عملية الشرع بـ”فيزا”.. هل كانت الأولى في سوريا؟

عملية الشرع بفيزا

أثارت عملية الدفع التي أجراها الرئيس السوري أحمد الشرع باستخدام بطاقة “فيزا” داخل أحد المحال في دمشق القديمة تفاعلاً واسعاً على منصات التواصل، خصوصاً أنها جاءت بعد إعلان الولايات المتحدة رفع اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب.

ونشر حاكم مصرف سوريا المركزي محمد صفوت رسلان مقطع العملية عبر حسابه على منصة “إكس”، مرفقاً إياه بتصريح قال فيه: “أن نشهد هذه اللحظة مع فخامة السيد الرئيس أحمد الشرع وأن تتم أول عملية دفع باستخدام ببطاقة فيزا في قلب دمشق في اليوم التالي لرفع اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، هو بالنسبة لي شعور يصعب اختصاره بالكلمات”، مضيفاً: “بداية جديدة نحمل فيها الكثير من الأمل والمسؤولية”.

العملية “الأولى”.. ولكن بأي معنى؟

يحمل تصريح رسلان دلالة مهمة، إذ إن وصف العملية بأنها “الأولى” جاء محدداً بمشهد الدفع ببطاقة “فيزا” في قلب دمشق، وليس بوصفها أول تجربة للدفع الإلكتروني في سوريا على الإطلاق، فالدفع الإلكتروني ونقاط البيع “POS” كانا موجودين في القطاع المصرفي السوري قبل هذه العملية بسنوات، بينما تمثل الخطوة الحالية، وفق السياق الرسمي المصاحب لها، مرحلة مختلفة تتعلق بإعادة تفعيل التعامل مع شبكات الدفع العالمية بعد سنوات من العزلة المالية.

وتؤكد الوقائع السابقة أن “فيزا” لم تظهر في سوريا للمرة الأولى مع عملية الشرع؛ ففي أيار/ مايو 2026، أُعلنت تجربة دفع إلكتروني عبر شبكتي “فيزا” و”ماستركارد” داخل سوريا، بعد انقطاع استمر أكثر من 15 عاماً، في إطار مسار لإعادة ربط السوق السورية بمنظومة المدفوعات الدولية.

كما تناولت وسائل إعلام سورية التجربة باعتبارها أول استخدام لهذه الشبكات منذ سنوات، ما يجعل التوصيف الأدق لعملية الشرع أنها أول عملية معلنة بهذا المستوى الرسمي وفي قلب دمشق، وليست بداية وجود تقنية الدفع الإلكتروني أو أول تجربة للشبكات الدولية في البلاد.

الدفع الإلكتروني أقدم من مشهد الشرع

في هذا السياق، يرى الخبير الاقتصادي عامر شهدا أن الاحتفاء بالخطوة الحالية مشروع، لكنه يدعو إلى الدقة عند الحديث عن تاريخ الدفع الإلكتروني في سوريا.

قال شهدا، في منشور عبر صفحته على “فيسبوك”، إن استخدام نقاط البيع والدفع الإلكتروني “خطوة ممتازة إذا عممت”، موجهاً التهنئة إلى حاكم مصرف سوريا المركزي وإلى السوريين بهذه الخطوة، لكنه شدد على أن “الدفع الإلكتروني وتوفير أجهزة POS بدأت من عام 2007″، إضافة إلى البطاقات مسبقة الدفع وخدمات أخرى أطلقها المصرف التجاري السوري.

وبحسب شهدا، فإن هذه السابقة تجعل من غير الدقيق تقديم التطور الحالي باعتباره بداية مطلقة للدفع الإلكتروني في البلاد، إذ إن القطاع المصرفي السوري كان قد دخل هذا المجال قبل سنوات، وإن كان نطاق الاستخدام وانتشاره قد ظلا محدودين مقارنة بما يُطرح اليوم.

2021.. توسع نقاط البيع

أوضح شهدا أنه “حرصاً على المصداقية”، ينبغي الإشارة إلى أن بنك سوريا الدولي الإسلامي أطلق في نيسان/ أبريل 2021 خدمة نقاط البيع، قبل أن تتبعه مصارف أخرى.

 وتؤكد البيانات المنشورة من البنك هذه الواقعة، إذ أعلن في 26 نيسان/ أبريل 2021 إطلاق خدمة نقاط البيع (P.O.S)، وقدمها بوصفها أول خدمة من هذا النوع يطلقها بنك سوري، موضحاً أنها تتيح للعملاء دفع قيمة المشتريات والخدمات باستخدام بطاقاتهم المصرفية، مع خطة لنشر أجهزة في الفنادق والمطاعم ومراكز التسوق والمستشفيات والمراكز الطبية والمحلات التجارية في دمشق والمحافظات.

أعلن في 26 نيسان/ أبريل 2021 إطلاق خدمة نقاط البيع (P.O.S)- إنترنت

ولم يتوقف الأمر عند إطلاق الخدمة، إذ أظهرت بيانات البنك في حزيران/ يونيو 2021 أن عدد أجهزة نقاط البيع التي نشرها تجاوز 250 جهازاً، مع خطة للوصول إلى نحو 2500 نقطة بيع في مختلف القطاعات بنهاية العام، بما يعكس أن البنية المحلية للدفع الإلكتروني كانت تتوسع بالفعل قبل التطورات التي يشهدها القطاع حالياً، كما أطلق البنك خدمات مصرفية رقمية أخرى، بينها الإنترنت المصرفي والموبايل البنكي وخدمات تسديد الفواتير عبر منظومة “مدفوعات”.

وأشار شهدا كذلك إلى أن بنك الأردن تبع ذلك في تقديم خدمات نقاط البيع، مع سقف شراء يومي، ثم بنك سوريا والمهجر الذي نشر أماكن نقاط البيع التابعة له، وصولاً إلى بنك الشام، الذي قال شهدا إنه أطلق الخدمة في بداية عام 2026.

كما لفت إلى أن عدداً من المصارف السورية أطلق تطبيقات مصرفية وفّر بعضها خدمات التحويل ودفع الفواتير وغيرها من العمليات الإلكترونية، مضيفاً أن “الخدمة أطلقت في سوريا منذ سنوات”.

لكن “POS” المحلية ليست “فيزا” الدولية

هنا تظهر النقطة الأساسية في فهم عملية الشرع؛ فوجود الدفع الإلكتروني المحلي وأجهزة نقاط البيع لا يعني بالضرورة أن البطاقات الدولية كانت تعمل في سوريا بالشكل نفسه الذي يجري الحديث عنه اليوم، فهناك فارق بين بطاقة مصرفية محلية تعمل ضمن شبكة الدفع السورية، وبين بطاقة دولية مرتبطة بشبكات مثل “فيزا” و”ماستركارد” وقادرة على تنفيذ وتسوية معاملات ضمن النظام المالي العالمي.

هذا تحديداً هو التطور الذي شهدته سوريا خلال عام 2026، ففي أيار، أعلنت شركة “بيميرا” إتمام أول عملية دفع إلكتروني تجريبية ناجحة عبر شبكتي “فيزا” و”ماستركارد” داخل سوريا، بعد انقطاع استمر نحو 15 عاماً، في خطوة وُصفت بأنها اختبار لإعادة ربط السوق السورية بشبكات الدفع الدولية.

وبالتالي، فإن عملية الشرع ليست أول تجربة دفع إلكتروني في سوريا، كما أنها ليست أول عملية تجريبية معلنة عبر “فيزا” و”ماستركارد” في المرحلة الحالية، لكنها تحمل خصوصية واضحة باعتبارها عملية علنية في قلب دمشق، نفذها رئيس الدولة نفسه، وفي توقيت سياسي شديد الرمزية.

الاختبار الحقيقي يبدأ بعد

يؤكد شهدا أن أهمية التطور الحالي لا تكمن في تقديم الدفع الإلكتروني باعتباره خدمة جديدة على سوريا، وإنما في مدى قدرة المؤسسات المالية على تعميمه وتحويله إلى وسيلة دفع فعلية واسعة الاستخدام، تقلل اعتماد الاقتصاد على النقد وترفع كفاءة التعاملات المالية.

ويختتم موقفه بالقول: “بكل الأحوال مبروك لسوريا فهي تستحق أكثر من ذلك”، معرباً عن تطلعه إلى مرحلة تسمح باستخدام بطاقات الدفع الدولية، قائلاً: “وبانتظار استخدام بطاقات الدفع ماستر كارد بالعملات الأجنبية داخل وخارج سوريا”.

وفي تطور يؤكد أن القضية تتجاوز مجرد مشهد رمزي، أعلنت شركة “فيزا”، الخميس، تنفيذ أول معاملة دفع فعلية باستخدام بطاقاتها الدولية في سوريا، في خطوة تمهد لتوسيع قبول البطاقات الدولية داخل السوق السورية وتعزيز ارتباطها بمنظومة المدفوعات العالمية.

أعلنت شركة “فيزا”، الخميس، تنفيذ أول معاملة دفع فعلية باستخدام بطاقاتها الدولية في سوريا- إنترنت

وجرت العملية بالتعاون مع “فرنسبنك لبنان” بصفته المؤسسة المالية المستحوذة، وشركة “بيميرا” للدفع الإلكتروني، بما يتيح لحاملي البطاقات الدولية، وبينهم الزوار القادمون إلى سوريا، استخدام بطاقات “فيزا” في المدفوعات داخل البلاد بصورة أقرب إلى التجربة المصرفية المعتادة عالمياً.

وبذلك، فإن أهمية عملية الشرع لا تكمن في كونها ولادة الدفع الإلكتروني في سوريا، الذي عرفته البلاد منذ سنوات، وإنما في أنها جاءت في لحظة انتقالية تسعى فيها دمشق إلى الانتقال من منظومة دفع محلية محدودة إلى شبكة أكثر اتصالاً بالنظام المالي العالمي.

ويبقى نجاح هذه الخطوة مرهوناً بمدى اتساع شبكة قبول البطاقات، وقدرة المصارف وشركات الدفع على توفير بنية آمنة ومستقرة، وتحول استخدام “فيزا” و”ماستركارد” من تجارب وعمليات محدودة إلى خدمة متاحة على نطاق واسع للسوريين والزوار.

هند خليفة

هند خليفة

صحفية متخصصة في الشأن الاقتصادي.

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم