بعد عقود من العزلة، تدخل سوريا مرحلة مختلفة مع إلغاء الولايات المتحدة رسمياً تصنيفها دولة راعية للإرهاب، في خطوة تراها حكومة أحمد الشرع تتويجاً لمسار طويل من إعادة الانفتاح الدولي، وبداية لمرحلة يفترض أن تنتقل فيها البلاد من إدارة آثار العزلة والعقوبات إلى جذب الاستثمار وإعادة الإعمار والاندماج في النظامين المالي والاقتصادي العالميين.
وأعلن مكتب مراقبة الأصول الأجنبية في وزارة الخزانة الأميركية، أمس الاثنين، تحديث لوائح العقوبات بما يؤكد إلغاء تصنيف سوريا دولة راعية للإرهاب، بعد انتهاء فترة المراجعة القانونية في الكونغرس من دون اعتراض.
صفحة جديدة
كانت سوريا قد أُدرجت على القائمة منذ عام 1979، فيما جاء القرار الجديد بعد إخطار الرئيس الأميركي دونالد ترامب الكونغرس في 8 تموز/يوليو بنيته إلغاء التصنيف وانقضاء مهلة المراجعة البالغة 45 يوماً.

ولا يمثل القرار مجرد تغيير في التوصيف السياسي، إذ كان تصنيف “الدولة الراعية للإرهاب” يفرض قيوداً على المساعدات الأميركية، وصادرات الدفاع وبعض السلع ذات الاستخدام المزدوج، إلى جانب قيود مالية، كما كان يمثل عامل مخاطرة قانونية وامتثالاً إضافياً أمام المصارف والشركات الراغبة في التعامل مع السوق السورية.
ومع ذلك، فإن إزالة التصنيف لا تعني انتهاء جميع العقوبات الأميركية، إذ لا تزال واشنطن تفرض عقوبات مستهدفة على أفراد وكيانات مرتبطة بنظام بشار الأسد وانتهاكات حقوق الإنسان والاتجار بالمخدرات وتنظيم “داعش” والقاعدة ووكلاء إيران.
دمشق تراهن على ما بعد العزلة
في دمشق، جاء التعاطي مع الخطوة محمّلاً بتوقعات اقتصادية واسعة، الرئيس أحمد الشرع وصف إلغاء التصنيف بأنه تجاوز لمرحلة تاريخية قاسية وفتح لصفحة جديدة عنوانها التنمية وإعادة الإعمار وبناء مؤسسات الدولة، فيما اعتبر وزير الخارجية أسعد الشيباني القرار ثمرة للتحول الذي شهدته سوريا، وتعهد بمواصلة العمل على إزالة آثار العزلة وتهيئة بيئة تقوم على الشفافية والمصالح المتبادلة والتعاون مع الولايات المتحدة والمجتمع الدولي.
يضع وزير المالية محمد يسر برنية الاقتصاد في مقدمة المستفيدين المحتملين من القرار، معتبراً أن الخطوة تفتح الباب أمام إعادة دمج سوريا ومؤسساتها في النظام الاقتصادي والمالي العالمي، واستقطاب الاستثمارات الأجنبية وتوطين التقنيات الحديثة.
لكن في الوقت نفسه يقر برنية بأن الانفتاح الخارجي يضع الحكومة أمام مسؤولية مضاعفة، تبدأ باستكمال الإصلاح الاقتصادي والمالي، وبناء المؤسسات وترسيخ النزاهة والحوكمة.
المصارف أمام اختبار الانفتاح
تكتسب الإشارة إلى القطاع المصرفي أهمية خاصة، بعدما ظل ارتباط البنوك السورية بالنظام المالي العالمي أحد أكثر الملفات تعقيداً خلال سنوات العقوبات.
ويرى حاكم مصرف سوريا المركزي صفوت رسلان أن إزالة التصنيف تمثل بداية مرحلة جديدة، مؤكداً أن المصرف يعمل على بناء نظام مالي حديث ومنفتح وموثوق، بما يسمح لسوريا بالعودة تدريجياً إلى موقعها الطبيعي داخل منظومة المال العالمية.

وتأتي هذه التوقعات في وقت بدأت فيه مؤشرات على اهتمام مؤسسات مالية دولية بالسوق السورية، فقد أجرى وزير المالية مباحثات مع مسؤولين في “بنك أوف أميركا” بشأن التعاون وإعادة دمج سوريا في النظام المالي العالمي، بينما أعلنت “ماستركارد” العمل مع مجموعة QNB والمصرف المركزي السوري على تطوير البنية التحتية للمدفوعات الدولية.
وترى رويترز أن إزالة التصنيف تزيل واحداً من أبرز العوائق التي كانت لا تزال تردع البنوك والمستثمرين، حتى بعد إنهاء واشنطن العقوبات الأميركية الشاملة على سوريا.
إعادة الإعمار.. الاختبار الأصعب
لكن الرهان الأكبر يبقى على الاستثمار وإعادة الإعمار، فسوريا تحتاج إلى رؤوس أموال ضخمة لإعادة بناء اقتصاد دمرته أكثر من 13 عاماً من الحرب؛ وقدّر البنك الدولي كلفة إعادة الإعمار بنحو 216 مليار دولار، أي ما يقارب عشرة أضعاف الناتج المحلي المتوقع لسوريا في 2024، وهو حجم يفوق قدرة الموازنة السورية بكثير، ويجعل الاستثمار الخارجي والشراكات الدولية ضرورة لا خياراً.
من هنا تبدو تصريحات الحكومة أقرب إلى خريطة أولويات للمرحلة المقبلة، إصلاح مالي ومصرفي، استقطاب رأس المال الأجنبي، تطوير البنية التحتية، وتنشيط القطاعات القادرة على توليد العملة الصعبة وفرص العمل.
وتبرز السياحة باعتبارها أحد هذه القطاعات؛ إذ قال وزير السياحة مازن الصالحاني إن رفع التصنيف يخلق “ثقة جديدة” يمكن تحويلها إلى مزيد من الزوار والاستثمارات والشراكات، بالتوازي مع خطط لتطوير المنشآت الفندقية والمقاصد والمنتجات السياحية.
وتشير بيانات حديثة إلى أن هذا القطاع بدأ بالفعل استعادة جزء من نشاطه؛ إذ أفادت تقارير بأن سوريا استقبلت 3.52 مليون زائر خلال النصف الأول من 2026، مع قفزة كبيرة في أعداد السياح الدوليين والعرب مقارنة بالعام السابق، لكن تحويل هذه العودة إلى صناعة سياحية مستدامة يتطلب استثمارات في الفنادق والنقل والخدمات والأمن، وليس مجرد تحسن الصورة السياسية للبلاد.
من الانفراجة إلى المكاسب
بذلك، فإن “طي صفحة قائمة الإرهاب” قد يفتح الباب أمام سوريا، لكنه لا يضمن وحده تدفق الأموال أو حدوث طفرة اقتصادية فورية، فالمستثمرون لا يبحثون فقط عن رفع القيود القانونية، بل عن نظام مصرفي موثوق، وقواعد واضحة للاستثمار، وحوكمة وشفافية، واستقرار سياسي وأمني، وقدرة مؤسسات الدولة على حماية العقود والملكية، وحتى الحكومة السورية نفسها تضع الإصلاح المؤسسي والمالي في قلب المرحلة الجديدة.
لذلك، تبدو المهمة الأصعب أمام حكومة الشرع الآن هي تحويل الانفراجة السياسية إلى مكاسب اقتصادية ملموسة، فبعد أن أزيلت واحدة من أهم العقبات أمام التعامل مع سوريا، يبدأ الاختبار الحقيقي، هل تستطيع دمشق بناء البيئة التي تجعل المستثمر العالمي مستعداً للمخاطرة بأمواله، وتحويل وعود إعادة الإعمار والانفتاح المالي إلى مشاريع فعلية وفرص عمل ونمو؟، فإن ذلك سيحدد ما إذا كان الخروج من “قائمة الإرهاب” مجرد انتصار دبلوماسي، أم نقطة تحول حقيقية في الاقتصاد السوري.
- جدل استقبال محافظ طرطوس بـ”السجادة الحمراء”.. بروتوكول رسمي أم مظاهر ترف؟
- “ذا تايمز”: ترهيب النساء الرافضات لأفكار “داعش” في مخيم روج بسوريا
- فاتورة استضافة الوفود الأجنبية في سوريا.. كم تبلغ تكلفتها؟
- غارة إسرائيلية قرب حدود سوريا ولبنان.. من هو يوسف الحسون ولماذا استهدف؟
- لماذا تدفع جماعة “الحوثي” بقياداتها الأمنية إلى جبهات تعز؟

