أميركا تعيد 36 قطعة أثرية منهوبة من سوريا

أعادت الولايات المتحدة إلى سوريا 36 قطعة أثرية تبلغ قيمتها الإجمالية أكثر من 5 ملايين دولار، خلال مراسم أقيمت في نيويورك الأسبوع الماضي، بعد تحقيقات امتدت لسنوات في الاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية.

وتكشف المجموعة المستعادة عن مسارات متعددة خرجت عبرها آثار سورية إلى سوق الفن، قبل أن تصل إلى تجار وجامعين ومؤسسات في الولايات المتحدة.

وتضم المجموعة منحوتة جنائزية ضخمة من تدمر، و14 فسيفساء من فيلا رومانية في سوريا، إلى جانب ثلاثة تماثيل سورية-حثية تعود إلى الألفية الثانية قبل الميلاد.

 وترتبط أجزاء من المجموعة بتحقيقات مكتب المدعي العام في مانهاتن مع تاجر الآثار جورج لطفي، وجامع التحف مايكل شتاينهارت، وقضايا أخرى شملت متحف المتروبوليتان للفنون في نيويورك.

من تدمر إلى نيويورك

من أبرز القطع التي عادت إلى سوريا منحوتة جنائزية ضخمة من الحجر الجيري تعود إلى أواخر القرن الثاني الميلادي. وتصور المنحوتة رجلاً مستلقياً تحيط به امرأة وثلاثة أطفال، وكانت تزين جدار حجرة دفن في أحد القبور التدمرية، ويزيد وزنها على 450 كيلوغراماً.

منحوتة جنائزية ضخمة من تدمر من المجموعة المعادة لسوريا – بيان مكتب المدعي العام في مانهاتن

وبحسب مكتب المدعي العام في مانهاتن، أُزيلت المنحوتة من موقعها في تدمر وهرّبت إلى دبي قبل أن تصل إلى الولايات المتحدة. ويقول المكتب إنها خرجت من تدمر قبل تدمير أجزاء من المدينة الأثرية على يد تنظيم “داعش الدولة” بين عامي 2015 و2017.

وتربط واشنطن المنحوتة بتحقيقاتها مع جورج لطفي، وهو صيدلي لبناني تحول إلى تجارة الآثار، وفق وصف مكتب المدعي العام. ويقول المكتب إن لطفي مطلوب بموجب مذكرة توقيف صدرت عام 2022، كما صدر بحقه إشعار أحمر من الإنتربول عام 2023. وتظل الاتهامات الواردة في مذكرة التوقيف اتهامات غير محسومة قضائياً، وفق تنبيه مكتب المدعي العام نفسه.

ولا تقتصر المجموعة المرتبطة بقضية لطفي على المنحوتة التدمرية؛ إذ قال مكتب المدعي العام إن المنحوتة و14 فسيفساء سورية كانت ضمن 31 قطعة أثرية من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا قال إن لطفي هربها إلى نيويورك، قبل أن تصادرها وحدة مكافحة تهريب الآثار التابعة للمكتب.

فسيفساء من فيلا رومانية

من القطع المستعادة أيضا فسيفساء “تيليتي وإيروس”، وهي جزء ضخم من أرضية فسيفسائية تعود إلى القرن الثالث قبل الميلاد، وتصور زفافاً أسطورياً بين تيليتي وإيروس، بحضور أفروديت وربات الحسن الثلاث.

فسيفساء “تيليتي وإيروس”، وهي جزء ضخم من أرضية فسيفسائية تعود إلى القرن الثالث قبل الميلاد

وتتكون الفسيفساء من مئات القطع الصغيرة من الحجارة الملونة، المعروفة باسم “تيسيرات”. وقال مكتب المدعي العام إنه صادرها في تموز/ يوليو 2021 من وحدة تخزين يملكها لطفي، إلى جانب 22 فسيفساء سورية ولبنانية أخرى.

ويقول المكتب إن المجموعة التي تضم هذه الفسيفساء كانت جزءاً من التحقيقات التي أدت إلى مصادرة عدد من القطع المرتبطة بلطفي، ما يكشف مساراً مختلفا للآثار السورية حيث هرّبت من مواقع أثرية أو مبانٍ تاريخية في سوريا إلى وحدات تخزين في الولايات المتحدة، ثم إلى سوق الفن والمجموعات الخاصة.

وتبلغ قيمة القطع الـ 36 التي أعيدت إلى سوريا أكثر من 5 ملايين دولار، لكن القيمة المالية المعلنة لا تعكس بالضرورة قيمتها التاريخية والثقافية، خصوصاً بالنسبة إلى القطع المرتبطة بمواقع أثرية محددة مثل تدمر.

تماثيل سورية في مجموعة شتاينهارت

مسار آخر في القضية يعود إلى ما قبل الحرب السورية. فقد شملت القطع المستعادة ثلاثة تماثيل أنثوية سورية-حثية تعود إلى الألفية الثانية قبل الميلاد، وكانت مصنوعة في شمال غربي سوريا.

وظهرت التماثيل الثلاثة في سوق الفن في أواخر ثمانينيات القرن الماضي وأوائل تسعينياته، عندما كانت في حوزة إدوارد ميرين، وهو صاحب معرض فني في نيويورك أُدين لاحقاً بجرائم مرتبطة بتهريب الآثار. ثم بيعت القطع إلى مايكل شتاينهارت، أحد كبار جامعي الفن القديم في الولايات المتحدة.

وتقدم وثائق قضية شتاينهارت مؤشراً على ظروف خروج إحدى القطع من موقعها؛ إذ قال مكتب المدعي العام إن ميرين زوّد شتاينهارت بصورة لأحد التماثيل تظهره محطّماً إلى أجزاء ومغطى بالتراب بعد نهبه.

وكانت السلطات الأميركية قد صادرت 180 قطعة أثرية من مجموعة شتاينهارت، قدرت قيمتها بنحو 70 مليون دولار، ضمن تحقيق جنائي متعدد السنوات والدول. وأسفرت القضية عام 2021 عن اتفاق يتضمن حظراً مدى الحياة يمنع شتاينهارت من اقتناء قطع أثرية إضافية. وكانت أربع قطع من تلك المجموعة ضمن الآثار التي أعيدت إلى سوريا في المراسيم التي أقيمت في نيويورك.

وتكشف هذه القطع أن مسارات الآثار السورية في السوق الدولية لا ترتبط كلها بالحرب التي اندلعت عام 2011؛ فبعض المقتنيات ظهرت في سوق الفن قبل ذلك بسنوات، ثم انتقلت بين تجار وجامعين قبل أن تصبح موضع تحقيقات حول مصدرها وشرعية حيازتها.

المتروبوليتان ضمن التحقيقات

امتدت التحقيقات كذلك إلى المؤسسات المتحفية. وقال مكتب المدعي العام في مانهاتن إن 13 قطعة من المجموعة المعادة إلى سوريا صودرت من متحف المتروبوليتان للفنون في نيويورك.

القطع الأثرية المستعادة (وزارة الخارجية والمغتربين السورية)

وبحسب المكتب، صادرت السلطات منذ عام 2017 ما مجموعه 402 قطعة أثرية من المتحف، تبلغ قيمتها الإجمالية 98.7 مليون دولار، في إطار تحقيقات حول مصدر مقتنيات أثرية موجودة في المتحف.

ولا يعني هذا الرقم أن القطع الـ402 سورية أو مرتبطة بالقضية الحالية؛ فهو إجمالي ما صادره مكتب المدعي العام من المتحف منذ بدء تحقيقاته المتعلقة بمصادر المقتنيات الأثرية. أما القطع الـ13 التي أعيدت إلى سوريا، فهي جزء من المجموعة التي شملتها عملية الاسترداد الأخيرة.

وتبرز أهمية المتحف في هذه القضية لأن تتبع القطع الأثرية لا يتوقف عند الشخص الذي عُثر عليها بحوزته. إذ تسعى التحقيقات إلى إعادة بناء تاريخ القطعة، بما في ذلك كيفية خروجها من بلدها الأصلي، ومن امتلكها لاحقاً، والوثائق التي استخدمت لإثبات ملكيتها أو إدخالها إلى سوق الفن.

تحقيقات تتجاوز قضية لطفي

لا ترتبط القطع الـ36 بقضية واحدة. فقد أعلن مكتب المدعي العام أن إحدى القطع المستعادة ارتبطت بتاجر الآثار يوجين ألكسندر، الذي أُدين في تموز/ يوليو 2025 على خلفية جرائم مرتبطة بالاتجار بالممتلكات الثقافية.

ويعمل مكتب المدعي العام في مانهاتن عبر وحدة متخصصة بمكافحة تهريب الآثار تأسست عام 2017. ويرأس الوحدة ماثيو بوغدانوس، الذي شارك فريقه في التحقيقات التي أدت إلى مصادرة واستعادة آلاف القطع الأثرية من دول مختلفة.

وبحسب أحدث أرقام أعلنها المكتب، أدت تحقيقات الوحدة إلى إدانة 18 شخصاً في جرائم مرتبطة بالممتلكات الثقافية، واسترداد أكثر من 6400 قطعة ثقافية، بينها كتب نادرة وأعمال فنية وآثار، تقدر قيمتها الإجمالية بنحو 495 مليون دولار. كما أعيد أكثر من 6200 من هذه القطع إلى 40 دولة، بينما لا تزال إجراءات تسليم سبعة متهمين بالاتجار بالآثار معلقة.

وتوضح هذه الأرقام أن القضية السورية تأتي ضمن مسار أوسع تتبعه السلطات في نيويورك لاستعادة ممتلكات ثقافية تقول التحقيقات إنها خرجت من بلدانها الأصلية بصورة غير مشروعة.

استرداد القطع لا ينهي قصة التهريب

تسليم القطع الـ 36 إلى سوريا يضع نهاية لمسارات طويلة لبعض المقتنيات، لكنه يكشف في الوقت نفسه عن حجم العمل المطلوب لتحديد مصدر الآثار الموجودة في سوق الفن الدولية.

عملية الاستعادة تمت ضمن الشراكة الإستراتيجية بين سوريا والولايات المتحدة الأميركية (وزارة الخارجية والمغتربين السورية)

وفي مراسم نيويورك، قال المدعي العام في مانهاتن ألفين براغ إن التحقيق الذي قاد إلى الاسترداد كان معقدا ومتعدد الجوانب، وتطلب تعاونا دوليا.

من جانبه، قال القائم بأعمال السفارة السورية في واشنطن محمد ناصر قناطري إن التعاون السوري-الأميركي أسهم في إعادة جزء من تاريخ سوريا إلى البلاد.

وبينما عادت 36 قطعة إلى سوريا، تبقى آلاف القطع الأثرية السورية التي خرجت من البلاد خلال عقود الحرب أو قبلها جزءاً من سوق دولية واسعة، ما يجعل عمليات التتبع والاسترداد مساراً طويلاً يتجاوز مراسم التسليم نفسها.

محمد حبش

محمد حبش

صحفي سوري

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم