في أقل من أسبوعين.. ارتفاع جديد في أسعار المحروقات يشعل غضب السوريين

أسعار المحروقات

لم يكد السوريون يستفيقون من صدمة الزيادة الأخيرة في أسعار المحروقات حتى باغتتهم الشركة السورية لتخزين وتوزيع المواد البترولية “محروقات” بقرار جديد يقضي برفع الأسعار للمرة الثانية في أقل من أسبوعين، في وقت يشهد فيه سعر صرف الليرة تدهورًا مستمرًا أمام الدولار، ما يمثل ضربة جديدة للقوة الشرائية المنهكة للمواطن السوري.

القرار الذي بدأ تطبيقه اعتبارًا من صباح الثلاثاء أشعل موجة من الغضب والسخط الشعبي في الشارع السوري، خصوصًا بين ذوي الدخل المحدود الذين يرون في كل زيادة جديدة اقتطاعًا من قدرتهم على البقاء، في ظل تآكل مستمر للدخول الثابتة.

سياسة تسعير مُتغيرة

الزيادة الجديدة في أسعار المحروقات جاءت كنتيجة مباشرة لسياسة التسعير المتغيرة التي تتبناها الجهات الرسمية، والتي تربط سعر المشتقات النفطية بسعر الصرف المعتمد، مما يجعل المواطن هو الطرف الذي يدفع فاتورة التقلبات النقدية بشكل فوري ومباشر.

وقد حددت النشرة الرسمية الصادرة عن شركة “محروقات”، سعر الصرف المعتمد والمستخدم في تسعير المشتقات بـ 11,600 ليرة سورية للدولار الواحد، وهو ارتفاع عن السعر المعتمد في النشرة السابقة والذي كان 11,400 ليرة للدولار.

ويأتي هذا في الوقت الذي سجل فيه سعر الصرف في السوق السوداء مستويات قاربت 11,475 ليرة للشراء و11,525 ليرة للمبيع بحسب موقع رصد أسعار الصرف بالسوق الموازية “الليرة اليوم”.

أرقام غير مسبوقة في الأسعار

هذا الفارق البسيط بين السعرين الرسمي والموازي، الذي لا يتجاوز مئتي ليرة، لم يخفف من أثر الصدمة لدى المواطنين، إذ إنه عادة ما ينعكس فورًا على تكاليف النقل والإنتاج وأسعار السلع الأساسية.

بموجب هذه النشرة الجديدة، قفزت أسعار الوقود لتسجل أرقامًا غير مسبوقة، حيث بات سعر ليتر البنزين العادي 12,540 ليرة (1.1 دولار تقريبًا)، فيما ارتفع سعر البنزين “أوكتان 95” إلى 14,025 ليرة (1.23 دولارًا)، وسعر المازوت الصناعي والتجاري إلى 10,830 ليرة (نحو 0.95 دولارًا).

لم تقتصر الزيادة على وقود النقل، بل امتدت لتشمل غاز التدفئة والطهي الذي يعتبر شريان حياة للأسر، حيث بلغ سعر أسطوانة الغاز المنزلي 135 ألف ليرة (حوالي 11.8 دولارًا)، والصناعية 216 ألف ليرة (ما يقارب 18.9 دولارًا).

باتت هذه الأسعار تفوق قدرة المواطن السوري على الاستيعاب، لا سيما مع بقاء متوسط الأجور دون 750 ألف ليرة سورية، أي ما يعادل حوالي 75 دولار أميركي شهريًا.

تبريرات رسمية تواجه انتقادات واسعة

الجهات المعنية بررت القرار بأنه “يتماشى مع سياسة التسعير المرنة” التي تعتمدها الحكومة الانتقالية تبعًا لتقلبات سعر الصرف وأسعار النفط العالمية، مشيرةً إلى أن الأسعار الجديدة تعكس “التكلفة الفعلية” لتأمين المشتقات.

وفق تقرير البنك الدولي الصادر في آب/أغسطس 2025، تحتل سوريا المرتبة الثالثة عربيًا من حيث ارتفاع أسعار المحروقات مقارنة بمستوى الدخل، بعد لبنان واليمن، ما يجعلها “من أكثر الدول تكلفة في الحصول على الطاقة”.

التأثير المباشر لهذا الارتفاع لا يتوقف عند محطات الوقود، بل ينسحب بشكل آلي وفوري على تكاليف النقل والإنتاج في كافة القطاعات، ليراقب السوريون بقلق بالغ كيف سيترجم هذا الارتفاع إلى موجة جديدة من التضخم تطال أسعار السلع والخدمات الأساسية، مما يضع المزيد من الضغوط على الأسر التي يعيش 90 بالئة منها تحت خط الفقر.

في أواخر آذار/مارس 2025، سجل معدل التضخم السنوي في سوريا حوالي 36.8 بالمئة للفترة من آذار/ مارس 2024 إلى شباط/فبراير 2025، وكان هذا انخفاضاً ملحوظاً مقارنة بـ 120.6 بالمئة في نفس الفترة من العام السابق.

غضب شعبي

انعكس الغضب الشعبي جليًا في ردود الأفعال على منصات التواصل الاجتماعي، وتساءل أحد المنتقدين بمرارة: “لما ترفعوا الأسعار بسبب الصرف، ليش ما بتعوضوا الفرق لأصحاب الدخل المحدود؟ شو ذنب المواطن؟”، في إشارة واضحة إلى غياب أي إجراءات موازية لتخفيف وطأة الصدمة عن الشرائح الأكثر هشاشة.

كما تداول العديد من السوريين مقارنات لأسعار الوقود في بلادهم مع دول الجوار والمنطقة، وقال أحدهم مستنكرًا: “سوريا أغلى دولة بالعالم بسعر المحروقات، الله يعين الفقير، ما عنده راتب ولا دعم”.

فيما أشار آخر إلى أن سعر المحروقات في بعض الدول العربية “لا يتجاوز 50 سنتاً”، ملمحاً إلى أن التسعير في سوريا أصبح من الأعلى عالميًا بالنسبة لدخل الفرد.

ثقة مفقودة ووعود مؤجلة

 عَبّر آخرون عن اليأس، حيث قال أحدهم: “كنا نتوقع هبوط أسعار المحروقات 50 بالمئة مع عودة آبار النفط للدولة والدعم الخليجي غير المحدود من قطر والسعودية، لكن التوقعات تختلف عن الواقع”.

التعليقات التي تجاوزت آلاف المشاركات على مواقع التواصل الاجتماعي عكست فقدان الثقة بين المواطن والحكومة، وشعورًا عامًا بأن سياسة رفع الأسعار باتت قدرًا متكررًا.

يأتي هذا المشهد في وقت كانت فيه الحكومة السورية الانتقالية تعوّل على عودة جزء من إنتاج النفط في شمال وشرق البلاد، إضافة إلى الدعم الخليجي الموعود، لتخفيف الضغط على السوق الداخلية، لكن هذه الوعود لم تتحقق بعد، فيما تواصل أسعار الطاقة الارتفاع من دون أن يقابلها أي تحسن في الأجور أو الخدمات.

ومع اقتراب فصل الشتاء، يخشى السوريون من تكرار سيناريو العام الماضي حين تجاوز سعر ليتر المازوت في السوق السوداء 25 ألف ليرة، ما دفع آلاف الأسر إلى الاعتماد على الحطب والبلاستيك كمصدر بديل للتدفئة.

هند خليفة

هند خليفة

صحفية متخصصة في الشأن الاقتصادي.

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم