وجّه مصرف سوريا المركزي، بالتعاون مع وزارة الداخلية، 755 إنذاراً إلى محالّ ومنشآت تمارس أنشطة الصرافة والحوالات المالية من دون ترخيص، في حصيلة جولات رقابية شملت عشر محافظات، هي دمشق وريفها، وحلب، واللاذقية، وطرطوس، وحمص، وحماة، ودرعا، ودير الزور، والرقة، وإدلب.
وتأتي هذه الإجراءات لضبط سوق الصرافة والتحويلات المالية والحد من المخاطر المرتبطة بالأنشطة الخارجة عن الرقابة الرسمية، في وقت تواجه فيه المنظومة المصرفية السورية تحديات تتعلق بالامتثال للمعايير الدولية وتيسير التحويلات وإعادة بناء الثقة بالقنوات المالية النظامية.
مخالفات تتجاوز غياب الترخيص
أوضح المصرف، في بيان له السبت، أن الجولات كشفت عن محالّ ومنشآت تمارس الصرافة من دون ترخيص، إلى جانب مكاتب حوالات مالية داخلية تزاول النشاط نفسه من دون الموافقات اللازمة، مؤكداً أن الإجراءات تستهدف حماية المتعاملين من الاحتيال والعملات المزورة وتسلم مبالغ غير مكتملة، فضلاً عن الحد من استغلال الأنشطة غير المرخصة في عمليات مالية غير مشروعة.
لكن خطورة الظاهرة تتجاوز المخالفات القانونية المباشرة، إذ حذّر الخبير الاقتصادي الدكتور زياد عربش من تداعيات استمرار عمل مكاتب الصرافة والحوالات غير المرخصة، معتبراً أن تنظيم القطاع المالي ضرورة لتمكين سوريا من الاندماج في الاقتصاد العالمي وضمان خضوع التحويلات للرقابة والمعايير الدولية، وفق تصريحات تلفزيونية له.

وقال عربش، إن القضية تتصل بمدى امتثال النظام المصرفي السوري، العام والخاص، بما في ذلك مصرف سوريا المركزي، للقوانين والمعايير الدولية، محذراً من أن عدم تحقيق ذلك سيحول دون اندماج سوريا في الاقتصاد العالمي عبر القنوات المصرفية.
وأوضح أن الامتثال لا يقتصر على مكافحة تزوير العملة والتهريب، بل يشمل مكافحة غسل الأموال ومراقبة العمليات النقدية والمصرفية، إذ قد تؤثر الشبهات المرتبطة بمعاملة مالية في قدرة المصارف على تنفيذ التحويلات وفتح الاعتمادات.
الحوالات الخارجية بين الحاجة وفجوة الصرف
تبرز أهمية تنظيم هذا القطاع مع اعتماد أعداد كبيرة من السوريين على الحوالات الخارجية لتغطية نفقاتهم، وقدّر عربش حجم الأموال الواردة إلى البلاد من الخارج بنحو 3.5 إلى 4 مليارات دولار، مشيراً إلى أن هذه التدفقات تمثل مورداً مهماً للأسر، لكنه لفت إلى أن الفجوة بين سعر الصرف الرسمي وسعر السوق الموازية تقلص القيمة الفعلية للمبالغ التي يتلقاها المستفيدون.
استشهد بمثال تسليم الحوالات بسعر 12 ألف ليرة للدولار، مقابل 14 ألف ليرة في السوق الموازية، معتبراً أن هذا الفارق يحمّل المستفيد خسارة ملموسة.
الخبير الاقتصادي الدكتور زياد عربش
وفي هذا السياق، دعا عربش إلى مراجعة بعض الشروط المالية والإجرائية المفروضة على تراخيص الصرافة والحوالات، بما يسمح لمزيد من الجهات بالعمل بصورة قانونية، ويحسن قدرة المواطنين على الوصول إلى الخدمات النظامية، محذراً من أن الاقتصار على إغلاق المكاتب المخالفة من دون توفير بدائل ميسّرة قد يربك حركة التحويلات ويثير مخاوف في الأسواق.
100 مليون دولار لتحديث القطاع المالي
لا تنفصل هذه التحديات عن واقع القطاع المالي السوري، فقد أعلن البنك الدولي في آب/ أغسطس الماضي، موافقته على منحة بقيمة 100 مليون دولار لتحديث القطاع المالي السوري، وتعزيز الرقابة والاستقرار المالي ومكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، بما يدعم إجراء معاملات أكثر أماناً وشفافية ويوسع الوصول إلى الخدمات المالية.
ويرى عربش أن الإصلاح ينبغي أن يمتد إلى إعادة تفعيل الدور الاقتصادي للمصارف، بحيث لا يقتصر على الإيداع والسحب ودفع الرواتب، بل يشمل استقطاب الودائع ومنح القروض لتمويل المستثمرين والأنشطة الإنتاجية.

وطرح مثالاً على إمكانية توفير قروض صغيرة للمواطنين لتمويل تركيب منظومات الطاقة الشمسية، بما يخفف أعباء الكهرباء ويساعد على توظيف جزء من الأموال المتاحة في أنشطة ذات أثر اقتصادي مباشر.
وبذلك، لا يتوقف نجاح حملة المركزي على عدد الإنذارات والمخالفات المضبوطة، بل على قدرة السلطات على بناء سوق مالية منظمة توفر قنوات آمنة وميسّرة للتحويلات، وتعيد للمصارف دورها في تمويل الاقتصاد، فالتشدد الرقابي ضروري للحد من التجاوزات، لكنه يحتاج إلى خدمات مصرفية أكثر كفاءة، وشروط ترخيص قابلة للتطبيق، وبدائل نظامية تقلل دوافع اللجوء إلى القنوات غير الرسمية، بما يعزز الثقة بالقطاع المالي ويدعم اندماج سوريا في النظام المصرفي الدولي.
- “المركزي” يقود حملة على الصرافة غير المرخصة.. ما خطورتها على الاقتصاد السوري؟
- أزمة البنزين في سوريا.. شكاوى من أعطال ورواية عن وقود عسكري قيد التحقق
- مكاسب باب المندب تفتح نقاش الدور الأميركي في اليمن
- التحالف يعلن تدمير 136 هدفاً “حوثياً” وتصاعد العمليات البرية
- 280 حادثة خلال شهر.. الأمم المتحدة تدعو إلى التحقيق من الاعتداءات الإسرائيلية في سوريا

