على وقع التصعيد الإسرائيلي في جنوب لبنان، دخل البلاد في ثلاث مسارات تتقاطع فيه كل مسار مع الآخر ليضع الحكومة اللبنانية أمام تحدٍ مزدوج حول مدى قدرتها على فرض قرار الدولة.
فمن جهة إسرائيل التي تواصل ضرباتها داخل الأراضي اللبنانية، و”حزب الله” الذي يلوح بالرد ويرفض التخلي عن سلاحه، وإيران التي تكشف مجدداً عن استمرار تواصلها المباشر مع مقاتلي الحزب من جهة أخرى.
وجاء التصعيد الأخير بعد غارات إسرائيلية على مناطق في جنوب لبنان، بينها أنصار ودير الزهراني والنبطية، أسفرت وفق السلطات اللبنانية عن مقتل 11 شخصاً، بينهم 3 أطفال، وإصابة آخرين، في واحدة من أعنف الهجمات منذ اتفاق الإطار الذي أبرم بين لبنان وإسرائيل في حزيران/ يونيو الماضي.

وتقول إسرائيل إن ضرباتها جاءت رداً على نشاط لـ “حزب الله” ضد قواتها في منطقة مرتفعات علي الطاهر، وإنها استهدفت بنى عسكرية للحزب، كما أعلنت مقتل القيادي علي سمير الحاج حسن، قائد وحدة في قوة الرضوان.
لكن السلطات اللبنانية قالت إن الغارات أصابت مدنيين، فيما وصف الرئيس جوزيف عون التصعيد بأنه “رسالة واضحة” إلى المسار التفاوضي والجهود الأميركية لتطبيق الاتفاق، وقال رئيس الوزراء نواف سلام إن القتلى في أنصار “ليسوا بنية تحتية عسكرية”، وإن النساء والأطفال الذين قتلوا “ليسوا أهدافاً عسكرية”.
في المقابل، لوّح “حزب الله” بالرد، وقال إن الهجمات الإسرائيلية ستقابل “بما يناسبها”، داعياً الحكومة اللبنانية إلى وقف المفاوضات مع إسرائيل، التي وصفها بأنها “مذلة”.
اتفاق يفترض حصر السلاح والقرار بيد الدولة
جاء التصعيد في وقت تحاول فيه بيروت تثبيت اتفاق الإطار الذي رعته الولايات المتحدة بين لبنان وإسرائيل في 26 حزيران/ يونيو، والذي ينص على نزع سلاح “حزب الله” وانسحاب القوات الإسرائيلية تدريجياً من الأراضي التي تحتلها في الجنوب، بالتوازي مع انتشار الجيش اللبناني.

وبالفعل، بدأ الجيش اللبناني الانتشار في مناطق جنوبية ضمن ما وصف بأنه مناطق “تجريبية”، فيما تواصل المفاوضات بين بيروت وتل أبيب برعاية أميركية، وكان آخرها جولة في روما.
لكن الاتفاق اصطدم منذ البداية بعقدتين أساسيتين: إسرائيل تربط انسحابها من الجنوب بنزع سلاح “حزب الله”، بينما يرفض الحزب مناقشة سلاحه قبل انسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية.
وفي الأيام الأخيرة، شددت إسرائيل على أنها لن تنسحب من المنطقة الأمنية في الجنوب ما لم يتم نزع سلاح الحزب، فيما أكدت واشنطن أن الوجود الإسرائيلي الدائم في الأراضي اللبنانية لا يتوافق مع الالتزامات التي تضمنها الاتفاق.
وبذلك، تجد الدولة اللبنانية نفسها أمام معادلة معقدة، تفاوض باسم الدولة مع إسرائيل، لكنها لا تملك وحدها القرار العسكري على الأرض، فيما تستمر إسرائيل في تنفيذ عملياتها العسكرية بحجة مواجهة الحزب.
“حزب الله” يرفض التفاوض.. وإيران حاضرة
ولا يقتصر التحدي على الخلاف بين الحكومة اللبنانية و”حزب الله”. ففي تطور لافت السبت، أقر رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف باستمرار تواصله مع مقاتلي “حزب الله” الموجودين على الخطوط الأمامية في لبنان، وقال إنه منخرط في الشأن اللبناني منذ عام 1985، وإنه ما زال على اتصال بالمقاتلين هناك.
وتأتي تصريحات قاليباف في وقت تحاول فيه الحكومة اللبنانية تكريس مبدأ حصرية السلاح وقرار الحرب والسلم بيد مؤسسات الدولة.
وكان الرئيس جوزيف عون قد رفض في وقت سابق التدخل الإيراني في الشؤون اللبنانية، مؤكداً أن لبنان ليس ساحة لتوظيفها في المفاوضات بين طهران وواشنطن.
وتكشف تصريحات قاليباف، في هذا السياق، أن الحضور الإيراني في الملف اللبناني لا يقتصر على الدعم السياسي للحزب، إنما يتضمن، وفق إقراره، استمرار التواصل مع مقاتليه على خطوط المواجهة.
ثلاث قوى.. وقرار لبناني محاصر
المشهد الحالي يضع لبنان أمام ثلاثة قرارات متوازية. إسرائيل تحدد لنفسها أهدافاً عسكرية داخل الأراضي اللبنانية، وتربط انسحابها من الجنوب بتحقيق هدف نزع سلاح “حزب الله”. والحزب يحتفظ بقرار عسكري مستقل عن الدولة، ويرفض التفاوض المباشر مع إسرائيل، كما يهدد بالرد على الهجمات الإسرائيلية.

أما إيران، فتؤكد استمرار ارتباطها المباشر بالملف اللبناني وبمقاتلي الحزب، في وقت تسعى فيه بيروت إلى تثبيت سيادتها على قرار الحرب والسلم.
وبين هذه الأطراف، تحاول الحكومة اللبنانية إبقاء المفاوضات مفتوحة، ونشر الجيش في الجنوب، والدفع باتجاه حصر السلاح بيد الدولة، لكن قدرتها على تنفيذ هذا المسار تصطدم باستمرار الاحتلال الإسرائيلي من جهة، ورفض “حزب الله” التخلي عن سلاحه من جهة أخرى.
- محمد بن سلمان: ندعم الحكومة اليمنية لبسط سلطتها على اليمن
- رويترز: محادثات سرية جمعت مسؤولين سوريين و”حزب الله” في تركيا
- جدل حول حصر القبول في كليات ومعاهد التعليم العالي السورية بـ”الطلاب الذكور”
- مطالبات حقوقية بتعويض ضحايا التدخل العسكري الروسي في سوريا
- تعز تحت الهجوم.. القوات الحكومية تصد محاولة “حوثية” لتطويق المدينة

