ترامب: سوريا تروّج نفسها بديلاً لهرمز.. هل تتحول الأزمة إلى “نعمة”؟

ترامب والشرع

لم تعد سوريا تنظر إلى الحرب الدائرة حول مضيق هرمز باعتبارها أزمة إقليمية بعيدة عن حدودها، بل فرصة نادرة لإعادة تقديم موقعها الجغرافي على خريطة الطاقة والتجارة في الشرق الأوسط.

لفت هذا التحول انتباه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي وصف، الخميس، مساعي دمشق للاستفادة من اضطراب حركة الملاحة عبر المضيق بأنها “رائعة”، بعدما أعاد نشر تقرير لصحيفة “واشنطن بوست” يتناول طموح سوريا للتحول إلى ممر بري بديل لنقل النفط والسلع من الخليج إلى البحر المتوسط، قائلاً: “هذا رائع سوريا تروج لنفسها كبديل لمضيق هرمز”.

أزمة هرمز تعيد رسم طرق الطاقة

يأتي هذا الاهتمام في وقت أدت فيه الحرب الأميركية–الإسرائيلية مع إيران والاضطرابات المتكررة في مضيق هرمز إلى إعادة حسابات كبار منتجي النفط بشأن اعتمادهم على الممر البحري الذي يمر عبره جزء ضخم من تجارة الطاقة العالمية.

وتشير تقارير دولية إلى أن دول الخليج والعراق بدأت بالفعل البحث عن خطوط أنابيب وموانئ ومسارات برية بديلة، بعدما كشفت الأزمة مدى هشاشة منظومة الطاقة العالمية أمام تعطل أحد أهم الممرات البحرية.

ناقلة نفط تصل المياه الإقليمية العراقية قبالة البصرة بعد عبورها مضيق هرمز- إنترنت

وفي قلب هذه التحولات، تظهر سوريا كحلقة وصل محتملة بين حقول النفط العراقية وموانئ البحر المتوسط، فبحسب “واشنطن بوست”، تتحرك سوريا بعد أكثر من 18 شهراً على سقوط النظام السابق للاستفادة من موقعها بين العراق ودول الخليج وتركيا والبحر المتوسط، مستفيدة من التحولات الإقليمية ورفع العقوبات الدولية عنها، بهدف استعادة دورها التاريخي كممر تجاري يربط الشرق بالغرب.

وتقول الصحيفة إن نحو 5 آلاف شاحنة محملة بالنفط القادم من الخليج العربي تعبر الصحراء السورية يومياً باتجاه الساحل، في مشهد يعكس تحول الطريق البري عبر سوريا من مسار اضطراري فرضته الحرب إلى جزء من رؤية أوسع لدى الحكومة السورية الجديدة.

وبدأت هذه الشاحنات رحلاتها بين مصافي جنوب العراق وميناء بانياس السوري في نيسان/ أبريل الماضي، عندما سعى مصدرو النفط العراقيون إلى إيجاد بديل لحركة السفن التي تعطلت بسبب الحرب، لتتحول الرحلات لاحقاً إلى مسار بري ينقل الوقود العراقي عبر الأراضي السورية وصولاً إلى البحر المتوسط.

من الشاحنات إلى الأنابيب

ترى “واشنطن بوست” أن هذه الحركة المتزايدة تمثل اختباراً عملياً للطموح السوري في أن تصبح البلاد ممراً بديلاً للطاقة، خصوصاً أن الحكومة في دمشق تسعى إلى توسيع هذا الطريق ليشمل خطوط أنابيب ومنشآت نقل قادرة على استيعاب كميات أكبر بكثير من النفط المنقول حالياً بواسطة الشاحنات.

في هذا السياق، تبرز خطة إنشاء خط أنابيب تصل كلفته التقديرية إلى 5.7 مليار دولار، تقوده شركة “شيفرون” الأميركية، لنقل نحو مليوني برميل من النفط الخام يومياً من البصرة في جنوب العراق إلى ميناء بانياس السوري.

وأعلنت الإدارة الأميركية في تموز/ يوليو الماضي دعمها للمشروع، الذي سيعبر الأراضي العراقية والسورية لمسافة تقارب ألف ميل، فيما يحتاج إنجازه، وفق الصحيفة، إلى عامين ونصف العام على الأقل.

واشنطن: هرمز أقل أهمية

نقلت “واشنطن بوست” عن المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توماس باراك قوله، خلال الإعلان عن المشروع بحضور مسؤولين سوريين وعراقيين كبار، إن خط الأنابيب يمكن أن يجعل مضيق هرمز أقل أهمية بالنسبة إلى حركة نقل الطاقة.

ورغم أن الخط لن يكون قادراً على تعويض جميع ناقلات النفط التي تمر عبر هرمز، فإنه سيمنح منتجي النفط مساراً إضافياً لتصدير الخام إلى الأسواق العالمية، وهو ما اكتسب أهمية متزايدة بعدما أظهرت الحرب مدى اعتماد تجارة الطاقة العالمية على المضيق.

مرور السفن عبر مضيق هرمز- إنترنت

ولا تقتصر أهمية المشروع، وفق التقرير، على العراق وسوريا، إذ يمكن أن يفتح مستقبلاً المجال أمام منتجين آخرين في الخليج لاستخدام الأراضي السورية للوصول إلى البحر المتوسط، ونقلت الصحيفة عن مسؤولين سوريين أن دمشق تجري اتصالات مع مستثمرين قطريين لبحث إمكانية تمديد خط الأنابيب مستقبلاً باتجاه قطر.

كما تحدث مسؤولون عن اهتمام قطري بمشروع آخر يمكن أن يمر عبر الأراضي السورية لنقل الغاز الطبيعي المسال باتجاه ناقلات ترسو قبالة بانياس، بينما يرى محللون أن دولاً خليجية أخرى، بينها الكويت والبحرين، قد تجد في المسار العراقي–السوري طريقاً إضافياً لتصدير النفط بعيداً عن مضيق هرمز.

الأمن.. العقبة الأكبر

لكن الطريق نحو تحويل سوريا إلى ممر إقليمي للطاقة لا يخلو من عقبات كبيرة، وتشير “واشنطن بوست” إلى أن المشروع سيواجه تحديات أمنية على امتداد مساره، سواء في العراق أو سوريا، حيث لا تزال جماعات مسلحة ناشطة في بعض المناطق، فضلاً عن استمرار تهديد تنظيم “داعش” ووجود ألغام ومخلفات حرب وبنية تحتية تعرضت لدمار واسع خلال السنوات الماضية.

ونقلت الصحيفة عن المختص في شؤون الطاقة والزميل الزائر في صندوق مارشال الألماني، غابرييل ميتشل، أن توفير الأمن للبنية التحتية سيكون التحدي الأول أمام المشروع، متسائلاً عن الجهة التي ستتولى حماية الخط وعن قدرة شركات التأمين على تغطية استثمار يمتد لنحو ثلاثة عقود.

في المقابل، قال نائب الرئيس التنفيذي للشركة السورية للبترول التي ستتولى تشغيل خط الأنابيب، أحمد قباجي، إن الأطراف المعنية تتوقع توقيع العقد النهائي خلال أيلول الجاري من جانب تحالف يضم “شيفرون” و”توتال إنرجيز” الفرنسية ومستثمرين سوريين وقطريين.

وأضاف قباجي، بحسب الصحيفة، أن الأطراف تبحث إجراءات لحماية الخط، تشمل استخدام الطائرات المسيّرة وتقنيات المراقبة المتقدمة، مشيراً إلى حصول المشروع على دعم أمني أميركي.

واستند المسؤول السوري في الدفاع عن إمكانية تأمين الطريق إلى حركة الشاحنات الحالية، قائلاً إن نحو 5 آلاف شاحنة تعبر من العراق إلى سوريا يومياً من دون تسجيل حوادث أمنية كبيرة على هذا المسار.

الطموح يتجاوز العراق

لا ترى دمشق في خط الأنابيب نهاية المطاف، إذ نقلت “واشنطن بوست” عن قباجي قوله إنه بحث مع مستثمرين قطريين إمكانية تمديد المشروع نحو قطر، في حين يرى محللون أن الأزمة الحالية قد تدفع منتجين خليجيين آخرين إلى البحث عن مسارات تصدير بديلة.

وقال الاقتصادي ومحلل الطاقة في شركة “كرم شعار للاستشارات”، محمد أحمد، إن الكويت والبحرين يمكن أن تهتما أيضاً بالاتصال بخط العراق وسوريا لتصدير النفط عبر البحر المتوسط.

لقطة لناقلة النفط “هيلغا” عند إحدى محطات النفط الجنوبية في العراق قرب البصرة، بعد عبورها مضيق هرمز

وأضاف أن السعودية تواجه بدورها تحديات مرتبطة بمسارات تصدير النفط، خصوصاً مع اعتمادها على البحر الأحمر في جزء من عمليات التصدير، في وقت أدى فيه تهديد جماعة الحوثي للملاحة في المنطقة إلى زيادة المخاطر على هذا الطريق.

وتتجاوز رؤية الحكومة السورية قطاع النفط، بحسب التقرير، إلى إعادة بناء شبكة أوسع للنقل البري والسكك الحديدية، فقد أبرمت دمشق خلال الأشهر الأخيرة اتفاقات مع تركيا والسعودية لإعادة تأهيل خط سكة حديد يعود إلى العهد العثماني، بما يمكن أن يتيح ربط أوروبا بالبحر الأحمر عبر الأراضي السورية وتوفير مسار بديل لبعض الطرق البحرية.

دمشق تستعيد دورها التجاري

كما وقعت سوريا والعراق اتفاقات تهدف إلى تسهيل حركة الشاحنات المحملة بالبضائع بين دول الخليج والأسواق الأوروبية، في إطار مسعى أوسع لإعادة إدماج سوريا في شبكات التجارة الإقليمية.

وينقل التقرير عن قباجي قوله إن النظام السابق دمّر البلاد على مدى عقود، بينما أدت العقوبات الأميركية المفروضة منذ عام 2011 إلى عزل سوريا عن الشركات الأجنبية والاستثمارات الدولية، مضيفاً أن الظروف الجديدة تتيح إعادة استخدام الأراضي السورية لمرور مصادر الطاقة العالمية عبر خطوط الأنابيب والطرق ووسائل النقل المختلفة.

تعيد هذه الطموحات، وفق “واشنطن بوست”، التركيز على أحد أبرز الأصول التي تمتلكها سوريا، وهي موقعها الجغرافي، فقبل اكتشاف النفط بقرون، كانت دمشق وحلب مركزين تجاريين يربطان الشرق بالغرب، وتمر عبرهما طرق التجارة بين البحر الأحمر وبحر قزوين، بما في ذلك الحرير القادم من الصين والتوابل الهندية والذهب المصري والزجاج الأوروبي.

لكن الجولة الميدانية التي أجرتها الصحيفة على امتداد المسار المقترح لخط الأنابيب تكشف في الوقت نفسه حجم الفجوة بين الطموح والواقع، فبالقرب من الحدود العراقية، لا تزال محطة ضخ ضخمة تابعة لخط أنابيب قديم بين العراق وسوريا، أنشئ في خمسينيات القرن الماضي، مدمرة وغير صالحة للاستخدام بعدما سيطر عليها تنظيم “داعش” وتعرضت لاحقاً لقصف أميركي.

وفي المناطق الصحراوية المحيطة، بالقرب من محافظة الأنبار العراقية ومناطق نفوذ جماعات مسلحة مدعومة من إيران، تواصل القوات السورية عمليات إزالة الألغام التي خلفتها سنوات الحرب.

حقل العمر.. نفط تحت الأنقاض

أما في حقل العمر النفطي على نهر الفرات، فتبدو آثار الحرب أكثر وضوحاً، ونقلت الصحيفة عن المسؤول الإقليمي في الشركة السورية للبترول، أحمد الخضر، أن الحقل، بعد انتقال السيطرة عليه إلى الحكومة السورية الجديدة في كانون الثاني/ يناير الماضي، تبين أنه تعرض لأضرار كبيرة نتيجة سنوات من سوء الإدارة والحرب، ولم يعد قادراً إلا على إنتاج نحو عُشر مستوى ذروة الإنتاج الذي كان مسجلاً قبل الحرب.

وقال الخضر إن الشركة السورية للبترول تعاني نقصاً في رأس المال والمعدات الحديثة، واضطرت إلى الاستعانة بعمال متعاقدين لتفكيك أجزاء معدنية من منشأة ضخ تضررت في غارة جوية أميركية، وإعادة استخدامها في تجميع أنابيب جديدة.

واشنطن بوست: سوريا تسعى لاستعادة موقعها كممر إقليمي للطاقة والتجارة بعيداً عن مضيق هرمز- إنترنت

ومع ذلك، أعرب المسؤول السوري عن أمله في أن يوفر خط الأنابيب المستقبلي منفذاً لتصدير النفط السوري ومصدراً جديداً للإيرادات، بعدما كان القطاع النفطي يوفر في السابق نحو 30 بالمئة من دخل البلاد.

وعلى الطريق المؤدي إلى بانياس، ترصد “واشنطن بوست” الوجه الآخر لهذا التحول، فالسائق العراقي محمد حاتم تحدث عن تزايد حركة الشاحنات والمشكلات التي تواجهها بسبب تدهور الطرق السورية، فيما يحصل السائق على نحو 1800 دولار مقابل رحلة ذهاب وإياب تستغرق عشرة أيام بين البصرة وبانياس.

وقال حاتم، مازحاً، إنه يخشى أن يؤدي إنشاء خط الأنابيب إلى فقدانه مصدر عمله، في إشارة إلى حجم التغيير الذي يمكن أن يحدثه المشروع إذا انتقل نقل النفط من آلاف الشاحنات إلى شبكة أنابيب واسعة.

ملتقى طرق الشرق الأوسط

عند إحدى نقاط التفتيش، رصدت الصحيفة مسؤولاً أمنياً سورياً يعرف باسم “أبو أحمد”، ينظم حركة الشاحنات والسيارات المتجهة بين العراق والساحل والحدود التركية والأردنية، واستعاد الرجل مرحلة سابقة كان فيها عبور المدنيين والشاحنات في هذه المنطقة محفوفاً بالمخاطر، قبل أن تتحول المنطقة اليوم إلى ممر لحركة تجارية متزايدة.

ويرى أبو أحمد أن الموقع الجغرافي يفسر جانباً من شدة الصراع الذي شهدته المنطقة خلال سنوات الحرب، كما يفسر كثافة حركة النقل الحالية، واصفاً المكان بأنه يقع عند “ملتقى طرق الشرق الأوسط”.

وبحسب الصورة التي ترسمها “واشنطن بوست”، تراهن دمشق اليوم على تحويل هذا الموقع من ساحة للصراع إلى شبكة تربط العراق ودول الخليج بالبحر المتوسط وأوروبا، وقد تكون أزمة مضيق هرمز قد سرعت هذا التوجه ومنحت المسار السوري فرصة لم تكن متاحة في ظروف الملاحة الطبيعية.

لكن نجاح الرهان سيبقى مرتبطاً بقدرة سوريا على إعادة بناء الطرق والمنشآت النفطية، وتأمين خطوط النقل، وجذب الاستثمارات اللازمة، وتحويل حركة الشاحنات الحالية والمشروعات المقترحة إلى شبكة اقتصادية مستدامة.

 وفي هذا السياق، تبدو عبارة ترامب عن إمكانية تحول أزمة هرمز إلى “نعمة” لسوريا انعكاساً لما رصدته الصحيفة على الأرض، أزمة عالمية في أحد أهم ممرات الطاقة تدفع دمشق إلى محاولة استعادة دور جغرافي فقدته طوال سنوات الحرب.

هند خليفة

هند خليفة

صحفية متخصصة في الشأن الاقتصادي.

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم