بعد وقف استيراد الليرات والأونصات الذهبية بسوريا.. هل ينجح القرار في كبح الغش؟

الأونصات الذهبية

أعاد قرار الهيئة العامة لإدارة المعادن الثمينة في سوريا وقف استيراد المسكوكات الذهبية، بما يشمل الليرات والأونصات، فتح أحد أكثر الملفات حساسية في سوق الذهب السورية، وهو ملف الغش والتلاعب بعيارات الذهب، في وقت تسعى فيه السلطات إلى إعادة تنظيم القطاع واستعادة ثقة المستهلكين بعد سنوات شهدت دخول كميات من المشغولات والمسـكوكات غير المطابقة للمواصفات، سواء عبر التهريب أو من خلال عمليات تزوير طالت علامات تجارية معروفة.

ويأتي القرار، الذي دخل حيز التنفيذ فور صدوره، متضمناً إلزام جميع محال الصاغة التي تمتلك مسكوكات مستوردة بمراجعة فروع الهيئة خلال مهلة شهر لإخضاعها للفحص والوسم بالسمة السورية المعتمدة، في محاولة لإحكام الرقابة على السوق وضمان تتبع مصادر الذهب المتداول.

قرار لضبط السوق واستعادة الثقة

تؤكد الهيئة العامة لإدارة المعادن الثمينة أن القرار لا يستهدف تقييد حركة السوق أو الحد من المعروض، وإنما يهدف إلى حماية المستهلك من عمليات التزوير التي تصاعدت خلال الفترة الأخيرة، بعد ضبط أونصات أجنبية مقلدة تحمل علامات عالمية دخلت البلاد بطرق غير نظامية.

كما ترى الهيئة أن وقف استيراد المسكوكات الجاهزة سيمنح الورش المحلية فرصة أكبر للإنتاج والمنافسة، خاصة أن السوق، بحسب تقديراتها، تمتلك مخزوناً كافياً من الليرات والأونصات، الأمر الذي يجعل القرار غير مؤثر في مستويات الأسعار، في حين سيستمر استيراد الذهب الخام بصورة طبيعية لتأمين احتياجات المصانع والورش الوطنية من المواد الأولية.

الهيئة العامة لإدارة المعادن الثمينة تؤكد أن السوق تمتلك مخزوناً كافياً من الليرات والأونصات- إنترنت

ورغم أن القرار يركز على تنظيم سوق المسكوكات، فإنه يعكس توجهاً أوسع لإعادة ضبط قطاع الذهب بالكامل، بعد سلسلة إجراءات اتخذتها الحكومة خلال الأشهر الماضية، شملت تشديد شروط دمغ المشغولات الذهبية، وإحداث أفرع للهيئة في المحافظات، وفرض رقابة أكبر على عمليات البيع والتداول، بهدف تقليص التهريب وضمان مطابقة جميع القطع للمواصفات القياسية السورية.

ويأتي ذلك في ظل تزايد الطلب على الذهب باعتباره أحد أهم أدوات الادخار والتحوط من تقلبات سعر الصرف وارتفاع معدلات التضخم، وهو ما يجعل أي خلل في جودة المشغولات أو عياراتها يمس مباشرة مدخرات المواطنين وثقتهم بالسوق المحلية.

طي صفحة المخالفات القديمة

في هذا السياق، يؤكد المدير الإداري لجمعية الصاغة بدمشق وريفها، عامر السمان، أن الهدف من القرار يتجاوز مجرد دعم الصناعة الوطنية، ليصل إلى استعادة الثقة التي تضررت خلال السنوات الماضية نتيجة انتشار مخالفات في العيارات وطرح قطع غير مطابقة للمواصفات، الأمر الذي انعكس سلباً على سمعة الذهب السوري في الداخل والخارج.

ويشير إلى أن معظم الضبوط التي يجري التعامل معها حالياً تعود إلى مشغولات صُنعت أو دُمغت خلال السنوات السابقة، بينما تخضع المنتجات الجديدة لسلسلة من الفحوص الفنية والرقابية قبل السماح بطرحها في الأسواق، في إطار رقابة أكثر تشدداً مما كانت عليه في السابق.

الهيئة العامة لإدارة المعادن الثمينة تؤكد أن السوق تمتلك مخزوناً كافياً من الليرات والأونصات- إنترنت

ويضيف السمان أن جمعية الصاغة تنفذ، بالتنسيق مع الجهات المختصة، جولات رقابية يومية على الأسواق، مع اتخاذ إجراءات فورية بحق أي مخالفة يتم ضبطها، في محاولة لسد الثغرات التي سمحت سابقاً بدخول منتجات مغشوشة أو غير مطابقة للمواصفات.

كما يشير إلى أن المواطنين الذين يمتلكون قطعاً ذهبية قديمة لن يفقدوا حقوقهم نتيجة الإجراءات الجديدة، إذ تخضع هذه القطع أولاً للفحص، فإذا ثبتت مطابقتها للمواصفات يعاد دمغها وإدخالها مجدداً إلى التداول، أما إذا تبين وجود خلل في العيار أو التصنيع فتتم إعادة صياغتها مع الحفاظ على حقوق أصحابها قدر الإمكان، وهو ما أسهم في استعادة حقوق عدد كبير من المتعاملين بعد إعادة الفحص والتصنيع.

هل يكفي وقف الاستيراد لإنهاء الغش؟

إلا أن خبراء في القطاع يرون أن وقف الاستيراد، رغم أهميته، لا يمثل حلاً نهائياً لمشكلة الغش، إذ إن الجزء الأكبر من التجاوزات يرتبط بضعف الرقابة على التداول، وعمليات التهريب، والتلاعب في الدمغات، أكثر من ارتباطه بمصدر المسكوكات نفسها.

 ولذلك فإن نجاح القرار سيبقى مرهوناً بقدرة الجهات الرقابية على فرض رقابة مستدامة على جميع حلقات السوق، بدءاً من الورش، مروراً بمحال الصاغة، وانتهاءً بالمستهلك، إلى جانب الإعلان بشفافية عن نتائج الضبوط والفحوص الدورية بما يعزز الثقة العامة.

الهيئة العامة لإدارة المعادن الثمينة تؤكد أن السوق تمتلك مخزوناً كافياً من الليرات والأونصات- إنترنت

وتتزايد المخاوف من أن أي تشديد على الاستيراد قد يؤدي إلى خلق سوق موازية للمسكوكات المهربة، وهو ما يتطلب تشديد الرقابة على المنافذ الحدودية، وتطوير أنظمة التتبع الإلكتروني للدمغات، وتحديث المختبرات الفنية القادرة على كشف التزوير بسرعة ودقة، خاصة مع تطور أساليب الغش المستخدمة في الأسواق العالمية.

وبينما تراهن الحكومة على أن يسهم القرار في حماية الصناعة الوطنية وتنظيم السوق، يبقى السؤال الأهم مطروحاً حول مدى قدرته على إنهاء إرث سنوات من التجاوزات التي أضعفت ثقة المواطنين بسوق الذهب. فالقرارات التنظيمية قد تكون خطوة ضرورية، لكنها ليست كافية بمفردها ما لم تقترن بمنظومة رقابية صارمة، وقضاء سريع في ملاحقة المخالفين، وإفصاح دوري عن نتائج الرقابة، بما يضمن أن تصبح السمة السورية معياراً حقيقياً للجودة والثقة، لا مجرد ختم يوضع على المشغولات.

وعندها فقط يمكن القول إن وقف استيراد الليرات والأونصات الذهبية لم يكن مجرد إجراء تنظيمي، بل بداية مرحلة جديدة تعيد الاعتبار لسوق الذهب السوري وتحمي مدخرات المواطنين من الغش والتلاعب.

هند خليفة

هند خليفة

صحفية متخصصة في الشأن الاقتصادي.

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم