ثلاث سنوات على 7 أكتوبر.. ماذا جلبت “طوفان الأقصى” لغزة ولبنان والمنطقة؟

بعد ثلاث سنوات على عملية “طوفان الأقصى” في 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، تبدو الحصيلة الأوضح بالنسبة إلى الغزاويين وجزء من اللبنانيين الذين وجدوا أنفسهم داخل الحرب، ثقيلة بالقتلى والنازحين والدمار والخسائر الاقتصادية. ولأن الكلفة أصبحت جزءاً أساسياً من الحكم على نتائجه، فأن تقييم العملية لا يتعلق بما أرادته إيران وحلفاؤها، إنما بما آلت إليه فعلياً.

فالعملية التي قدمتها حركة “حماس” باعتبارها هجوماً يهدف إلى تغيير قواعد المواجهة مع إسرائيل، لم تبق محصورة في قطاع غزة. فخلال ثلاث سنوات، امتدت الحرب إلى لبنان واليمن وإيران، وتحولت ما سميت بـ “جبهات الإسناد” التي دخلتها أطراف مرتبطة بإيران إلى ساحات جديدة للقتال.

وفي المقابل، تعرضت “حماس” و”حزب الله” لضربات قاسية طالت قياداتهما وقدراتهما العسكرية، فيما انتقلت المواجهة تدريجياً من استخدام شبكة حلفاء إيران كأداة ضغط على إسرائيل إلى مواجهة مباشرة مع طهران نفسها.

تصف دراسة لمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) هجوم 7 أكتوبر بأنه كان المحفز الأساسي لسلسلة الأحداث التي أعادت تشكيل المنطقة، بدءاً من الحرب في غزة وانتقالاً إلى لبنان والمواجهة مع إيران. كما يشير منظمة معنية برصد أحداث النزاعات المسلحة  “ACLED”إلى أن الحرب توسعت من غزة إلى ساحات عدة في المنطقة، ولم تعد حرباً محصورة بين “حماس” وإسرائيل.

وفي الذكرى الثالثة لأحداث 7 أكتوبر، لا يبدو أن حلفاء إيران بات قاب قوسين أو أدنى من تحقيق الأهداف التي دفعهم للانخراط في الحرب، بل على العكس انتقلت المواجهة إلى إيران نفسها.

غزة.. الثمن الأكبر

تبقى غزة الساحة التي دفعت الثمن الأكبر، فوفق أحدث حصيلة أممية متاحة، نقلت الأمم المتحدة عن وزارة الصحة في غزة تسجيل 71,439 قتيلاً و171,324 مصاباً غزاوياً منذ 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023 حتى مطلع كانون الثاني/ يناير 2026، مع استمرار تسجيل ضحايا بعد وقف إطلاق النار.

لكن حجم الكارثة لا يظهر في عدد الضحايا وحده، فقد قدر التقييم النهائي للأضرار والاحتياجات الذي أعدته الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والبنك الدولي قدر الأضرار المادية في القطاع بـ35.2 مليار دولار، فيما بلغت الخسائر الاقتصادية والاجتماعية 22.7 مليار دولار. أما احتياجات التعافي وإعادة الإعمار خلال السنوات العشر المقبلة فتقدر بـ71.4 مليار دولار أميركي.

دمر أجزاء كبيرة من قطاع غزة جراء الحرب – الأمم المتحدة

وأظهرت النتائج أن أكثر من 371 ألف وحدة سكنية دمرت أو تضررت، وأن أكثر من نصف مستشفيات غزة لم تعد تعمل، فيما دمرت أو تضررت تقريباً جميع المدارس.

كما قدر التقييم أن اقتصاد غزة انكمش بنحو 84%، وأن نحو 1.9 مليون شخص نزحوا، كثير منهم أكثر من مرة، بينما فقد أكثر من 60% من سكان القطاع منازلهم.

ولم يقتصر أثر الحرب على البنية التحتية؛ إذ قدر التقييم الدولي أن التنمية البشرية في غزة تراجعت بما يعادل 77 عاماً.

هذه هي الحصيلة التي تركها عملية “طوفان الأقصى” على الغزاويين الذي أطلقتها “حماس” باسمهم، آلاف القتلى والجرحى، ملايين النازحين، مدن مدمرة واقتصاد منهار، واحتياجات إعادة إعمار تتجاوز 71 مليار دولار أميركي.

وبغض النظر لعدم تحقيق الأهداف العسكرية والسياسية للعملية بالنسبة لحركة “حماس”، فإن النتيجة الملموسة بالنسبة إلى سكان القطاع كانت كارثية، حيث لم تمنح “طوفان الأقصى” لغزة سوء الحرب والدمار والخسائر البشرية والمادية.

لبنان.. الدخول في المطحنة من بوابة “حزب الله”

في اليوم التالي للهجوم حركة “حماس”، فتح “حزب الله” جبهة الجنوب اللبناني معلناً إسناد “غزة”. لكن قرارها لم يكن سوى السير نحو حرب طاحنة دون أن تدرك أو تتدارك الثمن الذي يمكن أن يدفعها سكان الجنوب بشرياً واقتصادياً.

وبحلول نهاية الحرب في 2024، كان البنك الدولي قد قدر كلفة الصراع على لبنان بنحو 14 مليار دولار، بينها 6.8 مليار دولار أضرار مادية و7.2 مليار دولار خسائر اقتصادية.

أما احتياجات إعادة الإعمار والتعافي فقدرت بـ11 مليار دولار، فيما انكمش الناتج المحلي اللبناني الحقيقي بنسبة 7.1% في 2024.

وكان قطاع الإسكان الأكثر تضرراً، بأضرار قدرت بنحو 4.6 مليار دولار، بينما تعرضت التجارة والصناعة والسياحة لخسائر قدرت بـ3.4 مليار دولار. كما تشير بيانات البنك الدولي إلى أن أكثر من 875 ألف شخص نزحوا داخل لبنان خلال المرحلة الأولى من الحرب.

صورة لدمار من الضاحية الجنوبية لبيروت (فرانس برس)

لم تكن هذه نهاية الكلفة لسياسة “حزب الله” الذي اتخذ قراراً أحادياً للانخراط في الحرب. في آذار/ مارس 2026 عاد القتال إلى لبنان مع تجدد الحرب بين إسرائيل و”حزب الله”. ووفق منظمة الصحة العالمية، بلغ عدد القتلى في لبنان 3,613 شخصاً والمصابين 11,072 حتى 9 حزيران/ يونيو 2026، بينما تجاوز عدد النازحين مليون شخص.

وعلى المستوى الاقتصادي، قال البنك الدولي في آب/ أغسطس 2026 إن الاقتصاد اللبناني يتجه إلى الانكماش بنسبة 6.4% خلال 2026، بعدما كان قد بدأ يتعافى في 2025، قبل أن تقطع الحرب الجديدة ذلك المسار.

وهكذا، لم تنتهِ قصة “جبهة الإسناد” بانتهاء الحرب الأولى. فلبنان الذي كان يحاول الخروج من انهياره الاقتصادي وجد نفسه أمام حرب جديدة، فيما بقيت مليارات الدولارات من احتياجات إعادة إعمار الحرب السابقة دون تمويل كامل.

كما أن الحرب كشفت حجم الضربة التي تلقاها “حزب الله” نفسه. فقد وصلت المواجهة في 2024 إلى مرحلة استهداف قيادته العليا، وصولاً إلى مقتل أمينه العام حسن نصر الله، بالتزامن مع الضربات التي طالت بنيته العسكرية والاتصالاتية.

من 7 أكتوبر إلى حرب إقليمية

لم يتوقف التصعيد عند هاتين الساحتين. بحسب مراكز أبحاث دولية قدمت أحداث 7 أكتوبر لنتنياهو الفرصة لأحداث تغييرات في المنطقة وسط حرب إقليمية، ففي اليمن، أعلن الحوثيون دعمهم لغزة وبدأوا إطلاق الصواريخ والمسيّرات باتجاه إسرائيل، قبل أن تتحول عملياتهم إلى حملة واسعة ضد السفن في البحر الأحمر.

وبحسب البنك الدولي، شهد البحر الأحمر أكثر من 450 حادثة أمنية بحرية خلال 2024، وأدت الاضطرابات إلى إرباك طرق التجارة وارتفاع تكاليف الشحن. كما انخفضت حركة المرور عبر باب المندب وقناة السويس بأكثر من 60% في ذلك العام.

وفي سوريا، توسعت الضربات الإسرائيلية على مواقع مرتبطة بإيران و”حزب الله” بعد 7 أكتوبر. ووفق “ACLED”، سجلت المنظمة أكثر من 330 ضربة إسرائيلية في سوريا خلال 2024، وقع أكثر من ثلثها بعد سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول/ ديسمبر من ذلك العام.

أما العراق، فأصبح هو الآخر جزءاً من دائرة التصعيد من خلال الهجمات التي نفذتها جماعات مسلحة مرتبطة بمحور إيران ضد القوات الأميركية وإسرائيل. ثم وصلت المواجهة إلى إيران نفسها.

إيران.. الحرب وصلت لصاحب المشروع نفسه

قبل 7 أكتوبر، اعتمدت إيران إلى حد كبير على شبكة من الحلفاء والجماعات المسلحة في المنطقة كجزء من استراتيجيتها للردع ومواجهة إسرائيل والولايات المتحدة بعيداً عن مواجهة مباشرة شاملة. لكن الحرب غيرت هذا الحساب. فمع إضعاف “حماس” و”حزب الله”، انتقلت المواجهة تدريجياً إلى إيران نفسها، وصولاً إلى الحرب المباشرة بين إيران وإسرائيل في حزيران/ يونيو 2025، ثم الحرب الإقليمية الأوسع في 2026.

