في وقت تتجه فيه بغداد إلى إعادة رسم خريطة صادراتها النفطية بعيداً عن مضيق هرمز، يبرز مشروع خط الأنابيب العراقي–السوري بوصفه أحد أكثر المشاريع طموحاً في هذا المسار، لكنه في الوقت نفسه يبدو أبعد زمنياً وأكثر كلفة مما توحي به التصريحات السياسية الأولى.
وبحسب تقرير حديث لـ”رويترز”، فإن إنشاء الخط الجديد الذي يفترض أن ينقل النفط العراقي عبر الأراضي السورية إلى البحر المتوسط سيحتاج إلى نحو أربع سنوات من أعمال البناء، فيما تُقدّر كلفته الأولية بما لا يقل عن 15 مليار دولار، ما يعني أن التشغيل، إذا بدأت أعمال التنفيذ دون عراقيل كبيرة، قد يكون في حدود 2030.
هرمز يدفع بغداد للبحث عن طريق آخر
يأتي المشروع في ظل اضطراب حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، الذي كان يمثل ممراً رئيسياً لصادرات الطاقة العالمية والعراقية قبل اندلاع الحرب مع إيران، وكان العراق يعتمد بصورة كبيرة على موانئ الخليج في البصرة لتصدير إنتاجه النفطي، الأمر الذي جعل بغداد أكثر تعرضاً لمخاطر أي إغلاق أو اضطراب في المضيق.

وتشير “رويترز” إلى أن العراق كان يصدّر نحو 3.6 ملايين برميل يومياً قبل الحرب، بينما أدت الاضطرابات الأخيرة إلى تراجع قدرته على استخدام مسار الخليج، ودفعته إلى البحث عن منافذ بديلة وأكثر تنوعاً.
لكن المشروع الذي يجري الحديث عنه لا يعني ببساطة إعادة تشغيل خط كركوك–بانياس التاريخي، فالخط القديم الذي كان يربط حقول كركوك بميناء بانياس على الساحل السوري تعرض لأضرار كبيرة نتيجة الحروب في العراق وسوريا، ولم يعد مستخدماً بصورة منتظمة منذ ثمانينيات القرن الماضي.
خط جديد
وفق مصدرين مطلعين تحدثا إلى “رويترز”، فإن أجزاء الخط التي لا تزال بحالة أفضل لا تتوافق مع المواصفات الفنية الحديثة، ولذلك فإن الخطة تتجه إلى إنشاء بنية تحتية جديدة بالكامل بدلاً من الاكتفاء بإعادة تأهيل الخط القديم.
وتتجاوز الخطة مسار كركوك–بانياس التقليدي، إذ تتضمن تطوير منظومة متكاملة لخطوط النفط الخام تربط الحقول العراقية الجنوبية والشمالية بمركز رئيسي في حديثة غرب العراق، ثم تمتد غرباً باتجاه ميناء بانياس السوري على البحر المتوسط.
وتقول الولايات المتحدة إن المشروع يمكن أن يبدأ بطاقة نقل تصل إلى مليوني برميل يومياً، وهو مستوى يفوق بصورة كبيرة الطاقة التاريخية للخط القديم التي كانت تقدر بنحو 300 ألف برميل يومياً.
وتجعل هذه الطاقة المستهدفة المشروع مختلفاً جذرياً عن مجرد إعادة إحياء خط متوقف، إذ يمكن أن يتحول، في حال تنفيذه بكامل قدرته، إلى أحد مسارات التصدير الرئيسية للعراق، لكن الوصول إلى مليوني برميل يومياً لن يكون فورياً بالضرورة، إذ لا تزال الدراسات الفنية جارية لتحديد المسار النهائي، وطريقة الربط بالحقول، وحجم الطاقة التي يمكن تشغيلها فعلياً.
شيفرون تدخل على خط المشروع
أكد مسؤول تنفيذي في “شيفرون” أن خطوط الأنابيب لا تعمل عادة بكامل طاقتها منذ اليوم الأول، فيما لم تقدم الشركة حتى الآن تقديراً نهائياً للطاقة التصديرية المستقبلية للمشروع.
