السيول تكشف ألغام البادية السورية.. إرث الحرب يهدد حياة العائدين

عناصر الهندسة في الجيش السوري تقوم بإزالة الألغام والذخائر غير المنفجرة
عناصر الهندسة في الجيش السوري تقوم بإزالة الألغام والذخائر غير المنفجرة

لم تقتصر تداعيات الأمطار الغزيرة والسيول التي اجتاحت مناطق واسعة من سوريا، الأسبوع الماضي، على الأضرار التي لحقت بالمنازل والطرق والبنية التحتية، إذ كشفت المياه عن جانب من حقول الألغام والمخلفات الحربية المنتشرة في البادية ومناطق أخرى، بعدما جرفت بعض الأجسام المتفجرة من مواقعها، لتضيف تهديداً جديداً إلى المخاطر التي تواجه السكان، ولا سيما في المناطق التي تشهد عودة تدريجية للمدنيين واستئناف الأنشطة الزراعية والرعوية.

وأظهرت مقاطع مصورة جرى تداولها عقب السيول في محافظتي دير الزور والرقة ألغاماً جرفتها المياه من مناطق انتشارها، في مشهد يعكس اتساع رقعة التلوث بالمخلفات الحربية وصعوبة تحديد مواقعها بدقة.

السيول تنقل الخطر إلى مناطق جديدة

لا تقتصر خطورة هذه الأجسام على وجودها في الحقول والمناطق التي شهدت مواجهات عسكرية، إذ إن انتقالها بفعل جريان المياه قد يجعلها تظهر في مسارات وأراضٍ لم تكن معروفة سابقاً بوجود ألغام فيها، ما يرفع احتمالات تعرض المدنيين للانفجار أثناء التنقل أو العمل في الأراضي المفتوحة.

وفي منطقة تدمر بريف حمص الشرقي، تبدو المشكلة أكثر تعقيداً، مع اتساع المساحات الملوثة وكثافة الألغام وتنوعها، وقدّر مدير المنطقة ساهر محمد توفيق وجود أكثر من نصف مليون لغم في البادية، موزعة على مساحة تقارب 25 ألف كيلومتر مربع، وفق ما نقلته وكالة الأنباء السورية “سانا”.

عناصر الهندسة في الجيش السوري تقوم بإزالة الألغام والذخائر غير المنفجرة في منطقة تدمر- إنترنت

 وقال إن المناطق التي كانت تنتشر فيها قوات النظام المخلوع والميليشيات التابعة لها تحولت إلى حقول ألغام ومناطق شديدة الخطورة، مشيراً إلى أن عمليات التعامل مع المخلفات الحربية تُنفذ بالتنسيق بين وزارتي الدفاع والطوارئ وإدارة الكوارث، وإدارة أمن البادية، عبر مركز الدفاع المدني.

وحذر توفيق من أن اتساع المساحة الجغرافية وكثافة الألغام وتنوعها، إلى جانب محدودية الإمكانات، تمثل عوائق أمام استكمال عمليات الإزالة، مطالباً المنظمات الدولية المختصة بالتدخل وتقديم الدعم الفني واللوجستي، مشيراً إلى أن ضحايا انفجارات الألغام في المنطقة تجاوزوا 100 شخص، محذراً من أن عودة السكان إلى مناطق البادية تزيد احتمالات تعرضهم للخطر، خصوصاً مع اتساع رقعة الحركة والتنقل والعمل في الأراضي المفتوحة.

ويُقدّر عدد سكان منطقة تدمر بنحو 100 ألف نسمة موزعين على مناطقها المختلفة.

جهود التفكيك تصطدم باتساع رقعة التلوث

كانت أفواج الهندسة في الجيش السوري قد بدأت، في 15 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، تفكيك الألغام والذخائر غير المنفجرة في منطقتي الصناعة والعامرية بمدينة تدمر.

 قال قائد فرقة الهندسة في الفرقة 42، عمر عبد الكريم إسماعيل، إن الفرق أتلفت عدداً من مخلفات الحرب، بينها صواريخ وذخائر غير منفجرة، مؤكداً استمرار العمل والتوجه إلى المواقع المحددة لتفكيك تلك المخلفات وحماية السكان.

وفي المقابل، قال عضو المكتب الإعلامي في تدمر حمود عبد الله إن الجيش أزال قسماً كبيراً من الألغام والمخلفات داخل المدينة، ما جعلها أكثر أماناً مقارنة بالفترة السابقة، لكنه أشار إلى استمرار الخطر في المناطق المحيطة والامتدادات الصحراوية، حيث سُجلت مئات الانفجارات منذ سقوط النظام، طالت في معظمها سكاناً محليين من أبناء البادية.

وحذر من أن الأمطار والسيول قد تنقل بعض الألغام من مواقعها وتغير طبيعة الأرض، في وقت يُتوقع أن يشجع تحسن الموسم المطري مزيداً من السكان على العودة إلى الزراعة والرعي.

110 آلاف لغم ومخلف حربي جرى تفكيكها

تكشف الأرقام الرسمية حجم الجهود المبذولة، لكنها تشير في الوقت نفسه إلى اتساع المهمة، ففي نيسان/ أبريل الماضي، أعلنت وزارة الدفاع السورية تفكيك وتدمير أكثر من 110 آلاف لغم وجسم متفجر من مخلفات الحرب في مختلف المحافظات منذ بداية عام 2026، شملت ألغاماً مضادة للأفراد والدروع وعبوات ناسفة وذخائر غير منفجرة.

 وأوضحت أن العمليات اعتمدت على فرق الهندسة وكاسحات الألغام وآليات متخصصة، لكنها أسفرت أيضاً عن مقتل تسعة من عناصر الفرق وإصابة 66 آخرين، بينهم 21 تعرضوا لإعاقات دائمة.

أحد عناصر الهندسة في الجيش السوري يقوم بإزالة الألغام والذخائر غير المنفجرة- إنترنت

ولا تزال الحوادث تسجل سقوط ضحايا رغم عمليات الإزالة، ففي الفترة بين 24 و30 تشرين الأول، قُتل سبعة أشخاص، بينهم ثلاثة أطفال، وأصيب 11 آخرون في ستة انفجارات للألغام والذخائر غير المنفجرة في محافظات الحسكة وحماة ودرعا والقنيطرة، وفق بيانات نقلتها “سانا” عن الجهات الصحية والدفاع المدني.

كما أدى انفجار لغم في ريف البوكمال بدير الزور، مطلع تشرين الثاني/ نوفمبر، إلى مقتل شخصين وإصابة اثنين آخرين، فيما قُتل عنصر من الجيش السوري وأصيب آخر خلال عملية تفكيك مخلفات حربية في منطقة الميادين يوم 7 تشرين الثاني.

آلاف الضحايا منذ اندلاع الحرب

على المستوى الإنساني، وثقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان مقتل 329 مدنياً، بينهم 65 طفلاً و29 امرأة، جراء الألغام ومخلفات الذخائر العنقودية منذ سقوط النظام في 8 كانون الأول/ ديسمبر 2024 وحتى نيسان 2026، وبلغ إجمالي القتلى المدنيين بهذه الأسلحة منذ آذار 2011 ما لا يقل عن 3,799 شخصاً، بينهم ألف طفل و377 امرأة، بحسب الشبكة.

تشير بيانات قطاع مكافحة الألغام في سوريا، التي نقلها تقرير دوري للفترة من آذار إلى تموز 2026، إلى تسجيل 268 حادثاً مرتبطاً بالذخائر المتفجرة، أسفرت عن 452 ضحية، بينهم 130 قتيلاً و322 مصاباً.

وسُجلت النسبة الأكبر من الحوادث في الأراضي الزراعية ومناطق الرعي، بما يعكس ارتباط خطر الألغام بمصادر عيش السكان وقدرتهم على التنقل واستعادة أنشطتهم الاقتصادية.

وبينما تواصل فرق الهندسة عمليات المسح والتفكيك، تظل إزالة الألغام في سوريا مهمة تتجاوز قدرات الجهات المحلية وحدها، في ظل اتساع المناطق المتضررة والحاجة إلى خرائط دقيقة وفرق مدربة ومعدات متخصصة.

ومع احتمال انتقال بعض الألغام بفعل السيول، تصبح سرعة المسح الميداني والتحذير من المناطق الملوثة وتوعية السكان ضرورة ملحة، لتفادي تحول عودة الأهالي إلى قراهم وأراضيهم إلى مصدر خطر جديد يهدد حياتهم وسبل عيشهم.

هند خليفة

هند خليفة

صحفية متخصصة في الشأن الاقتصادي.

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم