5 مكاسب اقتصادية تنتظرها سوريا بعد الشطب من قائمة الإرهاب الأميركية

الرئيس السوري ونظيره الأميركي

تشهد العلاقات السورية-الأميركية تحولاً غير مسبوق مع بدء واشنطن الإجراءات القانونية لشطب سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، في خطوة لا تحمل أبعاداً سياسية فحسب، بل تفتح الباب أمام تغيرات اقتصادية قد تعيد رسم موقع البلاد في الاقتصاد الإقليمي والدولي.

فبعد عقود من العزلة المالية والقيود التجارية، تبدو دمشق على أعتاب مرحلة جديدة قد تمنحها فرصة لاستعادة جزء من قدرتها على جذب الاستثمارات والاندماج في النظام المالي العالمي، إذا ما اكتملت الإجراءات القانونية داخل الولايات المتحدة بعد فترة المراجعة الإلزامية في الكونغرس.

كيف بدأت إجراءات الشطب؟

جاء الإعلان بعد لقاء جمع الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالرئيس الانتقالي السوري أحمد الشرع على هامش قمة حلف شمال الأطلسي في أنقرة، حيث أبلغ ترامب نظيره السوري، في رسالة رسمية، بأنه أوفى بوعده بإزالة العوائق التي تحول دون إعادة بناء سوريا، مؤكداً أن شركات أميركية أبدت استعدادها للاستثمار والمشاركة في مشاريع التعافي الاقتصادي.

 كما أخطر الرئيس الأميركي الكونغرس ببدء إجراءات إلغاء التصنيف، لتبدأ فترة مراجعة تستمر 45 يوماً قبل أن يصبح القرار نافذاً، ما لم تعترض عليه السلطة التشريعية.

لقاء الرئيس الانتقالي السوري أحمد الشرع ونظيره الأميركي دونالد ترامب في أنقرة- إنترنت

ويستند القرار إلى الضمانات التي قدمتها الحكومة السورية بعدم دعم الإرهاب الدولي مستقبلاً، إضافة إلى ما وصفته واشنطن بـ”التغييرات الإيجابية” والإجراءات التي اتخذتها دمشق في مجال مكافحة الإرهاب.

ويمثل هذا التصنيف، الذي أدرجت سوريا بموجبه على القائمة الأميركية منذ عام 1979، أحد أكثر العوائق تأثيراً على الاقتصاد السوري حتى بعد تخفيف جانب كبير من العقوبات الأميركية خلال الأشهر الماضية.

فبقاء اسم سوريا ضمن هذه القائمة كان يعني استمرار القيود على التكنولوجيا الأميركية، وتشديد الرقابة على الصادرات، وحرمان دمشق من الاستفادة الكاملة من النظام المالي العالمي، فضلاً عن إحجام المصارف والشركات الدولية عن التعامل معها خشية التعرض للمساءلة القانونية الأميركية.

المكاسب بين الاستثمار والتمويل

يبرز أول المكاسب الاقتصادية المنتظرة في استعادة ثقة المستثمرين الأجانب، إذ إن إزالة هذا التصنيف ستخفض بصورة كبيرة المخاطر القانونية والسياسية المرتبطة بالاستثمار في سوريا، فخلال السنوات الماضية، لم تكن العقوبات وحدها سبب عزوف الشركات الغربية، بل إن تصنيف الدولة الراعية للإرهاب كان يرفع كلفة التأمين والتمويل ويزيد من تعقيد إجراءات الامتثال القانوني.

ومع زوال هذا العائق، تصبح البيئة الاستثمارية أكثر جاذبية أمام الشركات الأميركية والأوروبية والخليجية، خاصة في قطاعات الطاقة والبنية التحتية والاتصالات والنقل والزراعة.

أما المكسب الثاني فيتمثل في إعادة فتح قنوات التمويل الدولية، فالتصنيف الأميركي كان ينعكس مباشرة على تعامل المؤسسات المالية العالمية مع سوريا، إذ كانت المصارف الدولية تتجنب تنفيذ التحويلات أو تمويل المشاريع خشية الوقوع تحت طائلة العقوبات أو قوانين مكافحة الإرهاب.

ومع إلغاء التصنيف، تتراجع هذه المخاطر، بما يفتح المجال أمام تسهيل التحويلات المصرفية، وخفض تكاليف التمويل، وإعادة ربط البنوك السورية تدريجياً بالنظام المالي العالمي، وهو ما يمثل شرطاً أساسياً لأي عملية تعافٍ اقتصادي مستدام.

الإعمار والتجارة على خط الاستفادة

يتمثل المكسب الثالث في تسريع مشاريع إعادة الإعمار، إذ تحتاج سوريا إلى مئات المليارات من الدولارات لإعادة تأهيل البنية التحتية المدمرة، وفق تقديرات دولية سابقة، ولن يكون ضخ هذه الأموال ممكناً دون مشاركة شركات عالمية ومؤسسات تمويل دولية وصناديق استثمار، وهي جهات كانت تتردد في دخول السوق السورية بسبب المخاطر المرتبطة بتصنيف الإرهاب.

ومع إزالة هذا الحاجز، تتوسع فرص تنفيذ مشاريع في مجالات الكهرباء والمياه والطرق والموانئ والإسكان، بما ينعكس على خلق فرص عمل وتحريك عجلة الاقتصاد المحلي.

يأتي المكسب الرابع عبر تنشيط التجارة الخارجية وإزالة القيود المفروضة على التكنولوجيا والصادرات، فقد أدى التصنيف إلى فرض قيود صارمة على تصدير السلع التي تحتوي على نسبة من التكنولوجيا الأميركية، بما شمل معدات النفط والغاز والبرمجيات والآلات الصناعية المتقدمة، وهو ما حدّ من قدرة سوريا على تحديث قطاعاتها الإنتاجية.

لقاء الرئيس الانتقالي السوري أحمد الشرع ونظيره الأميركي دونالد ترامب في أنقرة- إنترنت

أما بعد الشطب، فمن المتوقع أن تصبح عمليات الاستيراد والتصدير أكثر سهولة، وأن تتوسع قدرة الشركات السورية على الوصول إلى المعدات والتقنيات الحديثة، الأمر الذي قد يسهم في رفع الإنتاجية وتحسين تنافسية الصادرات السورية مستقبلاً.

ويتمثل المكسب الخامس في تحسين التصنيف الائتماني وسمعة الاقتصاد السوري على المستوى الدولي، فالخروج من قائمة الدول الراعية للإرهاب لا يقتصر على إزالة قيود قانونية، بل يرسل أيضاً إشارة سياسية واقتصادية إلى الأسواق العالمية بأن المخاطر السيادية بدأت بالتراجع.

 ويُتوقع أن يساعد ذلك في استقطاب الاستثمارات المباشرة، ورفع اهتمام مؤسسات التصنيف الائتماني بمراجعة تقييم المخاطر الخاصة بسوريا، فضلاً عن تشجيع الشركات متعددة الجنسيات على دراسة فرص الدخول إلى السوق السورية بعد سنوات طويلة من المقاطعة.

فرصة تاريخية.. بشروط

في السياق، يرى أستاذ الاقتصاد الدكتور حسن حزوري أن القرار يمثل نقطة تحول اقتصادية قد تعيد دمج سوريا تدريجياً في الاقتصادين الإقليمي والدولي، مشيراً إلى أن إزالة التصنيف، بالتوازي مع تخفيف العقوبات، ستسهم في تحسين بيئة الأعمال، وتسهيل حركة التجارة والتمويل، واستعادة العلاقات الاقتصادية مع الأسواق العالمية.

كما يعتقد أن المرحلة المقبلة قد تشهد مشاركة أكبر للمؤسسات المالية الدولية وشركات القطاع الخاص في مشاريع إعادة الإعمار، بما ينعكس على النمو الاقتصادي وخلق فرص العمل، ويشجع على نقل التكنولوجيا والخبرات الحديثة إلى السوق السورية، وفق ما نقلت عنه صحيفة “الوطن”.

صور تجمع الرئيس السوري أحمد الشرع مع وزير الخارجية الشيباني- إكس

لكن هذه المكاسب المحتملة لا تعني أن الطريق أصبح خالياً من التحديات، فحتى في حال اكتمال إجراءات الشطب، ستبقى عقوبات أميركية تستهدف أفراداً وكيانات محددة مرتبطة بالنظام السابق، كما أن نجاح سوريا في استثمار هذه الفرصة سيظل مرهوناً بقدرتها على تنفيذ إصلاحات اقتصادية ومؤسسية، وتحسين بيئة الاستثمار، وتعزيز استقلالية القضاء، وتطوير النظام المالي والمصرفي، وترسيخ الاستقرار الأمني والسياسي، وهي عوامل لا تقل أهمية عن إزالة القيود القانونية الأميركية.

وبذلك، لا يمثل شطب سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب مجرد تعديل قانوني في السياسة الأميركية، بل قد يكون بداية مرحلة اقتصادية جديدة تعيد فتح أبواب التجارة والاستثمار والتمويل أمام البلاد بعد أكثر من أربعة عقود من العزلة.

غير أن تحويل هذه الفرصة إلى واقع اقتصادي ملموس سيعتمد في النهاية على قدرة الحكومة السورية على بناء بيئة أعمال أكثر شفافية وتنافسية، وإقناع المستثمرين بأن التحول السياسي ترافقه إصلاحات اقتصادية مستدامة، تضمن أن تتحول الوعود إلى استثمارات، والاستثمارات إلى نمو وفرص عمل وتعافٍ اقتصادي طويل الأمد.

هند خليفة

هند خليفة

صحفية متخصصة في الشأن الاقتصادي.

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم