الباب الأميركي فُتح.. لكن هل تستطيع سوريا “استقبال الاستثمارات”؟

سوريا

لم تعد المشكلة الرئيسية أمام المستثمر الراغب في دخول سوريا هي ما إذا كان الاستثمار مسموحاً به في واشنطن، بعدما أزالت الولايات المتحدة في 24 آب/ أغسطس الجاري، تصنيف سوريا دولة راعية للإرهاب، وإنما ما إذا كانت دمشق تملك النظام المالي والقانوني والمؤسسي القادر على استقبال رأس المال وتحويله إلى مشروعات منتجة.

والمفارقة أن القرار الأميركي الذي أزال أحد أكبر العوائق الخارجية أمام الاستثمار جاء في الوقت الذي كانت فيه سوريا نفسها تبدأ عملية إعادة بناء النظام المالي الذي يفترض أن تستقبل من خلاله الأموال.

100 مليون دولار لإعادة بناء القطاع المالي

في السابع من آب الجاري، وافق البنك الدولي على منحة بقيمة 100 مليون دولار لتحديث القطاع المالي السوري، بعدما خلص إلى أن القطاع لا يزال صغيراً، شديد الاعتماد على النقد، ضعيف الوساطة المالية، ويعاني تقادم البنية التحتية للمدفوعات، وهي قيود ترفع تكاليف المعاملات وتعرقل الوصول إلى التمويل وتحد من إعادة اتصال سوريا بالقنوات المالية الدولية.

وهكذا، فإن واشنطن أزالت جزءاً مهماً من العائق الخارجي، بينما تكشف أموال البنك الدولي عن حجم العائق الداخلي الذي يتعين على دمشق معالجته، فقرار إزالة التصنيف، الذي أنهى وضعاً استمر منذ عام 1979، ألغى القيود المرتبطة بنظام العقوبات الخاص بالدول الراعية للإرهاب، كما ألغى تصنيف “هيئة تحرير الشام” كمنظمة إرهابية عالمية وأزالتها وزارة الخزانة من قائمة الأشخاص والكيانات المحظورة.

مصرف سوريا المركزي- إنترنت

وقال وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت إن الخطوة ستساعد على جذب مزيد من الاستثمار إلى سوريا ودعم الاستقرار السياسي والاقتصادي.

لكن أهمية القرار لا تقاس فقط بما أزيل من قيود قانونية، وإنما بما يمكن أن يغيره في حسابات البنوك والشركات، فحتى بعد إنهاء برنامج العقوبات الاقتصادية الشامل على سوريا في 2025، ظل تصنيف الدولة الراعية للإرهاب يحمل مخاطر قانونية وسمعة مرتفعة، ويدفع المؤسسات المالية إلى الابتعاد عن السوق السورية حتى عندما تكون بعض التعاملات مسموحة قانوناً.

خطوة مهمة

قال كبير محللي العقوبات في مؤسسة “كرم شعار” الاستشارية، فيتّوريو ماريسكا دي سيراكابريولا، في تصريح خاص لـ”الحل نت”، إن إلغاء تصنيف سوريا دولة راعية للإرهاب يمثل “خطوة مهمة جداً” لأنه يزيل واحدة من آخر العقبات القانونية الأميركية الرئيسية التي ظلت تعرقل التعاملات الاقتصادية والمالية مع سوريا، رغم أن غالبية العقوبات الاقتصادية الأميركية الأوسع كانت قد أزيلت أو جرى تعليقها قبل ذلك.

أوضح أن أهمية القرار لا تكمن فقط في القيود التي يرفعها بصورة مباشرة، وإنما أيضاً في تقليص حالة عدم اليقين والمخاطر القانونية التي دفعت البنوك والشركات والمنظمات الدولية إلى تجنب التعامل مع سوريا حتى عندما كانت بعض المعاملات مسموحة قانوناً.

فيتّوريو ماريسكا دي سيراكابريولا

وظل التصنيف، بحسب ماريسكا، يحمل تبعات تتجاوز العقوبات التقليدية، إذ كان يفرض قيوداً إضافية على بعض مجالات التمويل والمساعدات والتجارة، ويولد ما يعرف بـ”المبالغة في الامتثال”، حيث تفضل المؤسسات المالية والشركات الابتعاد عن السوق السورية خشية التعرض لمخاطر قانونية أو سمعة سلبية، حتى عندما لا يكون التعامل معها محظوراً صراحة.

وأكد أن إنهاء برنامج العقوبات الاقتصادية الشامل في 2025 كان غير كافياً وحده لإنهاء هذه المخاوف، بسبب استمرار عقوبات محددة على أفراد وكيانات، إلى جانب مخاوف الامتثال الدولية.

المخاطر تتراجع.. لكنها لا تختفي

يرى ماريسكا أن إلغاء التصنيف يقلص المخاطر التي كانت تواجه البنوك والمؤسسات المالية عند التعامل مع سوريا، ويخفف القيود المتبقية على بعض أشكال التمويل والمساعدات والتجارة، فضلاً عن إزالة جزء مهم من الحاجز النفسي والقانوني الذي كان يفرض نفسه على المؤسسات الدولية.

لكنه يشدد على أن هذا التحول لا يعني أن جميع العقوبات أو المخاطر المرتبطة بسوريا اختفت، ولا أن الاقتصاد السوري سيعود تلقائياً إلى النظام المالي العالمي بمجرد صدور القرار.

إلغاء التصنيف يقلص المخاطر التي كانت تواجه البنوك والمؤسسات المالية عند التعامل مع سوريا- إنترنت

فالبنوك الدولية، بحسب تقديره، ستواصل إجراء تقييماتها الخاصة للمخاطر، وستنظر إلى البيئة التنظيمية والمصرفية السورية، ومدى تطبيق قواعد مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، والشفافية، والقدرة على تنفيذ المعايير الدولية، قبل اتخاذ قرار بإعادة العلاقات المصرفية أو توسيعها.

وهذا تحديداً ما يجعل إصلاح القطاع المالي جزءاً من قصة الاستثمار، لا ملفاً منفصلاً عنها، فمشروع البنك الدولي البالغ 100 مليون دولار يستهدف تحديث البنية التحتية للمدفوعات، وإعادة تأهيل القطاع المصرفي، وتعزيز الرقابة والاستقرار المالي والنزاهة، وتطوير قدرات المصرف المركزي ووحدة المعلومات المالية، كما يستهدف تمكين البنية المالية من تنفيذ ما لا يقل عن 15 مليون عملية دفع إلكترونية سنوياً ودعم استخدام المدفوعات الرقمية من جانب ما لا يقل عن 500 ألف شخص وشركة.

الاستثمار يحتاج نظاماً مالياً قابلاً للعمل

يعتبر ماريسكا أن مثل هذه الخطوات توضح أن إعادة دمج سوريا اقتصادياً لن تعتمد على إزالة العقوبات فقط، وإنما على قدرة المؤسسات السورية نفسها على بناء نظام مالي قادر على التعامل مع المعايير الدولية، مشيراً إلى أن القطاع المالي السوري لا يزال صغيراً، شديد الاعتماد على النقد، ويعاني ضعف الوساطة المالية وتقادم البنية التحتية للمدفوعات، وهي عوامل ترفع تكاليف المعاملات وتعرقل الوصول إلى التمويل وتحد من قدرة الاقتصاد على إعادة الاتصال بالقنوات المالية الدولية.

في تقديره، فإن “أفضل تأثير” يمكن أن يظهر في الاقتصاد السوري سيكون على المستوى الاجتماعي والتنموي، وعلى قدرة البلاد على استعادة التواصل مع المؤسسات والشركات الدولية، مشيراً إلى أن تخفيف العقوبات السابقة لم يتحول بصورة مباشرة إلى انخراط اقتصادي واسع بالسرعة التي كان يأملها كثيرون.

ويشير إلى أن عدداً كبيراً من المؤسسات الدولية والشركات ظل متردداً في التواصل مع سوريا، ليس بالضرورة بسبب وجود حظر قانوني مباشر، وإنما بسبب استمرار المخاطر المرتبطة بالعقوبات والسمعة والامتثال.

ويضيف أن إزالة تصنيف الدولة الراعية للإرهاب تمثل “خطوة أخيرة” مهمة في مسار إعادة بناء قنوات التواصل الاقتصادي، لكنها ليست نهاية الطريق، فحتى بعد إزالة التصنيف، ستظل هناك قيود مستهدفة على بعض الأفراد والكيانات، إلى جانب متطلبات دولية تتعلق بالشفافية والامتثال المالي.

 ويشير إلى أن مؤسسة “كرم شعار” نفسها تؤكد أن ما تسميه “إرث العقوبات” سيظل يمثل مشكلة، لأن المخاوف القانونية والسمعة السلبية والخوف من المخاطر قد تستمر حتى بعد رفع القيود الرسمية.

القرار يخفض طبقة من المخاطر

فيما يضع ملهم الجزماتي، الباحث في مؤسسة “كرم شعار” الاستشارية، المسألة من زاوية أخرى وقال في تصريح خاص لـ”الحل نت”، إن أهمية قرار الولايات المتحدة رفع سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب لا تكمن في كونه جولة جديدة من تخفيف العقوبات بقدر ما تكمن في أنه “يزيل واحدة من آخر الطبقات القانونية والسياسية التي كانت تجعل التعامل مع سوريا عالي المخاطر”.

 ويوضح أن واشنطن كانت قد رفعت معظم العقوبات الاقتصادية الشاملة، كما أُلغي قانون قيصر، لكن بقاء سوريا على قائمة الدول الراعية للإرهاب ظل يبعث بإشارة متناقضة إلى المصارف والشركات الدولية، وهي أن التعامل مع سوريا أصبح مسموحاً في كثير من المجالات، لكن الدولة نفسها ما زالت مصنفة ضمن الدول الراعية للإرهاب.

القرار يزيل واحدة من آخر الطبقات القانونية والسياسية التي كانت تجعل التعامل مع سوريا عالي المخاطر- إنترنت

ويبيّن أن هذه الازدواجية كانت كافية لدفع مؤسسات مالية وشركات إلى الابتعاد عن السوق السورية، حتى في الحالات التي لم يكن التعامل معها محظوراً قانونياً بصورة مباشرة، بسبب ما وصفه بـ”إرث العقوبات”، أي استمرار المخاوف القانونية ومخاطر السمعة والمبالغة في الامتثال حتى بعد رفع القيود الرسمية.

وأشار إلى أن المؤسسات الدولية لا تكتفي عند اتخاذ قراراتها بالنظر إلى ما هو مسموح أو محظور قانوناً، وإنما تضع في حساباتها أيضاً احتمالات المخاطر المستقبلية وكلفة الامتثال واحتمال تعرضها لعقوبات أو أضرار السمعة نتيجة تعاملها مع السوق السورية.

القرار لا يضمن تدفق الأموال

يرى الجزماتي أن الأثر الأهم للقرار سيكون في “تخفيض المخاطر القانونية والسمعة المرتبطة بسوريا”، ولا سيما بالنسبة إلى المصارف وشركات التأمين والمؤسسات التي تتعامل بالدولار أو ترتبط مصالحها بالسوق الأميركية.

 لكنه يحذر من المبالغة في تقدير حجم التحول، مؤكداً أن القرار “لا يعني أن نشاهد بالضرورة تدفقاً فورياً للاستثمارات أو عودة كاملة للمصارف الدولية في اليوم التالي”.

ملهم الجزماتي

وتبدو مؤشرات الاهتمام المالي موجودة بالفعل، لكن الفارق بين الاهتمام والاستثمار الفعلي يظل جوهرياً، فقد قالت وزارة المالية السورية هذا الشهر إن وزير المالية محمد يسر برنية أجرى محادثات مع مسؤولين في “بنك أوف أميركا” بشأن التعاون وإعادة دمج سوريا في النظام المالي الدولي، فيما أعلنت “ماستر كارد”  في أيار/ مايو  أنها تعمل مع مجموعة “كيو إن بي” والمصرف المركزي السوري على تجهيز البنية التحتية للمدفوعات بالبطاقات الدولية.

وهنا يصبح من الضروري التمييز بين المشروع المعلن والمشروع المنفذ، فمذكرة التفاهم ليست تمويلاً، والتمويل ليس تنفيذاً، والتنفيذ ليس بالضرورة إنتاجاً أو وظائف، ولهذا فإن الاختبار الحقيقي لقرار رفع التصنيف لن يكون عدد الإعلانات الاستثمارية التي ستصدر في الأشهر المقبلة، وإنما قدرة سوريا على تحويلها إلى تدفقات رأسمالية ومشروعات قائمة.

هل تتحول الوعود إلى مشروعات؟

يرجح الجزماتي أن إزالة التصنيف يمكن أن تساعد في نقل بعض المشاريع المعلنة سابقاً من مرحلة مذكرات التفاهم والإعلان السياسي إلى مرحلة دراسة الجدوى والتنفيذ الفعلي، خصوصاً بالنسبة إلى المستثمرين الذين كانوا ينتظرون وضوح الموقف الأميركي قبل اتخاذ قرارات نهائية، كما يمكن أن تمنح الدول الراغبة في التطبيع الاقتصادي مع دمشق “غطاءً سياسياً وقانونياً أوسع”، وتقلل المخاطر المرتبطة بالتعامل مع المؤسسات السورية.

وتبدو الطاقة إحدى ساحات الاختبار المبكرة، فبعد رفع التصنيف، قالت الشركة السورية للنفط إن الخطوة تفتح آفاقاً جديدة للاستثمار وتطوير قطاع النفط والغاز وبناء شراكات دولية، فيما تشير وكالة  “إس آند بي جلوبال” المالية العالمية إلى أن سوريا تستهدف رفع إنتاج النفط إلى 800 ألف برميل يومياً بحلول 2029، مع توقيع شركات دولية اتفاقات للاستكشاف.

إزالة التصنيف تساعد في نقل بعض المشاريع المعلنة سابقاً من مرحلة مذكرات التفاهم والإعلان السياسي إلى مرحلة دراسة الجدوى والتنفيذ الفعلي- إنترنت

لكن الجزماتي يشدد على أن القرار الأميركي “لن يكون وحده سبباً كافياً للاستثمار”، لأن إزالة العائق الخارجي لا تعني إزالة مخاطر السوق السورية نفسها، وسيظل المستثمر الأجنبي ينظر إلى الاستقرار السياسي والأمني، ووضوح القوانين، وحماية حقوق الملكية، وشفافية العقود والمناقصات، وقدرة القطاع المصرفي على تنفيذ التحويلات والالتزام بالمعايير الدولية.

ويقول إن مسؤولية الحكومة تبدأ من هذه النقطة تحديداً؛ فكلما تحسن النظام المصرفي، وازدادت شفافية العقود والمناقصات، وأصبح المستثمر أكثر ثقة بقدرته على تحويل أمواله وحماية استثماره وتسوية النزاعات، تحولت أهمية القرار من مكسب سياسي وقانوني إلى أثر اقتصادي فعلي.

قيود أميركية لا تزال قائمة

تبقى هناك أيضاً قيود أميركية مستهدفة لم تُرفع بقرار 24 آب، فيما أكدت وزارة الخزانة أن إزالة تصنيف الدولة الراعية للإرهاب لا تعني إنهاء جميع القيود الأخرى المفروضة على أفراد وكيانات محددة، لذلك فإن الانفتاح الجديد يجب ألا يُقرأ باعتباره عودة فورية وكاملة إلى النظام المالي العالمي، بل باعتباره إزالة لعقبة رئيسية ضمن مسار أطول.

ويخلص الجزماتي إلى أن القرار يمثل “إزالةً لأحد أهم الحواجز أمام عودة سوريا إلى النظام الاقتصادي والمالي الدولي، وليس ضمانةً لعودة الاستثمارات بحد ذاتها، فالمعادلة، بحسب تقديره، تغيرت بعد رفع التصنيف حيث لم يعد السؤال الاقتصادي الرئيسي هو ما إذا كانت العقوبات الأميركية تسمح بالاستثمار في سوريا، وإنما ما إذا كانت البيئة السورية نفسها قادرة على جذب رؤوس الأموال والاحتفاظ بها وتحويلها إلى نشاط إنتاجي مستدام.

وهنا تكمن قيمة القرار وحدوده في آن واحد، فقد خفضت واشنطن كلفة المخاطر السياسية والقانونية التي كان يتحملها المستثمر، لكن دمشق لم تخفض بعد بالضرورة كلفة المخاطر الاقتصادية والتشغيلية داخل السوق نفسها، ولذلك فإن نجاح الانفتاح لن يقاس بحجم الأموال التي يمكن الإعلان عنها، وإنما بما إذا كانت تلك الأموال ستتحول إلى بنوك أكثر كفاءة، ومدفوعات أسهل، وطاقة وبنية تحتية ومشروعات إنتاجية وفرص عمل.

هند خليفة

هند خليفة

صحفية متخصصة في الشأن الاقتصادي.

4 1 صوت
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم