهم، كما تواجه إمدادات الوقود والسلع الأساسية اضطرابات متكررة، وتعمل البنية الصحية والكهربائية تحت ضغط شديد، فيما دفع الانسداد السياسي آلاف الطلاب إلى خارج العملية التعليمية.
من العنف إلى النزوح
بين هذه الملفات جميعاً، يبقى السؤال الأصعب، هل تستطيع المحافظة استعادة دورة اقتصادية وحياتية طبيعية من دون تسوية سياسية وأمنية تعيد فتح الطريق أمام التجارة والخدمات وتمنح السكان قدراً من الثقة؟.
بدأت الأزمة الحالية مع موجة العنف التي اجتاحت السويداء في تموز/ يوليو 2025، عندما تحولت اشتباكات بين مجموعات درزية ومقاتلين من العشائر البدوية إلى مواجهة أوسع شاركت فيها قوات حكومية وفصائل محلية، قبل أن تتدخل إسرائيل عسكرياً وتستهدف مواقع تابعة للقوات السورية.

وقدّرت الأمم المتحدة آنذاك أن نحو 175 ألف شخص نزحوا خلال أسابيع، بينما أوصلت قافلة أممية مشتركة من 40 شاحنة الغذاء والإنسولين والوقود والمياه والمستلزمات الطبية ومواد الإيواء ومعدات لدعم المستشفيات والمخابز وشبكة الكهرباء إلى المحافظة.
لكن النزوح لم ينته بانحسار القتال، ففي آب/ أغسطس 2025، تحدثت اليونيسف عن أكثر من 190 ألف شخص اضطروا إلى الفرار من منازلهم، معظمهم من النساء والأطفال، وسط أضرار واسعة لحقت بالبنية التحتية للمياه والكهرباء والوقود ونقص في الغذاء والدواء.
وحتى أواخر آذار/ مارس الماضي، قدّرت لجنة التحقيق الدولية التابعة للأمم المتحدة أن نحو 155 ألف شخص من أصل قرابة 200 ألف نزحوا جراء أحداث تموز ظلوا غير قادرين على العودة، بينهم معظم سكان القرى الدرزية التي تعرضت للحرق، في حين بقيت غالبية السكان البدو الذين نزحوا خلال العنف خارج مناطقهم، وكثير منهم في ظروف سكنية غير ملائمة.
تغير الخريطة السكانية
تكشف بيانات المنظمة الدولية للهجرة عن تغير كبير في الخريطة السكانية للمحافظة نفسها؛ إذ ارتفع عدد النازحين الموجودين داخل السويداء من نحو 26 ألف شخص في شباط/ فبراير 2025 إلى قرابة 101 ألف في نيسان/ أبريل الماضي، أي من نحو 6 إلى 21 بالمئة من السكان الذين شملهم التقدير.
حتى مع تسجيل عودة بعض الأسر، فإن العودة إلى المحافظة لا تعني بالضرورة العودة إلى القرية أو المنزل الأصلي، وتظهر بيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن العودة إلى السويداء بقيت محدودة مقارنة بحجم النزوح الذي أحدثته أحداث 2025.
وتزداد هشاشة الوضع مع اقتراب الشتاء، إذ إن آلاف الأسر النازحة لا تزال تعتمد على المساعدات أو السكن المؤقت، فيما تتحول كلفة التدفئة إلى عبء اقتصادي إضافي في محافظة تعاني أصلاً ضعف الدخل وفرص العمل.
الوقود.. أزمة تتجاوز المحطات
هنا تبدأ أزمة السويداء الثانية، وهي أزمة الطاقة والوقود، التي لم تنته بمجرد فتح الطرق أمام حركة محدودة للشاحنات، ففي الأسابيع الأخيرة، شهدت المحافظة شحاً متكرراً في البنزين والمازوت والغاز، وظهرت السوق السوداء مجدداً كبديل للإمدادات الرسمية.
ووصلت أسعار البنزين والمازوت إلى مستويات مرتفعة جداً، فيما أعلنت الجهات الرسمية وصول شحنات جديدة من المشتقات النفطية في محاولة لتعويض النقص، ففي الجمعة الماضي، أعلنت السلطات وصول طلبات جديدة من المشتقات النفطية إلى المحافظة، بعد أسابيع من اضطراب الإمدادات.

ولا يتعلق الأمر بالسعر وحده، بل بانتظام الإمداد، فقد سبق أن خفضت الجهات المحلية مخصصات النقل العام من المازوت بسبب انخفاض الكميات الواردة إلى المحافظة، بينما تحدثت مصادر محلية عن وصول مخصصات الغاز إلى نسبة ضئيلة من الاحتياج، الأمر الذي يرفع تكلفة النقل والتدفئة ويضغط على أسعار السلع.
وتزداد المشكلة تعقيداً لأن طريق دمشق–السويداء، الذي يمثل شرياناً اقتصادياً للمحافظة، ظل طوال الفترة الماضية عرضة للإغلاق أو القيود الأمنية.
صحيح أن فتح الطريق سمح بعودة جزء من الحركة التجارية والإنسانية، لكن الطريق المفتوح لا يعني بالضرورة سوقاً مفتوحة، فقد أشارت السلطات نفسها في وقت سابق إلى أن تعطيل الطريق أدى إلى انقطاع المحروقات والطحين والبضائع الأساسية، فيما تؤكد تقارير أممية أن الوضع الأمني على طرق الجنوب يمكن أن يتغير سريعاً، وأن الوصول الإنساني والتجاري يحتاج إلى تقييم مستمر.
الكهرباء.. شريان تحت الضغط
هنا تنتقل الأزمة إلى الاقتصاد المحلي، فالوقود هو مدخل لكل شيء تقريباً، السيارة التي تنقل العامل، والشاحنة التي تنقل الطحين، والمولد الذي يشغل الورشة، والجرار الذي يخدم الزراعة، والمخبز الذي ينتج الخبز، ولذلك فإن نقص المازوت لا يبقى أزمة محروقات، بل يتحول إلى تضخم محلي يرفع تكلفة النقل والإنتاج والغذاء.
وتظهر الأزمة الثالثة في الكهرباء، التي ما زالت شبكة المحافظة تعاني فيها من أعطال وتهالك وتعديات على خطوط النقل، ففي أيلول/ سبتمبر، انقطعت الكهرباء عن مناطق واسعة من السويداء لنحو عشرة أيام بعد تعرض خط يغذي شهبا وأجزاء من مدينة السويداء للقطع، قبل بدء أعمال الإصلاح.
في وقت لاحق من الشهر نفسه أدى عطل على خط التوتر العالي بين الشيخ مسكين والكسوة إلى انقطاع التغذية بالكامل عن درعا والسويداء، في مؤشر على هشاشة شبكة الكهرباء في الجنوب ككل.
ولا يمكن فصل أزمة الكهرباء عن الوضع الصحي، فالمستشفيات تحتاج إلى الكهرباء والوقود لتشغيل المولدات والمعدات، كما أن انقطاع الطاقة يزيد كلفة تشغيل المراكز الطبية ويهدد انتظام خدمات المياه والتبريد وحفظ الأدوية.
وكانت منظمة الصحة العالمية قد وثقت في أعقاب أحداث 2025 نقصاً حاداً في الأدوية والمعدات الطبية والأكسجين ووقود المولدات في مستشفى السويداء الوطني، فيما احتاج نحو نصف أسطول سيارات الإسعاف إلى الإصلاح، كما سجلت المنظمة ارتفاعاً في التهابات الجهاز التنفسي والإسهال والأمراض الجلدية والأعراض المرتبطة بالتوتر بين النازحين.
وتعني هذه المعطيات أن الأزمة الرابعة هي أزمة صحية تتجاوز نقص الدواء، فالنزوح والاكتظاظ وتراجع خدمات المياه والصرف الصحي وارتفاع كلفة النقل إلى المرافق الطبية كلها عوامل تجعل الوصول إلى العلاج أكثر صعوبة، خصوصاً بالنسبة إلى كبار السن والمرضى المزمنين والنساء والأطفال، ومع دخول الشتاء، يمكن أن تتفاقم المخاطر الصحية إذا لم تتوافر التدفئة والوقود والخدمات الطبية بصورة منتظمة.
التعليم.. ضحية الانسداد السياسي
أما الأزمة الخامسة، وربما الأكثر خطورة على المدى الطويل، فهي التعليم، فقد أصبح آلاف الطلاب رهائن للانقسام السياسي والأمني بين دمشق والقيادات المحلية.
ووفق تقرير حديث لـ”رويترز”، لم يتمكن سوى 150 طالباً من أصل 13,700 طالب في السويداء من التقدم إلى الامتحانات المطلوبة للانتقال إلى المرحلة الثانوية أو الجامعية خلال 2026، بعدما تعطلت العملية الامتحانية بسبب الخلافات حول الجهة التي تتولى تنظيمها ومراقبتها.
ولا يتعلق الأمر بخلاف إداري حول الامتحانات، فطلاب يعيشون في مناطق تسيطر عليها قوى محلية يواجهون مخاوف من عبور مناطق تخضع لسيطرة الحكومة، بينما تخشى دمشق من إرسال موظفيها إلى مناطق لا تسيطر عليها أمنياً، ونتيجة لذلك، تحول التعليم من خدمة عامة يفترض أن تكون محايدة إلى جزء من النزاع السياسي نفسه.

وكانت اليونيسف قد حذرت منذ 2025 من أن استخدام المدارس كمراكز إيواء وتعطل البنية التحتية قد يؤدي إلى اضطراب طويل الأمد في تعليم الأطفال.
ويقف وراء هذه الأزمات الخمس الانسداد السياسي، فأحداث تموز 2025 لم تنتج فقط أزمة إنسانية، بل أعادت رسم العلاقة بين السويداء ودمشقو، وبعد الانتهاكات الواسعة التي وثقتها الأمم المتحدة خلال أعمال العنف، بقيت الثقة بين قطاعات واسعة من السكان والسلطة المركزية ضعيفة.
وفي المقابل، تسيطر قوى محلية على أجزاء واسعة من المحافظة، فيما يتمسك الشيخ حكمت الهجري، أحد أبرز المرجعيات الدرزية، بمواقف سياسية تتجاوز المطالبة بضمانات أمنية إلى الدعوة إلى ترتيبات أكثر استقلالاً للمحافظة، لكن هذه المواقف لا يمكن اختزالها في أنها تمثل جميع سكان السويداء أو جميع أبناء الطائفة الدرزية.
طريق مسدود أمام خريطة الحل
تكشف قضية التعليم تحديداً حجم المأزق، دمشق تريد إعادة مؤسسات الدولة إلى المحافظة، بينما تنظر قوى محلية إلى بعض مظاهر عودة الدولة بوصفها احتمالاً لعودة السيطرة الأمنية التي سبقت أحداث 2025.
وفي المقابل، لا تستطيع الإدارة المحلية توفير منظومة مكتملة ومستقرة من الخدمات والاقتصاد والتعليم من دون علاقات واضحة مع مؤسسات الدولة وشبكات التجارة والتمويل الوطنية.
كانت سوريا والأردن والولايات المتحدة قد اتفقت على خريطة طريق من سبع خطوات لمعالجة أزمة السويداء، لكن الأمم المتحدة قالت في حزيران/ يونيو الماضي إن الخطة لم تحقق تقدماً، ومع استمرار الجمود، تصبح الملفات الخدمية نفسها أدوات في الصراع، الطريق يصبح ورقة أمنية، والوقود يتحول إلى قضية سياسية، والمدارس إلى مساحة للتجاذب، والكهرباء إلى مؤشر على القدرة أو العجز عن استعادة مؤسسات الدولة.
وهذا ما يجعل أزمة السويداء مختلفة عن أزمة أمنية عابرة، فالمحافظة لا تواجه نقصاً في سلعة واحدة أو انقطاعاً مؤقتاً في خدمة واحدة، وإنما تواجه تراكماً بين النزوح والفقر وتعطل سلاسل الإمداد والطاقة والكهرباء والصحة والتعليم، في وقت لم يُحسم فيه شكل العلاقة السياسية والأمنية مع دمشق.
وتؤكد الصورة الأوسع التي ترسمها المنظمات الدولية أن تحسن الوصول الإنساني في سوريا بعد التغيير السياسي لم يتحول بعد إلى تعافٍ اقتصادي واجتماعي مكتمل، فاليونيسف تقول إن الاحتياجات الإنسانية ما زالت مرتفعة في البلاد، وإن تحسن الوصول لم يترجم بعد إلى تحسن ملموس في حياة معظم السكان، فيما يحتاج ملايين السوريين إلى المساعدة ويواجه القطاع العام ضغوطاً كبيرة.
من الهدوء الهش إلى التعافي
بالنسبة إلى السويداء، تبدو المعادلة أكثر تعقيداً، لا يمكن إعادة النازحين بصورة مستدامة من دون أمن، ولا يمكن استعادة الأمن من دون اتفاق سياسي، ولا يمكن تثبيت الاتفاق السياسي من دون خدمات، ولا يمكن تمويل الخدمات من دون اقتصاد يعمل، ولا يمكن للاقتصاد أن يعمل بكفاءة في ظل طرق متقطعة ونقص الوقود وانقطاع الكهرباء وغياب الثقة.
لذلك، فإن اختبار الأشهر المقبلة لن يكون فقط في عدد الصهاريج التي تدخل المحافظة أو ساعات الكهرباء التي تعود إليها، بل في قدرة الأطراف على تحويل فتح الطريق من إجراء مؤقت إلى ممر تجاري منتظم، وتحويل المساعدات من استجابة طارئة إلى بداية لتعافٍ محلي، وإعادة الطلاب إلى مدارسهم وجامعاتهم، وإتاحة عودة آمنة لمن يريد العودة، والأهم إيجاد صيغة سياسية تضمن للسكان الأمن والخدمات من دون أن تحول المحافظة إلى جزيرة منفصلة اقتصادياً وإدارياً عن بقية سوريا.
فالسويداء خرجت من ذروة العنف، لكنها لم تخرج بعد من تبعاته، وإذا بقيت الأزمات الاقتصادية والخدمية والتعليمية معلقة على الخلاف الأمني والسياسي، فإن أي هدوء ميداني سيظل هشاً، وقد تتحول المحافظة من أزمة أمنية إلى أزمة تنموية مزمنة يصعب علاجها حتى بعد توقف القتال.
- من الأمن إلى الاقتصاد.. 5 أزمات تحاصر السويداء
- من السقيلبية إلى القلمون.. جرائم متفرقة تكشف أزمة السلاح والمساءلة في سوريا
- أستراليا تجدّد العقوبات المالية على”أبو مريم الأسترالي”.. وغموض حول دوره الاقتصادي في سوريا
- واشنطن تفتح الباب المالي أمام سوريا.. هل تستطيع دمشق استعادة ثقة العالم؟
- وزير الحرب الأميركي: الحصار محكم ضد إيران وواشنطن تسيطر على مضيق هرمز