رجل إيراني يسير بجوار الأنقاض رفعت فوقها العلم الإيراني وسط طهران (إ.ب.أ)

ويقول مركز الأبحاث الدولية “Chatham House” إن نموذج “محور إيران” تعرض منذ 7 أكتوبر لضغط غير مسبوق، وإن إسرائيل والولايات المتحدة سعتا إلى إضعاف مكونات الشبكة ونقل مركز المواجهة باتجاه إيران نفسها.

ويشير “CSIS” إلى أن الحرب أدت إلى تحولات إقليمية واسعة، بينها تراجع قوة “حزب الله”، وسقوط نظام الأسد، وصعود الحوثيين، وانتقال إيران وإسرائيل إلى مواجهة عسكرية مباشرة.

أما ACLED فتشير، بعد ثلاث سنوات، إلى أن “حماس” و”حزب الله” فقدا قسماً كبيراً من قياداتهما ومقاتليهما، وأن قدراتهما على شن هجوم كبير عبر الحدود تراجعت بصورة كبيرة مقارنة بما كان عليه الوضع قبل الحرب.

وهنا تظهر النتيجة الأوسع للحرب، فالجبهات التي فتحت تحت شعار “إسناد غزة” لم تمنع الحرب عن غزة، ولم تحمِ لبنان من الحرب، ولم تمنع امتداد الضربات إلى المنطقة برمتها. بل إن الحرب أدت، على امتداد ثلاث سنوات، إلى استنزاف قوى رئيسية في شبكة إيران الإقليمية، وإلى انتقال المواجهة من ساحات حليفة لطهران إلى مواجهة مباشرة معها.

من يتذكر 7 أكتوبر وبماذا؟

بعد ثلاث سنوات، ربما يكون أكثر ما تغير هو طريقة النظر إلى 7 أكتوبر نفسه. ففي الأيام الأولى كان الحدث يناقش من زاوية المفاجأة العسكرية، والأهداف التي أعلنتها “حماس”، والرسائل التي أرادت إيصالها، وما إذا كان قد نجح في تغيير قواعد المواجهة.

أما بعد هذه المدة، فقد أصبحت التقييم مرتبط بالمجتمعات التي دفعت الثمن مرتبطة بدرجة أكبر بما حدث بعدها. فبالنسبة لسكان غزة ولبنان الذين فقدوا منازلهم أو نزحوا أو خسروا مصادر رزقهم، لم يعد 7 أكتوبر مجرد حدث عسكري أو نقطة تحول في الصراع، بل أصبح بداية لمسار من الحرب دفعوا كلفته مباشرة.

رجل يراقب الغزاويين يفرون جنوباً من مدينة غزة مع أمتعتهم عبر الطريق الساحلي (أ.ف.ب)

ويمكن قياس جانب كبير من الحصيلة بالأرقام. في غزة، عشرات الآلاف من القتلى ومئات آلاف الجرحى، ونحو 1.9 مليون نازح، وأكثر من 371 ألف وحدة سكنية مدمرة أو متضررة، واقتصاد انهار بنسبة 84%، واحتياجات إعادة إعمار تقدر بـ71.4 مليار دولار.

وفي لبنان، حرب أولى كلفت البلاد 14 مليار دولار، واحتياجات إعادة إعمار بلغت 11 مليار دولار، ثم حرب جديدة في 2026 أوقعت آلاف القتلى والجرحى وشردت أكثر من مليون شخص، وأعادت الاقتصاد إلى الانكماش.

لهذا، فإن الحصيلة الأكثر وضوحاً بالنسبة إلى الغزاويين واللبنانيين بعد ثلاث سنوات ليست “الانتصار” الذي وعدت به شعارات الحرب، بل القتل والتهجير وفقدان المنازل وتدمير البنية التحتية وانهيار قطاعات اقتصادية كاملة. فما سمي بـ “طوفان الأقصى” لم يحم غزة من الحرب التي أعقبت الهجوم، و”جبهة الإسناد” لم تحم لبنان من الحرب التي دخلها “حزب الله”. وعلى امتداد ثلاث سنوات، اتسعت دائرة المواجهة حتى وصلت إلى إيران نفسها، فيما تعرضت أبرز القوى المنضوية في محور طهران لضربات أضعفت قدراتها وغيرت موقعها في المنطقة.

محمد حبش

محمد حبش

صحفي سوري مقيم في حلب، يغطي الشؤون السياسية والعسكرية في سوريا والمنطقة، مع اهتمام خاص بالملف الكردي وتقاطعها مع الملفات الإقليمية. عمل على تحقيقات استقصائية وتقارير ميدانية وتحليلات إخبارية منشورة باللغة العربية، ونُشرت أعماله في عدة مواقع اسورية، كما عمل مع موقع "الجزيرة نت" بصفة مراسل ميداني في شمال شرق سوريا.

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم