من آبار المياه إلى إضراب الأسواق.. كيف تصاعدت أزمة عين منين بريف دمشق؟

أزمة عين منين

تتجه أزمة بلدة عين منين في ريف دمشق نحو مزيد من التصعيد، بعدما تحولت من خلاف محلي حول إدارة الموارد المائية إلى أزمة مجتمعية ذات أبعاد خدمية وأمنية واقتصادية، وسط استمرار الاعتقالات، وتعثر جهود الوساطة، واتساع دائرة الاحتجاجات لتصل إلى الأسواق التجارية في العاصمة دمشق.

وتزامن ذلك مع إعلان رئيس البلدية وأعضاء المجلس المحلي استقالتهم الجماعية، في خطوة تعكس عمق الاحتقان الذي تشهده البلدة منذ اندلاع التوترات على خلفية الأعمال المنفذة في منطقة بعرجد، في وقت تتزايد فيه الدعوات للإفراج عن الموقوفين واحتواء الأزمة قبل اتساع رقعتها، واستمرار الإضراب والاعتصامات، مع إغلاق عدد من المحال التجارية في أسواق دمشق تضامناً مع المحتجين.

شرارة الخلاف

بدأت الأزمة مع احتجاجات شهدتها البلدة اعتراضاً على الأعمال التي تنفذها مؤسسة المياه في منطقة بعرجد، إذ تقول الجهات الرسمية إن ما يجري يقتصر على أعمال صيانة وتعزيل للآبار بهدف تحسين الإمدادات.

بينما تؤكد مصادر أهلية بحسب “المرصد السوري لحقوق الإنسان” أن الأعمال الجارية في منطقة بعرجل لا تقتصر على أعمال الصيانة وتعزيل الآبار كما ورد في البيانات الرسمية، بل تشمل حفر آبار جديدة لنقل المياه إلى مناطق أخرى، متهمة متنفذين في السلطة الجديدة بالوقوف خلف المشروع.

احتجاجات شهدتها البلدة اعتراضاً على الأعمال التي تنفذها مؤسسة المياه في منطقة بعرجد- إنترنت

 وهو ما أثار مخاوف السكان من تراجع حصتهم المائية في ظل معاناتهم أساساً من تراجع الخدمات الأساسية وانقطاع المياه والكهرباء وضعف خدمات الإنترنت، كما لم يصدر حتى الآن إعلان رسمي يؤكد أو ينفي بصورة تفصيلية هذه الروايات، ما أبقى الخلاف قائماً وزاد من حدة التوتر.

 وبحسب المرصد السوري فإن أهالي التل يستثمرون 16 بئراً ضمن أراضي منين، في حين يستفيد أهالي عين منين من 5 آبار تقع ضمن أراضي التل، الأمر الذي فاقم الخلاف بين الجانبين.

وأفاد مشاركون في الاعتصام أن “أراضي بعرجل تضم 18 بئراً، 14 بئراً منها تذهب مياهها إلى مدينة التل و4 آبار لبلدة عين منين”، ودعوا “إلى العدالة في توزيع تلك الآبار خصوصاً وأنها محفورة في أراض تتبع لعين منين وملكيتها شخصية وليست ملكية للدولة، كما أن أهالي البلدة يعانون شحاً في المياه مع وصولها إلى منازلهم مرة واحدة أسبوعياً”.

استقالات احتجاجاً على الاعتقالات

في تطور لافت، أعلن رئيس بلدية عين منين وأعضاء المجلس المحلي استقالتهم الجماعية احتجاجاً على استمرار توقيف عدد من أبناء البلدة وطريقة التعامل مع الاحتجاجات، مطالبين بالإفراج الفوري عن جميع الموقوفين ووقف الإجراءات الأمنية.

قال رئيس البلدية المستقيل إن غالبية المحتجزين هم من طلاب الجامعات والعمال وأصحاب المحال التجارية وسكان البلدة، نافياً ما تردد عن تورطهم في أعمال تخريب، ومحذراً من أن استمرار الاعتقالات سيزيد من حالة الاحتقان بدلاً من احتواء الأزمة، مشيراً إلى أن طرح توقيف عشرات الأشخاص الإضافيين أثار غضباً واسعاً بين الأهالي، في وقت لم تسفر فيه محاولات الوساطة عن نتائج ملموسة حتى الآن.

ووفقاً للمرصد السوري، لا يزال 26 شخصاً قيد الاعتقال بعد الإفراج عن عدد محدود من الموقوفين، وسط مطالبات شعبية متزايدة بالكشف عن مصير المعتقلين وإطلاق سراحهم، بينما تشير مصادر أخرى إلى أن الاحتجاجات، التي اندلعت يوم الجمعة الماضي، أسفرت عن إصابة 6 أشخاص واعتقال 25 آخرين.

الإضراب ينتقل إلى قلب دمشق

في السياق نفسه، وجه مختار البلدة اتهامات إلى أحد المسؤولين الأمنيين في منطقة التل بتأجيج الأزمة، وهي اتهامات لم يصدر بشأنها تعليق رسمي حتى الآن، وفي المقابل، كانت السلطات قد أعلنت في وقت سابق انتهاء التوتر وانتشار قوات الأمن في البلدة بعد الاحتجاجات التي شهدتها الأيام الماضية، إلا أن التطورات اللاحقة تشير إلى أن الأزمة لم تُطوَ بعد.

ولم تبقِ الأزمة آثارها داخل حدود البلدة، بل امتدت إلى قلب النشاط التجاري في دمشق، حيث بدأ أبناء عين منين بتنفيذ إضراب واسع النطاق شمل عدداً من الأسواق التجارية المهمة في دمشق، فنحو 90 بالمئة من المحال التجارية في سوق الحريقة العائدة لتجار عين منين أغلقت أبوابها، فيما شهد سوق الصوف إضراباً شبه كامل تضامناً مع أهالي البلدة ورفضاً لطريقة التعاطي مع الأزمة واستمرار الاعتقالات.

بدأ أبناء عين منين بتنفيذ إضراب واسع النطاق شمل عدداً من الأسواق التجارية المهمة في دمشق- إنترنت

وامتد الإضراب إلى عدد من الأسواق في دمشق، حيث أغلقت محال في سوقي الحريقة والصوف أبوابها تضامناً مع المحتجين، وسط دعوات للإفراج عن الموقوفين واحتواء تداعيات الأحداث الأخيرة.

ونفذ أهالي بلدة عين منين، اليوم، اعتصاماً عند منطقة دوار البحرة، للمطالبة بالإفراج عن الموقوفين على خلفية التوترات التي شهدتها البلدة خلال اليومين الماضيين، بالتزامن مع إضراب عام شمل تجار البلدة.

هل تتسع رقعة الأزمة؟

يكتسب هذا التحرك أهمية خاصة نظراً للمكانة الاقتصادية التي تتمتع بها هذه الأسواق، إذ إن أي توقف في نشاطها ينعكس على الحركة التجارية في العاصمة، ويبعث برسائل تتجاوز الطابع المحلي للأزمة نحو أبعاد اقتصادية واجتماعية أوسع.

بحسب المصادر، فإن حالة الغضب بين الأهالي والتجار تتصاعد مع استمرار تعثر جهود الوساطة، في وقت لم تتمكن فيه لجنة الصلح من التوصل إلى تفاهمات تفضي إلى الإفراج عن الموقوفين أو إنهاء التوتر القائم في البلدة، ويأتي ذلك وسط مخاوف من اتساع رقعة الاحتجاجات خلال الساعات والأيام المقبلة، في ظل تلويح الأهالي بتوسيع نطاق الإضراب ليشمل أسواقاً ومرافق تجارية أخرى في دمشق وريفها، ما لم تتم الاستجابة لمطالبهم المتمثلة بالإفراج عن المعتقلين ووقف التصعيد الأمني ومعالجة الخلاف القائم بشأن الموارد المائية في المنطقة.

بدأ أبناء عين منين بتنفيذ إضراب واسع النطاق شمل عدداً من الأسواق التجارية المهمة في دمشق

وتشهد المنطقة حالة من التوتر والترقب، وسط مطالبات شعبية بمعالجة أزمة المياه عبر الحوار، والإفراج عن المعتقلين، وتجنب اللجوء إلى التصعيد الأمني بما يفاقم الأوضاع.

في المقابل، أكدت مديرية إعلام ريف دمشق أن المؤسسة كانت قد عقدت اجتماعات مع الأهالي لشرح طبيعة الأعمال، مؤكدة أن ملف المياه من اختصاصها، كما أشارت إلى عدم تسجيل وفيات، وأن الإصابات كانت طفيفة، غير أن رواية الأهالي ترسم صورة مختلفة للأزمة، ليبدو أن ما جرى في أرض بعرجل ببلدة عين منين ليس مجرد نزاع على بئر مياه، بل هو اختبار حقيقي لسيادة القانون وحماية حقوق المواطنين في وجه تغول أصحاب النفوذ.

هند خليفة

هند خليفة

صحفية متخصصة في الشأن الاقتصادي.

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم