أثار حذف وزارة الداخلية السورية إعلانها عن توقيف “خلية داعش” في القنيطرة، ثم حذف وزير الداخلية أنس خطاب للمنشور الذي شارك فيه الخبر، انتقادات واسعة واتهامات بفبركة العملية لتحقيق سبقٍ إعلامي، خصوصاً أن الحذف جاء بعد اعتراضات من أقارب الموقوفين ونفيهم صلتهم بالتنظيم.
واعتبر منتقدون أن الاكتفاء بحذف المنشور، من دون توضيح أسباب التراجع أو تصحيح الاتهامات، يثير تساؤلات أوسع حول كفاءة قوى الأمن في التخطيط للعمليات وتنفيذها، ودقة المعلومات التي تستند إليها في بناء الروايات الرسمية وحفظ حقوق المتهمين حتى تثبت إدانتهم، وآليات التعامل الإعلامي معها بعد نشرها، ولا سيما أن الواقعة ليست الأولى من هذا النوع.
الإعلان عن تفكيك الخلية
كانت معرفات تابعة لقوى الأمن الداخلي قد نشرت صور مجموعة من الأشخاص، وقالت إنها ألقت القبض عليهم في مدينة خان أرنبة بمحافظة القنيطرة، بتهمة الانتماء إلى تنظيم داعش ضمن مجموعة “الصيني”. وسرعان ما اعترض بعض ذوي المعتقلين على الرواية، مؤكدين أن أقاربهم لا علاقة لهم بالتنظيم، وأن عدداً منهم كان يقيم خارج سوريا، بينهم أشخاص في ألمانيا وأربيل.
وظهر مواطن سوري يحمل الجنسية الالمانية في فيديو تم تداوله على نطاق واسع، قال فيه إن والده عادل عبد الله السعيد” والموقوفين الآخرين لا علاقة لهم ب”داعش” ، وإن لديه وثائق تثبت براءتهم، مناشداً وزير الداخلية أنس خطاب التدخل. كما عزا ما جرى إلى “تقارير كيدية” قُدمت بحقهم، مؤكداً أنهم كانوا يقيمون في ألمانيا منذ سنوات وعادوا حديثاً إلى سوريا لزيارة والدتهم التي كانت تعاني من وضع صحي حرج وتستعد لعملية جراحية.
وترافق ذلك مع تداول معلومات عن حمل بعض الموقوفين الجنسية الألمانية، ونشر ذويهم صوراً قالوا إنها توثق إقامتهم خارج سوريا، وأثار ذلك تساؤلات حول الأدلة التي استندت إليها السلطات في توجيه اتهام بالانتماء إلى “داعش”، ولا سيما بعد أن تم تصويرهم والتشهير بهم ما قد يعرض السلطات في سوريا للمساءلة القانونية وامكانية رفع دعاوي في المانيا بحكم كونهم مواطنين فيها.
وبعد تصاعد الجدل، حذفت وزارة الداخلية منشورها المتعلق بالخلية، كما حذف وزير الداخلية المنشور الذي كان قد شارك فيه الخبر عبر حسابه على منصة “إكس”. ولم يترافق ذلك مع توضيح رسمي يشرح سبب الحذف، أو يعلن التراجع عن الاتهامات، أو يحدد مصير الموقوفين وما إذا كانت التحقيقات معهم مستمرة.
تكرار الحوادث المشابهة
أعاد حذف منشور “خلية داعش” إلى الواجهة وقائع أخرى أثارت انتقادات لطريقة تعامل المؤسسات الأمنية مع المعلومات ونشرها. ففي قضية وعد الكردي، نسبت وزارة الداخلية اختفاءها إلى “خلاف عائلي”، قبل أن تظهر الفتاة لاحقاً وتنفي الرواية الرسمية وتؤكد أنها كانت مخطوفة، ما وضع الرواية الأمنية الأولى أمام تناقض مباشر مع إفادة صاحبة القضية نفسها.
وفي واقعة أخرى خلال الأيام الماضية، نشرت الهيئة العامة للمعابر والجمارك خبراً عن ضبط تهريب مازوت، قبل أن تحذف المنشور وتنشر بالصور نفسها خبراً عن تهريب أشخاص، فيما نقلت “الإخبارية” الرواية الأولى قبل حذفها ونشر الرواية الثانية.
ويرى حقوقيون أن تكرار هذه الوقائع يطرح مشكلة تتجاوز أخطاء النشر، وتتعلق بآلية التحقق من المعلومات الرسمية قبل تحويلها إلى اتهامات معلنة. ففي قضية القنيطرة، انتشرت صور وأسماء أشخاص مقرونة بتهمة الانتماء إلى تنظيم إرهابي، قبل أن تختفي الرواية من حسابات الوزارة والوزير من دون تصحيح يوازي حجم الاتهام.
وبينما يبقى من حق السلطات التحقيق في أي شبهة أمنية، فإن نشر الاتهامات ثم حذفها من دون تفسير يترك أسئلة أساسية معلقة: هل كانت المعلومات التي أعلنتها الداخلية دقيقة؟ وهل تغيرت نتائج التحقيق؟ ولماذا لم تقدم الوزارة توضيحاً بشأن سبب الحذف أو مصير الموقوفين؟ فمحو المنشور لا يمحو ما ترتب على نشره من تداول للصور والأسماء والاتهامات.
وتأتي الاتهامات بالفبركة في وقت تحاول فيه حكومة أحمد الشرع، المنحدرة من جبهة النصرة-فرع تنظيم القاعدة في سوريا، تقديم نفسها باعتبارها سلطة قادرة على مواجهة “داعش”، في وقت تكشف فيه الحوادث المماثلة عن قصور في التعامل مع الملف بالجدية الذي يحتاجه ايقاف تمدد التنظيم المتطرف بالتزامن مع تزايد هجماته في سوريا.

