روسيا تورّط سوريا في أسطول الظل.. ما قصة “الأعلام المزيفة” للتهرب من العقوبات؟

ناقلة نفط روسية

لم تكن سوريا، على ما يبدو، طرفاً في تشغيل ناقلات النفط المرتبطة بـ”أسطول الظل” الروسي، لكنها ظهرت فجأة في واحدة من أكثر حيل التهرب من العقوبات إثارة للقلق في سوق النقل البحري.

فقد كشف تقرير حديث لشركة “ويندوارد” المتخصصة في المعلومات البحرية عن استخدام اسم سوريا، للمرة الأولى، ضمن مجموعة من الدول التي استُغلت أعلامها بصورة غير قانونية على ناقلات مرتبطة بتجارة النفط الروسي، في محاولة لإخفاء هوية السفن وتمكينها من مواصلة العمل بعيداً عن أعين جهات الرقابة والعقوبات.

ما هي “الأعلام المزيفة”؟

تتعلق القضية بما يُعرف في قطاع الشحن بـ”الأعلام المزيفة”، أي أن تقوم سفينة ببث أو تسجيل علم دولة لا تملك ترخيصاً منها لرفعه، وتوضح “ويندوارد” أن هذه الممارسة أصبحت إحدى الأدوات المتنامية التي يستخدمها مشغلو السفن المرتبطة بالتجارة الخاضعة للعقوبات، خصوصاً في ظل تشديد الرقابة الغربية على صادرات النفط الروسية.

وبحسب تحليل الشركة، ظهرت سوريا وميانمار خلال الربع الثاني من عام 2026 باعتبارهما من أحدث الأعلام التي استخدمتها ناقلات مرتبطة بروسيا، رغم أن أياً من الدولتين لا تدير سجلاً دولياً للسفن يسمح بهذه التسجيلات.

ناقلة نفط- إنترنت

وهنا تكمن خطورة المسألة بالنسبة إلى دمشق، فرفع العلم السوري بصورة مزيفة لا يعني بالضرورة أن الحكومة السورية سجلت السفن أو سمحت لها بذلك، لكنه يجعل اسم الدولة يظهر في بيانات التعريف والملاحة الخاصة بسفن مرتبطة بتجارة روسية خاضعة للعقوبات، وقد يؤدي ذلك إلى خلق انطباع مضلل لدى الموانئ وشركات التأمين والمؤسسات المالية بشأن هوية السفينة ووضعها القانوني.

وتشير بيانات “ويندوارد” إلى أن الظاهرة تجاوزت الحالات الفردية وأصبحت جزءاً من سوق موازية تتكيف باستمرار مع العقوبات، فقد ارتفع عدد السفن المدرجة في قاعدة بيانات المنظمة البحرية الدولية باعتبارها ذات أعلام مزيفة إلى نحو 580 سفينة في النصف الأول من 2026، مقارنة بنحو 470 سفينة في نهاية العام الماضي، بزيادة قدرها 23.4 بالمئة.

وخلال الربع الثاني وحده، رصدت الشركة 275 ناقلة تتداول دولياً وهي تبث أعلام سجلات بحرية احتيالية، مقابل 290 ناقلة في الربع الأول، فيما تخضع نحو 90 بالمئة من هذه الناقلات لعقوبات غربية.

سوريا ليست الأولى

لم تكن سوريا وميانمار أولى الدول التي وجدت نفسها في هذه الدائرة، فقد سبق أن استُخدمت أعلام دول أخرى، من بينها نيكاراغوا وغينيا الاستوائية، فيما ظهرت قبل ذلك أعلام غايانا وغينيا ومدغشقر في سياقات مشابهة.

بحسب “ويندوارد”، بلغ عدد السجلات البحرية الاحتيالية التي جرى تحديدها 22 سجلاً، في مؤشر على قدرة مشغلي “أسطول الظل” على الانتقال سريعاً من سجل إلى آخر بمجرد انكشاف استخدامه.

وتعتمد الحيلة على استغلال فجوة بين الهوية التي تبثها السفينة عبر نظام التعريف الآلي، والسجلات الرسمية التي تحتفظ بها إدارات الدول البحرية، وعندما تُظهر ناقلة نفسها على أنها ترفع علم دولة لا تعترف بها في سجلاتها، يصبح من الصعب على أنظمة الفحص التقليدية تحديد هويتها الحقيقية بمجرد النظر إلى العلم المعلن.

 ولذلك تؤكد “ويندوارد” أن التحقق من السفن عالية المخاطر يحتاج إلى مقارنة بيانات الملكية والتشغيل والسجل البحري والسلوك الملاحي، وليس الاكتفاء بالعلم الذي تبثه السفينة.

الإفلات من العقوبات

أما الهدف الرئيسي، فهو التهرب من العقوبات، فالسفينة التي ترتبط بنقل النفط الروسي الخاضع للقيود قد تواجه صعوبات في دخول الموانئ أو الحصول على التأمين والخدمات المالية إذا ظهرت هويتها الحقيقية، لذلك يسمح تغيير الهوية المعلنة أو استخدام علم مزيف بإعادة تقديمها إلى الأطراف التجارية باعتبارها سفينة مختلفة أو أقل تعرضاً للمخاطر، قبل أن تنتقل الحيلة إلى سجل آخر بعد اكتشافها.

وتكتسب القضية السورية حساسية إضافية في هذه المرحلة تحديداً، لأن دمشق تحاول إعادة بناء علاقاتها الاقتصادية والمالية مع الغرب بعد رفع الولايات المتحدة عقوبات واسعة عنها وإزالة سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب في آب/ أغسطس الجاري.

ناقلة نفط روسية- إنترنت

وفي الوقت نفسه، كانت سوريا قد دخلت في مفاوضات مع واشنطن بشأن تقليص اعتمادها على النفط الروسي، الذي شكل جزءاً مهماً من وارداتها النفطية خلال الفترة الماضية، ووفق مصادر نقلت عنها “رويترز”، كانت سوريا تستورد نحو 60 ألف برميل يومياً من النفط الروسي، بينما بدأت تبحث عن موردين بديلين.

ومن هنا، فإن ظهور اسم سوريا في قضية “الأعلام المزيفة” لا يمثل فقط مشكلة تتعلق بالنقل البحري، بل يحمل مخاطر اقتصادية ومالية أوسع، فإذا ارتبطت ناقلات تحمل علماً سورياً مزيفاً بعمليات نقل نفط خاضعة للعقوبات، فقد تجد المصارف وشركات التأمين وشركات الشحن نفسها مضطرة إلى التدقيق في أي تعامل يرتبط بسفن تحمل هذا العلم، خشية الوقوع في معاملات مخالفة للعقوبات أو قواعد الامتثال الدولية.

روسيا أيضاً تحت المجهر

توضح “ويندوارد” أن روسيا نفسها أصبحت خلال 2026 إحدى أبرز الدول المستخدمة في تسجيل ناقلات “أسطول الظل”، بعدما أعيد تسجيل عشرات السفن المرتبطة بتجارة النفط الروسي تحت العلم الروسي، في وقت تجاوز فيه عدد الناقلات الخاضعة للعقوبات التي ترفع العلم الروسي 213 سفينة وفق تحليل الشركة.

يكشف ذلك عن اتساع المعركة البحرية حول العقوبات، حيث لم يعد الصراع يقتصر على تحديد مالك السفينة أو وجهتها، وإنما امتد إلى العلم والسجل والهوية القانونية نفسها.

وبالنسبة إلى سوريا، لا تشير البيانات المتاحة إلى أن دمشق وافقت على تسجيل هذه السفن أو شاركت في تشغيلها، بل إن طبيعة “العلم المزيف” تعني تحديداً أن السفينة تستخدم هوية بحرية من دون تفويض من الدولة المعنية، لكن الضرر المحتمل يبقى قائماً، لأن مجرد إدراج اسم سوريا في سجلات أو أنظمة ملاحة مرتبطة بناقلات خاضعة للعقوبات يمكن أن يضع الدولة أمام تحدٍ جديد في وقت تسعى فيه إلى استعادة ثقة المؤسسات المالية وشركات التأمين والمستثمرين الدوليين.

لذلك، فإن القصة ليست أن سوريا انضمت إلى “أسطول الظل” الروسي، بل أن اسمها أصبح، وفق بيانات “ويندوارد”، واحداً من الأدوات التي تستغلها سفن مرتبطة بهذا الأسطول للتهرب من العقوبات.

ومع اتساع ظاهرة الأعلام المزيفة وارتفاع عدد السفن المتورطة فيها، يصبح التحدي أمام دمشق هو إثبات أن علمها لم يتحول إلى غطاء غير مقصود لتجارة روسية خاضعة للعقوبات، وأنها قادرة على مراقبة أي استخدام غير قانوني لاسمها البحري قبل أن يتحول إلى عبء على مسار انفتاحها الاقتصادي والمالي على العالم.

هند خليفة

هند خليفة

صحفية متخصصة في الشأن الاقتصادي.

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم