اقتصاديون سوريون حذروا سابقاً.. هل يدفع السوريون ثمن إلغاء الدعم الحكومي؟

لم يعد الجدل حول رفع أسعار المحروقات في سوريا محصوراً في كلفة استيراد النفط أو حاجة الحكومة إلى تأمين المشتقات، بعدما بدأ القرار ينعكس على الشارع، مع احتجاجات في عدة محافظات سورية، ومخاوف من انتقال الزيادة إلى أسعار النقل والمواد الغذائية والخدمات.

وأعادت الزيادة الجديدة إلى الواجهة تحذيرات أطلقها اقتصاديون سوريون في وقت سابق، مع بدء الحكومة الانتقالية تفكيك منظومة الدعم التي اعتمدت عليها الدولة لعقود، من أن الانتقال السريع إلى الأسعار الحقيقية، من دون توفير شبكات أمان اجتماعي فعالة، ما   فاقم الضغوط على الأسر الأكثر ضعفاً ويدفع نحو اضطرابات اجتماعية.

وتقول الحكومة إن رفع أسعار المحروقات الأخير إجراء مؤقت فرضته زيادة كلفة تأمين المشتقات من الأسواق العالمية، بالتزامن مع دخول مصفاة بانياس في أعمال صيانة شاملة تستمر نحو شهرين، ما يزيد حاجة البلاد إلى استيراد الوقود الجاهز.

من الدعم إلى الأسعار

كان الدعم الحكومي للسلع الأساسية أحد أبرز مكونات السياسة الاقتصادية السورية لعقود، وشمل مواد مثل الخبز والوقود والكهرباء، قبل أن تبدأ السلطات الانتقالية تقليصه تدريجياً بعد سقوط النظام السابق في كانون الأول/ديسمبر 2024.

وفي تحليل سابق لمركز كرم شعار للدراسات الاقتصادية، حذر اقتصاديون من أن إلغاء الدعم عن السلع الأساسية بصورة متسارعة، من دون توفير بدائل تحمي الفئات الأكثر فقراً، قد يؤدي إلى ارتفاع كبير في تكاليف المعيشة.

وركز التحليل على أربع ملفات رئيسية ومنها الخبز، والوقود والغاز، والكهرباء، وأجور القطاع العام.

فمع رفع الدعم عن الخبز، ارتفع سعره في الأسواق غير المشمولة ببرامج الدعم بصورة كبيرة، بينما جرى تحرير أسعار البنزين والمازوت والغاز، وسط تحذيرات من أن الزيادات لن تتوقف عند السلعة نفسها، بل ستنتقل إلى النقل والإنتاج وأسعار المواد الأساسية.

أما في قطاع الكهرباء، فكان الاتجاه نحو تقليص الدعم مرتبطاً أيضاً بارتفاع تكلفة الإنتاج، في وقت كانت فيه الدولة تواجه صعوبات في تأمين ساعات كافية من التيار للسكان.

وخلص التحليل إلى أن المشكلة لا تكمن في إصلاح منظومة الدعم بحد ذاتها، وإنما في كيفية تنفيذ الإصلاح، وسرعته، وما إذا كان مصحوباً بشبكة حماية اجتماعية قادرة على تعويض الأسر التي ستتحمل الكلفة الأكبر.

المحروقات تعيد التحذيرات إلى الواجهة

بعد أشهر من تلك التحذيرات، جاء قرار رفع أسعار المحروقات ليعيد القضية إلى نقطة البداية. فقد ارتفع سعر ليتر بنزين أوكتان 95 من 152 إلى 195 ليرة سورية، وبنزين أوكتان 90 من 147 إلى 185 ليرة، فيما ارتفع سعر المازوت من 125 إلى 175 ليرة.

وبذلك وصلت الزيادة في سعر المازوت إلى نحو 40%، بينما تراوحت الزيادة في البنزين بين نحو 26 و28%. كما ارتفع سعر أسطوانة الغاز المنزلي من 1470 إلى 1600 ليرة، والغاز الصناعي من 2350 إلى نحو 2570 ليرة.

وتقول وزارة الطاقة إن التسعير يعتمد على أسعار النفط العالمية وسعر الصرف وتكاليف الاستيراد والإنتاج والنقل والشحن والتشغيل والصيانة، وإن الأسعار تخضع للمراجعة بصورة دورية.

لكن حجم الزيادة هذه المرة جعل القرار أكثر من مجرد تعديل سعري؛ إذ جاء في وقت يعاني فيه السوريون أصلاً من ضغوط على القدرة الشرائية، وارتفاع تكاليف المعيشة.

وتبرر وزارة الطاقة القرار بارتفاع كلفة تأمين المحروقات من الأسواق العالمية، إلى جانب توقف مصفاة بانياس مؤقتاً لإجراء أعمال صيانة شاملة.

وتعني أعمال المصفاة أن سوريا ستحتاج خلال فترة التوقف إلى الاعتماد بدرجة أكبر على استيراد المشتقات الجاهزة، ما يزيد التكاليف التي تتحملها الدولة لتأمين احتياجات السوق.

كما تواجه سوريا فجوة كبيرة بين إنتاجها المحلي من النفط وحجم احتياجاتها، الأمر الذي يجعلها مرتبطة بالأسواق الخارجية لتغطية جزء من استهلاكها.

وكان وزير الطاقة محمد البشير قد تحدث أيضاً عن عجز يتجاوز مليار دولار في قطاع الكهرباء، مشيراً إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج وضعف تحصيل الفواتير والهدر والسرقات.

وبذلك تضع الحكومة القرار ضمن أزمة أكبر في قطاع الطاقة، لا باعتباره خياراً منفصلاً لزيادة الأسعار. لكن بالنسبة إلى المواطن، فإن كون الزيادة “مؤقتة” لا يعني بالضرورة أن آثارها على الأسعار ستكون مؤقتة أيضاً.

كيف تنتقل الزيادة إلى حياة السوريين؟

تبدأ سلسلة التأثير من الوقود، لكنها لا تتوقف عنده. فالمازوت يستخدم في نقل البضائع وتشغيل الآليات الزراعية ومضخات المياه، كما تعتمد عليه مولدات توفر الكهرباء في بعض المناطق.

أما البنزين فيؤثر بصورة مباشرة في كلفة النقل الفردي والعام وسيارات الأجرة. وبالتالي، فإن ارتفاع سعر الوقود يرفع كلفة نقل السلع من مناطق الإنتاج إلى الأسواق، وقد ينعكس على أسعار الغذاء والمواد الاستهلاكية.

وفي الزراعة، يمكن أن يؤدي ارتفاع تكلفة الوقود إلى زيادة كلفة الحراثة والري والنقل، بينما قد ترتفع تكلفة الكهرباء المنتجة عبر المولدات في المناطق التي تعاني من ضعف التغذية بالشبكة.

لهذا السبب حذر اقتصاديون سابقاً من التعامل مع الدعم باعتباره ملفاً منفصلاً لكل سلعة، إذ إن الطاقة تدخل بصورة مباشرة أو غير مباشرة في قطاعات واسعة من الاقتصاد.

محمد حبش

محمد حبش

صحفي سوري

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم