يتجه ملف حصر السلاح بيد الدولة في العراق إلى اختبار حاسم غير مسبوق، مع تمسك “كتائب حزب الله” برفض تسليم سلاحها وإعلانها رسمياً تعظيم ترسانتها، في مقابل إصرار حكومي وسياسي على إنهاء وجود أي مظاهر مسلحة خارج المؤسسات الرسمية، وتحديد 30 أيلول/ سبتمبر المقبل موعداً نهائياً لا رجعة فيه لتنفيذ القرار، مع التأكيد الصارم على إخضاع الجماعات والأشخاص الرافضين للإجراءات القانونية النافذة.
ويأتي هذا التمسك والتعنت من قبل “الكتائب” في ظل ضغوط متصاعدة على بغداد، أميركية وإقليمية وعربية، لإنهاء ملف السلاح المنفلت وتعزيز قدرة الحكومة على احتكار القرار الأمني والعسكري، ومنع استخدام الأراضي العراقية منطلقاً لتهديد دول المنطقة أو المصالح الدولية.
وتترافق هذه الضغوط الخارجية مع تحركات حكومية وأمنية ميدانية مكثفة لرفع الجاهزية والتعامل مع تداعيات الملف، في وقت تتسع فيه دائرة التأييد السياسي الشامل لمبدأ حصر السلاح بيد الدولة.
ويشمل هذا التأييد الإجماعي قوى داخل “الإطار التنسيقي” -الأقرب سياسياً إلى الفصائل المسلحة وإيران- فضلاً عن القوى الكردية والسنية والمكونات الوطنية، في موقف سياسي موحد ونادر يلتف حول ضرورة احتكار الدولة للقوة المسلحة.
لكن في الجهة المقابلة، لا تكتفي “كتائب حزب الله” برفض تسليم سلاحها، بل تعلن جهاراً تطوير أسلحتها، ما يضعها في مواجهة مباشرة ومكشوفة مع المسار الذي تتبناه الحكومة، ويجعل الأيام الفاصلة عن مهلة 30 أيلول/ سبتمبر اختباراً وجودياً لقدرة الدولة على فرض سلطتها دون الانزلاق إلى مواجهة داخلية.
“بعد 30 أيلول.. السلاح خارج الدولة يُعامل كإرهاب”: خطوط الزيدي الحمراء
على المستوى السياسي القيادي، عقد “ائتلاف إدارة الدولة” -وهو التحالف المظلي الذي يضم القوى الشيعية والسنية والكردية الفائزة في الانتخابات البرلمانية ويشكل الداعم الأساسي للحكومة- اجتماعه الدوري السابع والثلاثين برئاسة رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي، مخصصاً أجندته لدعم جهود الحكومة في حفظ الأمن والاستقرار، والمضي بملف حصر السلاح بيد الدولة، واستكمال تشكيل المؤسسات.
ووفق بيان رسمي صدر عقب الاجتماع، أكد الائتلاف دعمه المطلق لمواصلة الجهود الرامية إلى حفظ الأمن وإنجاح مسار حصر السلاح، مشدداً على رفضه القاطع لاستخدام الأراضي العراقية منطلقاً للاعتداء على دول الجوار أو زج البلاد في صراعات إقليمية لا تخدم مصالح شعبها.
وعدّ الائتلاف أن أي جهة أو فصيل يستخدم الأراضي العراقية للاعتداء على الجوار أو تنفيذ عمليات مسلحة خارج إطار القوات المسلحة الرسمية، إنما “يرتكب جريمة تهدد أمن البلاد، وسيكون من بين الخارجين عن القانون الذين يجب محاربتهم وفقاً لمواد الدستور والقوانين النافذة”.
وفي تصعيد هو الأول من نوعه ضد الفصائل المتمردة، وجه الائتلاف تحذيراً مباشراً بالالتزام التام بالتوقيتات المعلنة وفقاً للمنهاج الوزاري لتحديد تاريخ 30 أيلول/ سبتمبر 2026 كمهلة نهائية مسدودة لتسليم السلاح.
وأكد البيان بوضوح، أنه سيتم التعامل بحزم وفق “قانون مكافحة الإرهاب” مع أي سلوك مسلح أو جهات وفصائل ترفض تسليم سلاحها أو تخرج عن سلطة الدولة بعد انتهاء هذه المهلة، معتبرين أن العمل المسلح خارج المؤسسات الرسمية بعد هذا التاريخ يسقط عنه أي غطاء سياسي أو جهادي ليتحول قانونياً إلى فعل إرهابي صريح.
تزامن هذا الحراك الدستوري مع موقف نفي حازم حول طبيعة الوجود الأجنبي؛ إذ كشف وزير الصحة عبد الحسين الموسوي، وهو قيادي بارز في “الإطار التنسيقي”، خلال حوار متلفز، عن تفاصيل الحوار المباشر مع التشكيلات العسكرية، مبنياً أن “الفصائل المسلحة كانت حاضرة في مواجهة تنظيم ‘داعش’ خلال أعوام 2014 و2015 و2016، وكان العراقيون يحتفون بتضحياتها والدور الذي أدته، لكن التعامل معها اليوم يتطلب مصارحتها مباشرة ومن دون وسطاء، لأن معالجة الملفات المعقدة لا يمكن أن تقوم على الوساطات”.
وأوضح الموسوي، أن المطلوب هو الشرح المباشر للفصائل بظروف العراق الحالية وتحديات المرحلة الجديدة، مؤكداً أن “الاستمرار في النظر إلى المستقبل من خلال تجارب الماضي قد يقود إلى نتائج لا تخدم العراق”، ومستشهداً بالتجربة الإيرانية وما تواجهه من ضغوط لمنع فرض أي حصار اقتصادي على بغداد.
ورداً على الذرائع التي تتستر بوجود “التحالف الدولي”، كشف الموسوي عن حقيقة العتاد الأجنبي، قائلاً إن القوات الأميركية وقوات التحالف انسحبت بالفعل ميدانياً، وإن المتبقي منها في العراق لا يتعدى طواقم مستشارين تراوح بين 30 و60 شخصاً فقط.
وشدد الوزير، على أن حصر السلاح “ليس قراراً اتخذته الحكومة من تلقاء نفسها، بل هو بند رئيسي في البرنامج الحكومي المصوت عليه في البرلمان، ومن ينكر هذه الحقيقة من الفصائل لديه حولٌ معرفي”.
تحدي “الكتائب” ورسائل طهران: كواليس الحراك المكتوم وتحليل مناورة “البيعة”
على الجانب الآخر من المعادلة، جاء الرفض المباشر والتحدي الصريح لسلطة الدولة على لسان الأمين العام لـ “كتائب حزب الله” أبو حسين الحميداوي، في بيان صدر بتاريخ 3 آب/ أغسطس الجاري، أعلن فيه “مواصلة الجهاد في سبيل الله”، ومؤكداً تمسك الفصيل بالسلاح وعدم التفريط فيه بأي شكل، بل والتوجيه بـ “تطويره وتعظيم ترسانته العسكرية لردع كل من يريد بنا شراً”.
ويأتي موقف الحميداوي امتداداً لبيان سابق لـ “كتائب حزب الله” صدر في تموز/ يوليو المنصرم، جدد فيه “البيعة لقيادة الجمهورية الإسلامية بعد رحيل المرشد علي خامنئي”، مفصحاً عن الحقيقة العقائدية للفصيل بالقول، إن “التأسيس جاء بقرار مباشر من المرشد الراحل”، وأن الجماعة ستواصل نهجه التزاماً بـ “خط المقاومة”، وهو ما يضع “الكتائب” عملياً ككيان عسكري يدين بالولاء القيادي لخارج الحدود العراقية ويرفض الانصياع للقرارات الدستورية الوطنية.
وفي قراءة حصرية لكواليس هذا التعنت والتصعيد من قبل “كتائب حزب الله”، كشف مصدر سياسي مقرب من “الإطار التنسيقي” لـ “الحل نت”، عن وجود تحركات مكتومة لمنع الانفجار؛ مؤكداً صحة المعلومات المتداولة بشأن تشكيل لجنة داخل “الإطار” للتفاوض المباشر مع قيادات الفصائل المسلحة الرافضة ومحاولة إقناعها بتسليم سلاحها قبل انتهاء المهلة المحددة في 30 أيلول/ سبتمبر المقبل.
وأفاد المصدر الذي طلب عدم الكشف عن هويته، بأن وفداً رفيعاً من “الإطار التنسيقي” وصل مؤخراً إلى العاصمة الإيرانية طهران لبحث ملف سلاح الفصائل مع القيادة الإيرانية، ومناقشة آليات التعامل مع المرحلة المقبلة في ظل خطورة الضغوط السياسية والأمنية لبغداد.
تمسك “كتائب حزب الله” بالسلاح يتحدى سلطة الدولة ويقود نحو مواجهة حتمية
وأوضح المصدر، أن هذا التحرك الشيعي يسعى للتوصل إلى تفاهمات تدريجية تحول دون وقوع مواجهة عسكرية داخلية، مشيراً إلى أن معظم التشكيلات أبدت مرونة، بينما ينحصر التعنت الحقيقي في فصيل “كتائب حزب الله” الذي يربط سلاحه بشرعيات عقائدية وإقليمية.
وأكد المصدر لـ “الحل نت”، أن إصرار “الكتائب” على تحدي الحكومة والبيانات السياسية والدولية “سيقود في نهاية المطاف إلى مواجهة حتمية معها، إذ لا توجد أي استثناءات لأي فصيل في ملف حصر السلاح بيد الدولة”.
وحول القراءة التحليلية لتفكك هذه الجماعات، يرى الباحث والمحلل السياسي نزار حيدر، الذي يشغل منصب مدير “مركز الإعلام العراقي في واشنطن” في حديثه لـ “الحل نت”، أن “كتائب حزب الله” تُعد من أكثر الجهات المسلحة التي أضرت بالعراق داخلياً وخارجياً؛ إذ سفكت دماء العراقيين وتجاوزت على التظاهرات السلمية في “انتفاضة تشرين” 2019 وأحداث 2022 في “ثورة عاشوراء”، فضلاً عن كونها أكثر ميليشيا عرّضت علاقات العراق الإقليمية والدولية للخطر.
ويضيف حيدر، أن الفاتورة التي تحملها هذه الجماعة “كبيرة جداً ومعقدة”، لافتاً إلى أن تصريحات الحميداوي وتصعيد “الكتائب” لا يعدو كونه محاولة مناورة واستعراض للتفاوض مع حكومة علي الزيدي لتخفيف تبعات الحل والمساءلة، والحصول على نوع من الحماية القانونية أو القضائية وضمانات إقليمية قبل تسليم المقرات.
خرق استخباري وتفكيك شبكات المسيرات: ضربات أمنية تطال الفصائل
ميدانياً، لم تنتظر الأجهزة الأمنية انقضاء المهلة لبدء خطوات الردع الميداني؛ إذ أعلنت الحكومة العراقية عن توجيه ضربة استخبارية لشبكة عسكرية فصائلية موالية لإيران كانت تخطط لزعزعة الاستقرار بشن هجمات على دول الجوار وتوريط البلاد في مواجهات خارجية.
وأعلن المتحدث باسم الحكومة العراقية حيدر العبودي، أن جهازي مكافحة الإرهاب والمخابرات تمكنا بعملية أمنية خاطفة ومحكمة من اختراق وتفكيك شبكة “فصائلية” موالية لإيران والقبض على عناصرها.
وضبطت القوات الأمنية بحوزة عناصر الشبكة أسلحة نوعية وطائرات مسيرة مفخخة كانت تُجهز لتنفيذ هجمات ضد أهداف معينة ودول جوار.
وأكد العبودي، أن هذه العملية الأمنية المحكمة “أجهضت المخطط في مهده وبعثت رسالة طمأنة للشارع العراقي والعالم بأن الأجهزة الأمنية، وبكتاب مباشر من القائد العام للقوات المسلحة علي الزيدي، ماضية في حماية أمن البلاد وفرض سيادة القانون”.
ولم تتوقف الضربات الأمنية عند اختراق شبكات المسيرات؛ بل امتدت لتجفيف البيئات الموازية التي تتستر خلف المؤسسات الرسمية، حيث أعلنت وزارة الداخلية العراقية، أمس الاثنين، عن إغلاق 71 مقراً وهمياً ادعت الصلة بـ “الحشد الشعبي” واستغلت اسمه لممارسة أنشطة خارج القانون.
وفي مؤتمر صحفي موسع، كشف رئيس دائرة العلاقات والإعلام في وزارة الداخلية اللواء مقداد ميري، عن ضبط لجنة حصر السلاح لـ 49 طائرة مسيرة غير مصرح بها خلال العام الحالي فقط.
وأكد اللواء ميري حسم الموقف القانوني لهذه الترسانات المسيرة بقوله، إن “القضاء العراقي بات يتعامل مع أي طائرة مسيرة لم تدخل أو تقم بواجباتها ضمن الأطر والظروف الرسمية والاعتيادية معاملة الإرهاب، وبالتالي فإن حائزي الطائرات المسيرة لأغراض غير سلمية أو بطرق غير قانونية سيتم ملاحقتهم وإحالتهم إلى المحاكم وفق أحكام قانون مكافحة الإرهاب”.
خيارات الميدان ومآلات المواجهة
يرى نزار حيدر في تحليله لـ “الحل نت”، أن حركة التاريخ والمعطيات الميدانية تشير إلى أن “كتائب حزب الله” ستستسلم في نهاية المطاف وستُجبر على تسليم سلاحها خاضعة للقانون، عازياً ذلك إلى انهيار وتفكك البنية الهيكلية لما كان يُعرف بـ “محور المقاومة” من غزة إلى لبنان واليمن، وإدراك هذه الجماعات أن طهران لم تعد قادرة أو راغبة في توفير غطاء سياسي أو عسكري لها كما كان الحال قبل الحرب الإقليمية.
ويشدد حيدر، على أن رئيس الحكومة علي الزيدي يقف اليوم أمام معادلة تاريخية وخيارين لا ثالث لهما: “إما فرض استسلام هذه الجماعات المسلحة لسلطة القانون، أو الاستسلام لشروطها”، مؤكداً أنه لا ينبغي للحكومة تقديم أي تنازلات على حساب الدستور وبرنامجها الملتزم بحصر السلاح.
ولفت حيدر، إلى أن جذب الشراكات الاستثمارية والتجارية العملاقة الموقعة مع واشنطن وأنقرة مؤخراً والتي يتم التحضير لتوقيعها مع دول الخليج، يتطلب إنهاء ظاهرة الجماعات المسلحة تماماً؛ إذ لن تضخ البنوك والشركات العالمية دولاراتها في دولة تؤثر في قرارها أجنحة مسلحة خارجة عن السيطرة.
وكشف نزار حيدر في ختام حديثه لـ “الحل نت”، عن معلومات مؤكدة وصلته، تفيد بأن القضاء العراقي يستعد لإصدار ورقة وقراءة قضائية تدعو للتعامل مع الفصائل المسلحة الخارجة عن القانون رسمياً كـ “تنظيمات إرهابية”، وستعتبرها بأنها ألحقت أضراراً بالغة بأمن العراق وسيادته مثل أي تنظيم إرهابي أضر بالبلاد سابقاً.

وما يمكن ذكره في هذا الصدد، أن قانون مكافحة الإرهاب رقم 13 لسنة 2005، يفرض عقوبات تصل إلى الإعدام على مرتكبي الجرائم والمسلحين وممولي التشكيلات غير القانونية، وسبق وأن استخدمه رئيس الحكومة العراقية الأسبق نوري المالكي في عام 2008 ضد “جيش المهدي” بزعامة مقتدى الصدر آنذاك، في عملية “صولة الفرسان” التي انتهت بتجميد عمل “جيش المهدي” وتسليم سلاحه، فضلاً عن سجن عدد كبير من عناصره، بعضهم لا يزال حتى الآن يقضي محكوميته في السجن.
وفي المقابل، تتوزع مواقف باقي الفصائل بين الدمج والرفض؛ إذ بادرت “سرايا السلام” التابعة للتيار الصدري بكشف عملي عبر تسليم أسلحتها وإدارة ملف سامراء بالكامل للجيش والشرطة الاتحادية، فيما أعلنت “عصائب أهل الحق” و”كتائب الإمام علي” جاهزيتها للانفصال عن الهياكل المسلحة والانتقال الكلي للعمل السياسي المؤسساتي. وبالمقابل، تعلن أطراف كـ “حركة النجباء” و”كتائب سيد الشهداء” و”أنصار الله الأوفياء” موقفا متذبذباً يراوح بين الترقب وإمكانية التسليم ومحاولة ربط السلاح بالمهام الإقليمية.
أخيراً، ومع اقتراب جرس 30 أيلول/ سبتمبر من القرع، تضع بغداد كافة مقدراتها القضائية والعسكرية والأمنية على المحك. بين تلويح بـ “قانون مكافحة الإرهاب”، وتفكيك شبكات المسيرات، والحشد السياسي والدبلوماسي، يقف العراق على عتبة مرحلة مفصلية: إما النجاح في صهر السلاح وفرض سيادة القانون بشكل كامل، أو الدخول في عملية إنفاذ أمني مباشر تحسم معادلة القوة لصالح الدولة بشكل نهائي.
- مليار دولار على أبواب سوريا.. هل يملك القطاع المصرفي جاهزية الاستقبال؟
- الحرب تدفع اليمنيين إلى جيبوتي.. أعباء تفوق قدرات البلد
- اختراق داخل دار الرئاسة بصنعاء.. مصير قيادي “حوثي” غامض
- مع تضييق أميركا منافذها الاقتصادية.. إلى أي حد تستطيع الصين وروسيا إنقاذ إيران؟
- دراسة: “داعش” يغير نمط تهديده في سوريا بعد سقوط الأسد

