البضائع المهربة تزدهر في الأسواق السورية.. مَن وراء ذلك؟

على إثر الغلاء الجامح الذي يجتاح الأسواق السورية من كل حدب وصوب، انتشرت خلال الآونة الأخيرة سلعا غذائية مجهولة المصدر وبضائع مهرّبة، فعلى سبيل المثال نشطت خلال الأسابيع الماضية حركة بيع كبيرة لزيتٍ نباتي ماركة “زيرا”، بسعر أقل من الزيت النباتي في المحال التجارية.

في الواقع ثمة مواد عديدة تدخل سوريا بشكل غير قانوني، ولعل أبرزها البنزين المهرّب من لبنان، فضلا عن العديد من السلع الغذائية المتنوعة. والمثير في الأمر أن هذه السلع تُباع في المحال التجارية وعلى الطرقات وأمام أعين الحكومة، الأمر الذي يدلل بأن تجاراً متنفذين يقفون وراء هذه التجارة.

الزيوت المهربة

نحو ذلك، هناك حركة بيع كبيرة للزيت النباتي ماركة “زيرا” بعبوات الـ 5 لتر مجهول المصدر بسعر أقل من الزيت النباتي في المحل بخمسة آلاف ليرة سورية للتر الواحد، الأمر الذي لاقى قبولا وطلبا من المواطنين خاصة مع ارتفاع سعر الزيت النباتي وزيت الزيتون محليا، والحاجة الكبيرة لهما لاسيما في موسم المؤونة، وفق تقرير لصحيفة “البعث” المحلية قبل يومين.

هذا فضلا عن أنه عند كل بسطة لبيع الألبسة أو الأحذية تتواجد عبوات الزيت للبيع المباشر، ليؤكد عبد الرزاق حبزة، أمين سر جمعية حماية المستهلك، في تصريح للصحيفة المحلية طرح كميات كبيرة من الزيوت النباتية بأنواع وماركات من مصادر غير محلية مختلفة خلال الأشهر الماضية.

سبب ذلك يعود وفق حبزة، إلى تأخر صالات “السورية للتجارة” بتوزيع مخصصات الزيت وغيرها من المواد الغذائية عبر ما يُعرف بالبطاقة الذكية. وأشار حبزة، إلى وجود كمّ كبير من زيت النخيل المعبأ بأكياس نايلون “فرط”، يباع أيضا على أطراف الأرصفة بطريقة غير صحية من ناحية العرض، إضافة إلى عبوات البلاستيك من الزيت النباتي المهرّب من تركيا ولبنان.

أمين سر الجمعية أشار إلى أن هذه الزيوت سريعة التطاير وتحوي إضافات معينة تعطيها ألوان مختلفة، وبالتالي فإن تركيب المادة غير معروف بالنسبة للجمعية. بمعنى أن هذه السلع قد تكون منتهية الصلاحية أو مغشوشة.

ليس فقط الزيت المهرب يتواجد بكثرة في الأسواق السورية، وإنما هناك العديد من السلع المهرّبة مثل الدخان والموز ومادة البنزين وغيرها من المواد. لكن اللافت أن السلع المهرّبة أسعارها تكون أقل من السلع الأخرى، وهو ما يعني أن نسبة الجمارك والضرائب كبيرة وهي أحد عوامل ارتفاع الأسعار من جهة.

من جهة أخرى، التجار والباعة وبحجة عدم استقرار الليرة يرفعون الأسعار بشكل فوضوي وبشكل مزاجي، دون رقيب أو حسيب، والمسؤولون السوريون اعترفوا في تصريحات صحفية سابقة أن الأسعار في الدول المجاورة أقل من تلك الموجودة في سوريا.

في سوريا، البلد الغارق بالفساد والأزمات، يبدو أن العديد من الأعمال غير القانونية تحدث أمام أعين الحكومة دون أي رقابة أو محاسبة. ولعل أبرز هذه الأعمال هو بيع المحروقات وتحديدا مادة البنزين على البسطات في الطرقات العامة والشوارع الفرعية والأسواق.

حتى مؤخرا انتشرت بسطاتٍ لبيع البنزين اللبناني المهرَّب عَلنا وبكثافة في طرقات العاصمة دمشق، ولا سيما الرئيسية منها، بحيث باتت شبيهة بالأسواق الأخرى، وسط غضّ الطرف من قِبل السلطات هناك.

تقرير سابق لصحيفة “تشرين” المحلية، أفاد بأنه ثمة بنزين مهرّب، كما يؤكد معظم السائقين، لينتشر مؤخرا عبر عبوات بلاستيكية سعة 20 لترا مليئة بالبنزين الأخضر، وتُباع على أطراف بعض الطرقات من قِبل الشباب وأحيانا يتم البيع من قِبل الأطفال بسعر 250 ألف ليرة سورية للعبوة الواحدة.

الصحيفة المحلية تفيد بأنها ليست المرة الأولى التي تنتشر فيها مثل هذه الظاهرة، فكلما حصلت أزمة في المحروقات ينتشر بيع هذا البنزين، كما يؤكد أحد سائقي سيارات الأجرة، الذي تبيّن له من خلال خبرته كسائق، أن البنزين الأخضر غير مرغوب بتعبئته أثناء العمل على السيارة، فهو يتطاير بسرعة شديدة، على عكس البنزين السوري الأصفر الذي يقطع فيه السائق كيلومترات أكثر بكثير من الأخضر.

أسباب الإقبال

في المقابل، لم ينفِ حبزة، أن سبب ارتفاع أسعار المواد الغذائية يعود إلى شحّ استيرادها بشكل عام والزيوت بشكل خاص، إضافة إلى التعقيدات بطريقة الاستيراد أحجمت الكثير من التجار عن الاستيراد.

المسؤول الحكومي زعم سعي الجمعية لإعفاء الزيت والسكر والرز والشاي من المنصة التي ترفع التكلفة على التجار بشكل كبير، ليتجه المواطن إلى المواد المهرّبة والتي هي أرخص في الدول المجاورة لعدم وجود رسوم جمركية كبيرة عليها وأجور نقل وشحن.

كما وأوضح حبزة، أن رسم “الضميمة” الموضوع لحماية المنتج المحلي من المستورد زاد من سعر المواد الغذائية المستوردة ومنها الزيت النباتي في ظل قلة الإنتاج المحلي منها، طبقا لما ورد في التقرير المحلي.

من جانب آخر، تحدثت العديد من التقارير الصحفية مؤخرا عن غياب شبه كامل لـ”إدارة الجودة” في سوريا، بسبب ضعف القدرة الشرائية للمواطن، الذي لم يعد يهتم إطلاقا بالجودة على حساب السعر، فأصبح سعر المادة هو الفيصل في اتخاذ قرار شرائها بصرف النظر عن جودتها.

لا شك أن انتشار سلع مجهولة المصدر والمواد المغشوشة في الأسواق السورية مؤخرا، زاد من معاناة الأهالي، لكنهم في الوقت ذاته وجدوا أنفسهم مضطرينَ إلى شراء تلك المواد رغم علمهم بها، نتيجة عجزهم عن شراء المواد الأصلية المرتفعة الثمن.

فانحدار مستوى المعيشة، وصل إلى حدِّ تمكين المواد المغشوشة من الانتشار في الأسواق أكثر من المواد التي تراعي المواصفات القياسية المعتمدة، وذلك نتيجة الأسعار المرتفعة، حيث لم تعد الجودة هي المعيار الأول لشراء الغذاء بالنسبة للسوريين، بل الأهم الحصول على أسعار تناسب دخلهم المحدود جدا.

كما أن انتشار المواد المغشوشة في الأسواق، يأتي في ظل عجز حكومي تام عن ملاحقة تلك المواد، أو تحسين الواقع المعيشي إلى حدّ منعِ انتشارها، أو ربما هي راضية عن ما يحدث في الأسواق السورية من تجارة للمواد المهرّبة إلى التجاوزات والفوضى في الأسعار.

سلع غذائية بنصف سعرها

كذلك، على وقع الأزمة الاقتصادية الخانقة التي يعيشها السوريون، خاصة بعد موجة ارتفاع الأسعار الأخيرة، تزايدت ظاهرة انتشار السلع الغذائية والبضائع مجهولة المصدر بكثرة في الآونة الأخيرة، حيث تنتشر المواد الغذائية المتنوعة على الأرصفة من الشوارع والأسواق، في الوقت الذي لا يُعرف مصدر بعضها وبعضها الآخر منتهية الصلاحية، وتُباع بأسعار رخيصة مقارنة بأسعارها الحقيقية في المحلات التجارية.

اللافت أن الإقبال على هذه السلع كبير، نظرا لأنها تُباع بنصف سعرها أو أعلى من ذلك بقليل، ما يدل على أن الأوضاع المعيشية في البلاد في أدنى مستوياتها. ولولا حاجة الناس الماسة لما اشترى أحد هذه البضائع مجهولة المصدر ومنتهية الصلاحية، خاصة وأن لها آثار سلبية خطيرة.

في أسواق محافظة اللاذقية تُفترش على أرصفتها مواد غذائية متنوعة، تُباع بأسعار رخيصة قياسا بأسعارها في المحال التجارية، بعضها مجهولة المصدر، وبعضها الآخر غير مخصص للبيع كما هو مكتوب على اللصاقة. وحولها يتزاحم المتسوقون.

أرجع هؤلاء المتسوقون إقبالهم على هذه السلع إلى أنها “أرخص مقارنة بأسعارها الحقيقية في المحال التجارية”، فيما أكد بعض البائعين لموقع “غلوبال نيوز” المحلي مؤخرا، أن أسعار السلع المعروضة هي سبب رغبة المواطن في شرائها، كونها تحقق توفيرا للمشترينَ لا يقل عن 25 بالمئة، ومن هذه المواد الزيوت بأنواعها، التي تُباع بـ 20 ألفا للتر الواحد من نوع دوار الشمس، فيما يُباع الرز بـ 12 ألف ليرة سورية، بينما علبة “الطون” بـ 6 ألف ليرة، وعلبة “السردين” بـ 4000 ليرة، وسعر ربطة المعكرونة بـ 9000 ليرة.

كذلك، ثمة سلع مغشوشة تجتاح الأسواق السورية مؤخرا، وهي منتجات الألبان والأجبان وزيت الزيتون، فضلا عن العسل المغشوش. وحسب ما أورده تقرير محلي، فإنه نتيجة ارتفاع أسعار الألبان والأجبان المصنوعة منزليا، والتي لا تستطيع مئات العائلات السورية الآن شراءها، مُنح أصحاب المصانع والمعامل، الذين يعمل معظمهم خارج دائرة الرقابة الصحية، تأشيرة عبور خضراء لتصدير منتجاتهم إلى السوق.

شيلان شيخ موسى

شيلان شيخ موسى

رئيسة تحرير "الحل نت"

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم