هل يقترب رغيف الخبز في سوريا من زيادة جديدة؟

الخبز

لم يكن نفي الحكومة السورية لما تردد أخيراً عن رفع سعر ربطة الخبز التمويني كافياً لإنهاء الجدل حول مستقبل الدعم في البلاد.

فبالنسبة لاقتصاديين، لا تكمن أهمية القضية في صدور قرار فوري بزيادة السعر من عدمه، بل في المؤشرات المالية والاقتصادية التي تجعل الخبز، بوصفه السلعة الأكثر دعماً والأوسع استهلاكاً، مرشحاً لأن يكون في صلب أي سياسة حكومية لإعادة هيكلة الإنفاق العام.

أبعد من شائعة الأسعار

في بلد يعتمد فيه ملايين السوريين على الخبز كركيزة أساسية للأمن الغذائي، فإن أي تعديل في سعره أو كميته يتجاوز كونه قراراً تموينياً ليصبح مؤشراً على اتجاه السياسة الاقتصادية بأكملها.

أكدت وزارة الاقتصاد والصناعة عدم وجود قرار برفع سعر الخبز في الوقت الراهن- إنترنت

ورغم تأكيد وزارة الاقتصاد والصناعة عدم وجود قرار برفع سعر الخبز في الوقت الراهن، فإن السنوات الأخيرة أظهرت أن سياسة الدعم لم تعد ثابتة كما كانت في السابق، بل باتت تخضع لمراجعات متكررة، سواء عبر تعديل الأسعار مباشرة أو تقليص الكميات والأوزان أو رفع أسعار المدخلات الأساسية، وهو ما يدفع إلى التساؤل عما إذا كانت الحكومة قادرة على الاستمرار في تحمل فاتورة الدعم في ظل الضغوط المالية المتزايدة.

ويرى الباحث الاقتصادي يونس الكريم أن تفسير احتمالات رفع سعر الخبز لا ينبغي أن يقتصر على الزيادات الأخيرة في أسعار المحروقات، لأن الوقود، وفق تقديره، لا يزال أقل من المستويات التي سجلها قبل الهدنة الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران، ما يعني أن المشكلة أعمق من ارتفاع تكاليف الإنتاج المباشرة، وترتبط في المقام الأول بأزمة المالية العامة، وصعوبة تمويل الإنفاق الحكومي، وتراجع قدرة الدولة على المحافظة على منظومة الدعم بالشكل التقليدي.

القمح في قلب الأزمة

يقول الكريم وفق منشور له عبر منصة “فيسبوك” إن الحكومة تواجه تحديات متزايدة في تكوين مخزون استراتيجي من القمح، ليس بسبب محدودية الإنتاج المحلي فقط، وإنما أيضًا نتيجة ارتفاع تكاليف التخزين، وضعف جاهزية عدد من الصوامع، والحاجة إلى إعادة تأهيل منشآت التخزين التي تعرضت لأضرار واسعة خلال سنوات الحرب، فضلاً عن ارتفاع تكاليف النقل والحماية.

هذه الظروف تجعل الأرقام الرسمية المتعلقة بكميات القمح المستلمة بحاجة إلى مزيد من الشفافية، لأن الكميات المعلن عنها لا تعني بالضرورة أن كاملها أصبح ضمن مخزون صالح للاستخدام أو متاحًا للمطاحن على مدار العام.

الباحث الاقتصادي يونس الكريم

وتزداد الضغوط مع تعثر الحكومة في شراء كامل محصول القمح مباشرة من المزارعين، فبعد أن كانت تراهن على الاستفادة من انخفاض الأسعار العالمية خلال الأشهر الماضية، أعادت التطورات العسكرية في منطقة البحر الأسود، واستمرار الحرب الروسية الأوكرانية، حالة عدم اليقين إلى أسواق الحبوب العالمية.

وتؤكد منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو) ومجلس الحبوب الدولي أن الصراع في المنطقة ما يزال يؤثر في حركة التجارة العالمية وأسعار القمح، وهو ما قلص فرص الاستيراد منخفض الكلفة، ودفع الحكومة، بحسب الكريم، إلى شراء كميات من التجار المحليين بأسعار تجاوزت السعر الرسمي المحدد للمزارعين، بل فاقت في بعض الحالات كلفة الاستيراد المتوقعة.

عجز يتجاوز رغيف الخبز

تشير تقديرات منظمات الأمم المتحدة إلى أن سوريا تحتاج سنويًا إلى ما بين 3.5 و4 ملايين طن من القمح لتغطية الاستهلاك المحلي، في حين لا يزال الإنتاج المحلي يتذبذب بفعل الجفاف، وارتفاع أسعار مستلزمات الزراعة، وتراجع المساحات المزروعة، وتضرر شبكات الري، ما يبقي البلاد معتمدة بدرجات متفاوتة على الاستيراد لسد الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك.

لكن أزمة القمح، ليست سوى جزء من معادلة مالية أكثر تعقيداً، فالحكومة تواجه في الوقت نفسه تراجعاً في الإيرادات العامة، وارتفاعاً في النفقات التشغيلية، وضعفاً في النشاط الاقتصادي، إضافة إلى استمرار الحاجة إلى تمويل قطاع الخدمات العامة وإعادة تأهيل البنية التحتية.

أكدت وزارة الاقتصاد والصناعة عدم وجود قرار برفع سعر الخبز في الوقت الراهن- إنترنت

 ويؤكد البنك الدولي ولجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الإسكوا) أن الاقتصاد السوري ما يزال يعاني من تحديات هيكلية تشمل انخفاض الإنتاج، وضعف الاستثمار، وارتفاع معدلات الفقر، وهي عوامل تحد من قدرة الدولة على تمويل الدعم دون البحث عن مصادر إيرادات إضافية.

وتنعكس هذه الضغوط أيضاً على بيئة الاستثمار، إذ يرى الكريم أن تصاعد المخاطر الإقليمية وحالة عدم اليقين السياسي والاقتصادي ساهما في إحجام المستثمرين المحليين والأجانب عن ضخ استثمارات جديدة، الأمر الذي عمّق أزمة السيولة داخل الاقتصاد السوري، ودفع الحكومة إلى الاعتماد بصورة أكبر على الإيرادات المحلية ورسوم الخدمات لتعويض جزء من النقص في الموارد.

تقليص الدعم بالتدريج

يشار إلى أنه منذ تولي الحكومة الانتقالية إدارة البلاد، اتجهت السياسة الاقتصادية بصورة تدريجية نحو إعادة هيكلة الدعم بدل إلغائه دفعة واحدة، فقد رفعت أسعار المحروقات أكثر من مرة، وأعادت تسعير عدد من الخدمات الحكومية، كما عدلت آلية توزيع الخبز التمويني.

لم تقتصر هذه التعديلات على السعر، بل شملت أيضاً خفض وزن الربطة في أكثر من مناسبة، ثم تقليص عدد الأرغفة مع الإبقاء على السعر الاسمي، وهو ما اعتبره اقتصاديون زيادة فعلية في السعر يتحملها المستهلك بصورة غير مباشرة، ضمن سياسة تهدف إلى تخفيف العبء المالي على الخزينة دون إعلان رفع مباشر لسعر الخبز.

ويشير هذا المسار، إلى أن الحكومة فضلت خلال المرحلة الماضية توزيع كلفة الإصلاح المالي تدريجياً عبر سلسلة من الإجراءات الصغيرة بدل اتخاذ قرارات صادمة دفعة واحدة، وهو النهج الذي اتبعته دول عديدة واجهت أزمات مالية حادة، حيث يبدأ تقليص الدعم عادة بالسلع الأكثر استنزافًا للموازنة العامة.

ما السيناريو المقبل؟

يرجح الكريم أن يدفع استمرار الضغوط الحالية الحكومة إلى اتخاذ خطوات إضافية خلال الفترة المقبلة، ليس بالضرورة عبر رفع سعر الخبز مباشرة، وإنما من خلال إعادة النظر في مستويات الدعم أو أسعار سلع وخدمات أخرى، محذراً  من أن استمرار تعثر بعض الإصلاحات المالية، ومن بينها مشروع استبدال العملة، قد يزيد الضغوط على السيولة ويؤخر سداد الالتزامات الحكومية، بما ينعكس على أداء المؤسسات العامة والاقتصاد المحلي.

أكدت وزارة الاقتصاد والصناعة عدم وجود قرار برفع سعر الخبز في الوقت الراهن- إنترنت

ويبقى مستقبل سعر الخبز مرتبطاً بمجموعة من المتغيرات أكثر من ارتباطه بقرار إداري منفرد، فإذا تحسن إنتاج القمح المحلي، واستقرت الأسواق العالمية، وتعززت الإيرادات العامة، قد تتمكن الحكومة من الإبقاء على مستويات الدعم الحالية.

أما إذا استمرت الضغوط على المالية العامة، وارتفعت كلفة تأمين القمح، وتواصلت أزمة السيولة، فإن إعادة تسعير الخبز قد تتحول من مجرد شائعة متداولة إلى أحد الخيارات الاقتصادية المطروحة، ليس باعتباره هدفاً بحد ذاته، وإنما باعتباره انعكاساً لأزمة أعمق تتعلق بقدرة الدولة على تمويل الإنفاق العام والحفاظ على منظومة الدعم في اقتصاد لا يزال يواجه واحدة من أعقد أزماته منذ عقود.

هند خليفة

هند خليفة

صحفية متخصصة في الشأن الاقتصادي.

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم