بعد الكهرباء والمحروقات، يبدو أن قطاع المياه يتجه بدوره نحو إعادة النظر في كلفة الخدمة، بعدما ألمح وزير الطاقة محمد البشير أمام مجلس الشعب إلى أن التعرفة الحالية لم تعد تغطي كلفة إنتاج المتر المكعب.
ورغم عدم صدور قرار رسمي برفع الأسعار حتى الآن، فإن تصريحات الوزير، بالتزامن مع إعداد نظام جديد للفوترة والتوسع في تركيب العدادات الذكية، تفتح الباب أمام احتمال دخول فاتورة المياه مرحلة جديدة، في وقت تواجه فيه الأسر السورية ضغوطاً متزايدة على دخولها ونفقاتها الأساسية.
من زيادة الإنتاج إلى تقليص الهدر
تستند الحكومة في توجهها إلى مشكلة تتجاوز انخفاض التعرفة، إذ يقول البشير إن إدارة ملف المياه لا يمكن أن تقوم على زيادة الإنتاج وحدها، وإنما تحتاج إلى ترشيد الاستهلاك والحد من الهدر وتحسين إدارة الموارد.

ومن هنا يأتي الربط بين إعادة تنظيم الفوترة والعدادات الذكية، باعتبارهما أداتين لقياس الاستهلاك بصورة أدق وربط قيمة الفاتورة بالكميات المستخدمة، بدلاً من استمرار نظام لا يعكس بالضرورة حجم الاستهلاك الفعلي.
وتشير التصورات الأولية لنظام الفوترة الجديد إلى أن أي تعرفة مقبلة لن تكون موحدة بالضرورة، بل ستراعي دخل الأسرة وحجم استهلاكها، ووفق ما طرحته وزارة الطاقة، يجري الاستناد إلى معيار عالمي يضع كلفة المياه عند حدود 3 إلى 5 بالمئة من دخل الأسرة، مع الإبقاء على دعم الكميات الأساسية، التي قد تتراوح بين 15 و20 متراً مكعباً شهرياً، بينما يمكن أن يصل الاستهلاك المشمول بدورة الفوترة التي تمتد شهرين إلى نحو 40 متراً مكعباً، مع دعم يتراوح بين 50 و60 بالمئة.
معادلة بين الإيرادات والترشيد
يعني هذا التصور أن الزيادة، في حال اعتمادها، لن تستهدف جميع الأسر بالدرجة نفسها؛ فالمستهلك الذي يلتزم بالكميات الأساسية سيبقى ضمن الشرائح المدعومة، بينما ترتفع الكلفة تدريجياً مع زيادة الاستهلاك.
هذه النقطة تحديداً قد تكون مفتاح السياسة الجديدة، إذ تحاول الوزارة الجمع بين تأمين إيرادات تساعد على استمرار الخدمة وبين إعطاء حافز اقتصادي لتقليل الاستهلاك.
لكن تطبيق هذه المعادلة يحتاج أولاً إلى معرفة دقيقة بحجم المياه التي يستهلكها كل مشترك، وهو ما يفسر الاتجاه نحو العدادات الذكية، فقد بدأت المؤسسة العامة لمياه الشرب والصرف الصحي تركيب عدادات بصورة تجريبية، فيما تستهدف الخطة تركيب نحو خمسة ملايين عداد خلال السنوات الأربع المقبلة، على أن تبدأ المرحلة الأولى بنحو 300 ألف عداد في دمشق وإدلب قبل التوسع تدريجياً في بقية المحافظات.
ولا تقتصر أهمية المشروع على احتساب الفاتورة، إذ تراهن المؤسسة على قدرة العدادات الجديدة على كشف أنماط الاستهلاك وضبط الاستجرار والتوزيع وتحديد مواقع الخلل، بما يساعد في تقليص الفاقد.
فجوة بين الضخ والفوترة
تظهر الحاجة إلى ذلك بوضوح في أرقام القطاع؛ إذ أشارت بيانات إلى وجود فجوة كبيرة بين كميات المياه التي يجري ضخها وتلك التي تدخل فعلياً في الفوترة، ما يجعل معالجة الهدر أحد أهم مفاتيح تحسين الوضع المالي للمؤسسات المائية قبل تحميل المستهلك كلفة إضافية.
وتكشف بنية قطاع المياه نفسها عن حجم العبء الذي تتحمله الدولة للحفاظ على الخدمة، فبحسب ما عرضه البشير أمام مجلس الشعب، تضم سوريا نحو 5700 مصدر للمياه و65 ألف كيلومتر من الشبكات و123 محطة لمعالجة مياه الصرف الصحي، إلى جانب آلاف المضخات والآبار والخزانات التي تحتاج إلى تشغيل وصيانة وتأهيل مستمر.

وقد شملت أعمال الفترة الأخيرة صيانة نحو ستة آلاف مضخة، وحفر 308 آبار وإعادة تأهيل 1051 بئراً، إضافة إلى تأهيل أو بناء 110 خزانات مياه.
ومن هذا المنظور، تبدو إعادة النظر في التعرفة جزءاً من إعادة هيكلة أوسع للقطاع، فقد أُنشئت المؤسسة العامة لمياه الشرب والصرف الصحي بمرسوم رئاسي في نيسان الماضي، مع منحها استقلالاً مالياً وإدارياً ومهام تتصل باقتراح التعرفة وخطط الجباية والتكاليف التشغيلية، ما يشير إلى توجه نحو جعل إدارة المياه أكثر ارتباطاً بكلفتها الفعلية وقدرتها على تمويل عمليات التشغيل والصيانة والتطوير.
كلفة المياه أمام دخل الأسر
غير أن الحسابات المالية للقطاع تصطدم بواقع الأسر، التي لا تنظر إلى فاتورة المياه منفصلة عن بقية النفقات، فالكهرباء والوقود والنقل والغذاء تستنزف أصلاً جزءاً كبيراً من الدخل، وأي زيادة جديدة في الخدمات الأساسية ستضيف بنداً آخر إلى ميزانية تعاني من ضيق المساحة المتاحة للإنفاق، لذلك، فإن معيار نجاح التعرفة الجديدة لن يكون فقط قدرتها على تغطية جزء أكبر من التكلفة، بل مدى تناسبها مع دخل الأسرة ومستوى الخدمة التي تحصل عليها.
تزداد حساسية المسألة في المناطق التي لا تصلها المياه بصورة منتظمة، فحين تضطر الأسرة إلى شراء المياه من مصادر بديلة خلال فترات الانقطاع، فإن الكلفة التي تدفعها فعلياً تتجاوز الفاتورة الرسمية بأضعاف، ما يجعل أي زيادة في التعرفة أكثر قبولاً فقط إذا رافقها تحسن واضح في انتظام الضخ وتقليص الحاجة إلى شراء المياه خارج الشبكة.
أما التعرفة الحالية فتستند إلى شرائح أُقرت عام 2023، تبدأ بإعفاء الكميات المنخفضة من الاستهلاك، ثم ترتفع تدريجياً مع زيادة الكمية، لتصل إلى 150 ليرة للمتر المكعب ضمن شريحة 36 إلى 50 متراً مكعباً في دورة الشهرين، و400 ليرة لما يزيد على 50 متراً، ثم 1500 ليرة لما يزيد على 80 متراً و3000 ليرة لما يزيد على 120 متراً، وتبدو هذه الأسعار، وفق الطرح الرسمي الحالي، بعيدة عن كلفة الإنتاج والتشغيل التي تتحملها مؤسسات المياه.
وإذا طُبق معيار 3 إلى 5 بالمئة من دخل الأسرة، فإن أسرة يبلغ دخلها 1.3 مليون ليرة سورية شهرياً قد تخصص حسابياً بين 39 و65 ألف ليرة للمياه شهرياً، أي ما بين 78 و130 ألف ليرة لدورة فوترة مدتها شهران.
لكن هذه الأرقام لا تعني تعرفة نهائية، بل تعكس فقط حجم الإنفاق الذي قد ينتج عن تطبيق النسبة المقترحة، إذ سيبقى السعر الفعلي مرتبطاً بالشرائح المعتمدة ونسبة الدعم وحجم الاستهلاك.
زيادة سعرية أم إصلاح شامل؟
بذلك، لا يزال السؤال بشأن رفع تعرفة المياه مفتوحاً، لكن المؤشرات الرسمية توحي بأن التغيير المقبل، إن أُقر، لن يكون مجرد زيادة سعرية تقليدية، فالوزارة تتحرك نحو منظومة تربط الاستهلاك بالفاتورة، وتستخدم العدادات الذكية للحد من الهدر، وتسعى في الوقت نفسه إلى تأمين موارد أكبر لقطاع يحتاج إلى شبكات وآبار ومحطات ومضخات وصيانة مستمرة.
المعضلة الحقيقية ستبقى في المعادلة بين “كلفة الخدمة” و”قدرة المواطن على الدفع”، فإذا جاءت التعرفة الجديدة مصحوبة بتحسن ملموس في انتظام المياه وتقليص الفاقد ورفع كفاءة الشبكات، فقد تجد مبرراتها الاقتصادية.
أما إذا ارتفعت الفاتورة بينما بقيت الأسرة مضطرة إلى شراء المياه من مصادر بديلة بسبب الانقطاعات، فإن الزيادة ستُقرأ بوصفها عبئاً إضافياً لا إصلاحاً للخدمة.
- بعد تلميح وزير الطاقة أمام مجلس الشعب.. هل تطرق زيادة تعرفة المياه باب السوريين؟
- تقرير حقوقي: مرسوم الجنسية لا ينهي آثار حرمان الكرد من حقوقهم لعقود
- أكثر من 500 عائلة ضمن قافلة العودة الثالثة إلى رأس العين/سري كانيه
- “تتجاوز دخل المواطن”.. كيف تحولت إيجارات الشقق في سوريا إلى عبء لا يُحتمل؟
- مقتل ثلاثة شبان علويين بإطلاق نار على سيارتهم في ريف طرطوس

