منذ اندلاع الحرب في اليمن، حاولت سلطنة عُمان تقديم نفسها باعتبارها الطرف الذي اختار مسار الحوار، وفضّل إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة مع جميع الأطراف، بعيداً عن الاصطفافات العسكرية.
غير أن هذا الدور الذي رُوّج له باعتباره “وساطة هادئة”، ظل محل جدل متصاعد، مع تراكم الأسئلة حول حدود الحياد العُماني، وطبيعة العلاقة التي نشأت مع جماعة “الحوثي” الموالية لطهران، خلال سنوات الحرب.
وأعادت هذه المفارقة طرح سؤال ظل حاضراً في أذهان اليمنيين منذ أولى سنوات الحرب: هل نجحت سلطنة عُمان في الحفاظ على ثوب “الوسيط المحايد”، أم أن تراكم الأدلة والتقارير الأممية، واستضافة قيادات جماعة “الحوثي”، جعل من مسقط “رئة يتنفس منها الانقلاب”، ونزع عن السياسة العُمانية حيادها المدعى؟
وعلى امتداد سنوات الحرب في اليمن، سوّقت مسقط سياستها تحت لافتة “إبقاء قنوات التواصل مفتوحة ورفض الانخراط العسكري”. غير أن هذا الانفتاح ظل يواجه انتقادات يمنية ودولية متزايدة، ترى في السلوك العُماني تسهيلاً لنفوذ جماعة “الحوثي”، وتماهياً مع الحسابات الإيرانية في المنطقة.
وبين متطلبات الوساطة واستحقاقات الأمن الإقليمي، يرى منتقدو الدور العُماني أن مسقط اختارت مساراً يخدم استدامة الصراع أكثر مما يخدم إنهاءه، وهو ما يحول “سياسة الأبواب المفتوحة” إلى غطاء سياسي لتمكين جماعة مسلحة متمردة على الشرعية الدولية.
اختبار الحياد.. من الدبلوماسية إلى التمكين السياسي
منذ اندلاع الحرب عام 2015، غردت سلطنة عُمان خارج السرب الخليجي، فرفضت المشاركة في التحالف العربي، واختارت أن تفتح أبوابها لوفود جماعة “الحوثي” الموالية لطهران.

وفيما حاولت الدبلوماسية العُمانية تقديم هذا الموقف، بوصفه رغبة في لعب دور “إطفائي الحرائق”، فإن القراءة التحليلية للشأن اليمني، ترى أن مسقط منحت “الحوثيين” مساحة سياسية في وقت كانوا فيه معزولين دولياً وعربياً.
كما أن استضافة الوفد المفاوض لـ”الحوثيين”، بشكل دائم في مسقط، جعل العاصمة العُمانية منصة لإطلاق التصريحات السياسية للجماعة “الحوثية”، وهو ما يتجاوز مفهوم “تسهيل الحوار” إلى ما يصفه منتقدون بـ”التبني الضمني”.
ويرى مراقبون أن دور الوسيط يتطلب مسافة متساوية من الجميع، بينما تكشف الشواهد أن مسقط وفرت لـ”الحوثيين” مساحة لإدارة علاقاتهم الدولية وتمرير شروطهم، مستفيدة من رغبة المجتمع الدولي في إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة، وهو ما منح جماعة “الحوثي” أوراق ضغط إضافية في جولات التفاوض.
وفي المقابل، تؤكد سلطنة عُمان أن سياستها تجاه الملف اليمني تقوم على دعم المسار السياسي، والحفاظ على قنوات التواصل مع مختلف الأطراف، باعتبار أن الحوار المباشر، يمثل مدخلاً ضرورياً لإنهاء الحرب.
وترفض مسقط الاتهامات التي تطال دورها، مشددة على أنها لم تنحز إلى أي طرف، وأن استضافتها للحوارات والوفود اليمنية تأتي في إطار جهود الوساطة وتقريب وجهات النظر، لا منح غطاء سياسي أو عسكري لأي جهة.
تقارير الأمم المتحدة.. مسارات التهريب تفضح المستور
تجاوزت التساؤلات حول الدور العُماني في اليمن، حدود المواقف الدبلوماسية، لتصل إلى ملفات أمنية أثارتها تقارير فريق الخبراء التابع للجنة العقوبات في مجلس الأمن بشأن اليمن.
وفي تقريره الصادر في شباط/فبراير 2023، كشف الفريق عن تحقيقات في عمليات تهريب أسلحة ومكونات عسكرية إلى جماعة “الحوثي”، بينها منصات إطلاق وصواريخ موجهة مضادة للدبابات، عُثر عليها مخبأة داخل شاحنة تجارية، أثناء محاولة إدخالها عبر الحدود البرية مع سلطنة عُمان.
وبحسب التقرير، حدد الفريق شبكة من الأفراد المرتبطين بـ”الحوثيين” في اليمن وعُمان، قالت إنها تعمل على تجنيد أفراد الطواقم، وتسهيل تحركاتهم، وترتيب المركبات والقوارب المستخدمة في عمليات النقل.
ورغم تأكيد مسقط رسمياً أنها لا تعترف بجماعة “الحوثي” وتتعامل مع الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، فإن وجود قيادات “حوثية” بارزة في العاصمة العُمانية، واستمرار نشاط قنوات التواصل معها، جعلا الدور العُماني محل نقاش واسع بين من يعتبره وساطة سياسية، ومن يرى أنه وفر لـ”الحوثيين” مساحة للحركة وإدارة علاقاتهم، بعيداً عن الضغوط الدولية.
وتثير هذه الوقائع تساؤلات حول مستوى الرقابة على مسارات التهريب العابرة للحدود، لا سيما مع تكرار ضبط شحنات مرتبطة بالقدرات العسكرية لـ”الحوثيين”.
مسقط وطهران.. التماهي مع الأجندة الإيرانية
لا يمكن قراءة الخلفيات الحقيقية للموقف العُماني، دون تفكيك طبيعة العلاقات الوثيقة التي تربط مسقط بطهران، فالبلدان اللذان يتقاسمان الإشراف على مضيق هرمز الاستراتيجي، يجمعهما تنسيق سياسي وأمني قديم، انعكس أثره سلباً على الملف اليمني.
وفي هذا السياق، يوضح الخبير السياسي عبد الستار الشميري، أن فهم السياسة العُمانية تجاه اليمن، يمر عبر بوابة الحسابات الإقليمية للسلطنة وعلاقتها بإيران.
ويشير الشميري في تصريح خاص لـ”الحل نت”، إلى أن الدور العُماني بات اليوم “محل شك وجدل وتقييم سلبي”، مؤكداً أن مسقط تتحرك مدفوعة بالحرص على عدم صدامها مع طهران، مما يفسر – بحسب رأيه – تماهيها مع بعض المواقف الإيرانية في المنطقة.
ويفسر الخبير اليمني طبيعة المواقف العُمانية، بأن السلطنة محكومة بعلاقتها مع إيران، واشتراكها معها في مضيق هرمز، مما يجعل مسقط حريصة على تجنب أي مواجهة مباشرة مع طهران.
ورغم أن الشميري يرى أن مسقط تتعامل مع الملف اليمني من زاوية الوساطة، ولا تنحاز بشكل كامل لأي طرف، إلا أن هذه الحسابات الإقليمية تظل، برأي المراقبين، ثغرة يستغلها “الحوثيون” لترجيح كفتهم.
ومع ذلك، ينبه إلى أن خسارة العلاقة مع سلطنة عُمان ليست خياراً مناسباً للحكومة اليمنية، باعتبار أن مسقط لا تزال دولة قادرة على لعب دور في تقريب وجهات النظر بين مختلف الأطراف.
اختلال التوازن.. كيف تحول الحياد إلى انحياز؟
تكمن الإشكالية الهيكلية في الدور العُماني، في تمييع الخط الفاصل بين “الوساطة” و”الانحياز”. ففي النزاعات، يفترض بالوسيط أن يحمي العملية السياسية من استغلال أي طرف، لكن في الحالة اليمنية، يرى منتقدون أن المساحة العُمانية باتت رافعة سياسية لجماعة مسلحة انقلبت على مؤسسات الدولة.

وفي تقييم حاد لهذا المشهد، يرى الكاتب الصحفي عبد السلام القيسي، أن الخطاب العُماني الذي يقدم مسقط كطرف محايد يتناقض مع طبيعة العلاقة التي تطورت بين السلطنة و”الحوثيين” طوال سنوات الحرب.
ويؤكد القيسي لـ”الحل نت”، أن الانفتاح العُماني تجاوز الحدود الدبلوماسية المتعارف عليها، ليتحول – بحسب رأيه – إلى توفير هامش سياسي وإعلامي للمليشيا، رغم محاولات النفي الرسمية الصادرة من مسقط.
ويستند القيسي في رؤيته إلى ملف التهريب، مشيراً إلى أن شواهد الانحياز العُماني أصبحت موضع نقاش، ويستشهد بإفادات مرتبطة بخلايا تهريب أسلحة ضبطتها قوات المقاومة الوطنية، تحدثت عن دور جهات عُمانية في تسهيل حركة القوارب المستخدمة في عمليات تهريب السلاح لـ”الحوثيين”.
ويرى القيسي أن الحياد الأخلاقي والسياسي كان يقتضي الوقوف مع الدولة اليمنية المعترف بها دولياً، أو على الأقل ضمان عدم استخدام الأراضي والمياه العُمانية، لتعزيز القدرات العسكرية لجماعة انقلابية.
دور يطيل أمد الحرب
مع دخول الأزمة اليمنية منعطفات معقدة، يبدو أن الوساطة العُمانية تواجه تراجعاً في مستوى الثقة لدى قطاعات واسعة من الشارع اليمني والقوى السياسية المناهضة لـ”الحوثيين”.
كما أن استمرار الجدل حول طبيعة العلاقة مع جماعة “الحوثي”، والاتهامات المتعلقة بمسارات التهريب، وتحول مسقط إلى مساحة للحركة السياسية للجماعة، كلها عوامل أسهمت في تصاعد الانتقادات للدور العُماني في الملف اليمني.
وهكذا تبقى الدبلوماسية التقليدية لمسقط أمام اختبار صعب، فالحياد لا يقاس بالشعارات، وإنما بقدرة أي طرف وسيط على ضمان عدم استغلال دوره لتعزيز نفوذ طرف مسلح انقلب على الدولة المدنية.
ويرى مراقبون أن الدور العُماني بات، في نظر منتقديه، عاملاً يمنح جماعة “الحوثي” مساحة إضافية للاستمرار، بينما تؤكد مسقط أن سياستها تهدف إلى دعم الحل السياسي، وتقريب وجهات النظر بين الأطراف اليمنية.
- بعد احتفالات المولد.. صواريخ “الحوثي” تضرب المخا والخوخة
- إيران تعزز دفاعات “الحوثيين” بمعدات لتعقب المسيّرات
- فوضى السلاح في سوريا.. قتيلان ومصابان في ريف دمشق ودير الزور
- يوم كامل بلا سيارات.. هل تتحرر دمشق القديمة من التلوث والازدحام؟
- طهران تعترف بخوض حرب اقتصادية.. وواشنطن تتوعد إيران بـ”الأكثر إيلاماً”