وتلعب “شيفرون” دوراً محورياً في المرحلة الحالية، إذ وقّعت سوريا والعراق مذكرات تفاهم منفصلة مع تحالف يضم الشركة الأميركية و “تي آي كابيتال” و “يو سي سي هولدينج” القطرية لإجراء دراسات فنية ومالية للمشروع.

وكانت الحكومة العراقية قد وافقت في تموز/ يوليو على اتفاقات أولية لدراسة مشاريع استراتيجية لتصدير النفط، في خطوة تعكس انتقال المشروع من مجرد فكرة سياسية إلى مرحلة الدراسات والتقييم، إلا أن الاتفاقات الحالية لا تعني، وفق المعطيات المتاحة، أن قرار الاستثمار النهائي أو بدء الإنشاء قد حُسم بعد.
وتزداد أهمية المشروع بالنسبة إلى بغداد مع سعيها إلى تعدد منافذ التصدير، فقد استأنف العراق أيضاً تصدير نفط كركوك عبر خط أنابيب إلى ميناء جيهان التركي، بطاقة مستهدفة تقارب 250 ألف برميل يومياً، بينما بدأت بغداد في أيار/ مايو أعمال خط البصرة–حديثة بطاقة مستهدفة تصل إلى 2.5 مليون برميل يومياً، ما يشير إلى استراتيجية أوسع لربط الحقول الجنوبية بمنافذ تصدير متعددة بدلاً من الاعتماد على ممر واحد.
سوريا تختبر الممر قبل الأنبوب
في الواقع، لم تنتظر بغداد اكتمال الخط الجديد حتى تبدأ في استخدام المسار السوري، فمنذ آذار، بدأت صادرات عراقية من زيت الوقود عبر ميناء بانياس، ثم توسع استخدام هذا الممر مع استمرار اضطرابات هرمز.
كما بدأت الولايات المتحدة في تموز استقبال شحنات من زيت الوقود العراقي المنقول عبر سوريا، في مؤشر على أن الممر السوري بدأ يتحول بالفعل إلى قناة تجارية قائمة، وإن كانت تعتمد حالياً بدرجة كبيرة على النقل البري بالصهاريج وليس على خط أنابيب جديد.
وبالنسبة إلى سوريا، يحمل المشروع أهمية تتجاوز عائدات العبور المحتملة، إذ يمكن أن يعيد ميناء بانياس إلى موقع أكثر أهمية في خريطة الطاقة الإقليمية، ويمنح دمشق دوراً في ممر استراتيجي يربط النفط العراقي بالبحر المتوسط، غير أن تحويل هذا الدور إلى واقع يتطلب أولاً تجاوز تحديات أمنية ولوجستية وقانونية، بينها إزالة أجزاء من البنية التحتية القديمة، وتأمين مسار الخط، والحصول على حقوق استخدام الأراضي، إضافة إلى حسم الترتيبات الاستثمارية والفنية بين بغداد ودمشق والشركات المشاركة.
2030.. موعد نظري لا نهائي
بذلك، فإن “بديل هرمز” العراقي عبر سوريا ليس مشروعاً سيعمل خلال أشهر، بل رهان طويل الأجل قد يحتاج إلى أربع سنوات على الأقل و15 مليار دولار قبل أن يبدأ تشغيله.
وفي حال انطلقت أعمال البناء خلال الفترة المقبلة، فإن عام 2030 تقريباً يمثل الموعد النظري الأقرب لبدء التشغيل، وليس موعداً نهائياً معلناً، إذ يمكن أن يتغير الجدول وفق نتائج الدراسات الفنية، وحقوق الأراضي، والتمويل، والظروف الأمنية.
وفي المقابل، فإن استمرار استخدام بانياس حالياً لتصدير بعض المنتجات النفطية يتيح للعراق اختبار الممر السوري عملياً قبل الانتقال إلى المرحلة الأكبر: خط أنابيب قادر على نقل كميات ضخمة من الخام إلى المتوسط، وتخفيف اعتماد بغداد على الطريق الذي جعل حرب هرمز تكشف هشاشة نموذج تصديرها التقليدي.

