لم يكن السوريون بحاجة إلى انتظار وصول أثر رفع أسعار المحروقات إلى الأسواق، حتى بدأت تداعيات القرار تظهر في الشارع. فبعد ساعات من دخول الأسعار الجديدة حيز التنفيذ، شهدت مناطق في ريف الحسكة احتجاجات وقطعاً للطرقات، بالتزامن مع موجة من الانتقادات على مواقع التواصل الاجتماعي، ركزت على أثر القرار في تكاليف النقل والغذاء والتدفئة والمعيشة اليومية.
ورفعت الحكومة السورية، اعتباراً من اليوم الأحد، أسعار المشتقات النفطية والغاز، إذ وصل سعر ليتر بنزين أوكتان 95 إلى 195 ليرة سورية، وبنزين أوكتان 90 إلى 185 ليرة، والمازوت إلى 175 ليرة، فيما ارتفع سعر أسطوانة الغاز المنزلي إلى 1600 ليرة، والصناعي إلى نحو 2570 ليرة.
وتقول وزارة الطاقة إن الزيادة مؤقتة، وفرضتها الزيادة في كلفة تأمين المشتقات النفطية من الأسواق العالمية، بالتزامن مع دخول مصفاة بانياس في صيانة شاملة تستمر نحو شهرين، ما يزيد حاجة البلاد إلى استيراد المشتقات الجاهزة خلال هذه الفترة.
لكن بالنسبة إلى المواطن، لا تتوقف المسألة عند السعر الجديد لليتر البنزين أو المازوت. فالوقود يدخل في تكلفة النقل والزراعة والإنتاج وتشغيل المولدات، ما يجعل أي زيادة فيه قابلة للانتقال إلى قطاعات أخرى، وصولاً إلى أسعار السلع والخدمات.
تفاصيل الزيادة؟
جاءت الزيادة الجديدة بعد سلسلة تعديلات شهدتها أسعار المحروقات خلال الأشهر الماضية. وبحسب الأسعار السابقة، ارتفع بنزين أوكتان 95 من 152 إلى 195 ليرة لليتر، وبنزين أوكتان 90 من 147 إلى 185 ليرة، فيما قفز سعر المازوت من 125 إلى 175 ليرة.
وبذلك تبلغ الزيادة في المازوت نحو 40%، مقابل نحو 28% في بنزين 95 ونحو 26% في بنزين 90. كما ارتفع سعر أسطوانة الغاز المنزلي من 1470 إلى 1600 ليرة، والغاز الصناعي من 2350 إلى نحو 2570 ليرة.
وتقول لجنة تسعير المشتقات النفطية إن التسعير يخضع لمراجعة دورية وفق مجموعة من العوامل، بينها أسعار النفط العالمية، وسعر الصرف، وتكاليف الاستيراد أو الإنتاج، والنقل والشحن والتشغيل والصيانة والجاهزية الفنية.
وتشير وزارة الطاقة إلى أن التعديل الحالي لا يستهدف رفع الأسعار بصورة دائمة، إنما معالجة فجوة مؤقتة بين تكلفة تأمين المشتقات وسعر بيعها محلياً، وضمان استمرار وصول الإمدادات إلى السوق.
لماذا الآن؟
تربط وزارة الطاقة الزيادة بعاملين أساسيين وهما ارتفاع كلفة تأمين المشتقات النفطية عالمياً، وتوقف مصفاة بانياس لإجراء عمرة شاملة. ومع توقف المصفاة، تزداد حاجة سوريا إلى شراء المنتجات النفطية الجاهزة من الخارج، بدلاً من الاعتماد على التكرير المحلي، في وقت تشهد فيه أسواق المشتقات ضغوطاً مرتبطة بالتكرير والنقل والشحن والتأمين.
لكن مشكلة سوريا لا تبدأ من مصفاة بانياس ولا تنتهي بانتهاء أعمال الصيانة. فبحسب الأرقام التي عرضتها وزارة الطاقة، يبلغ إنتاج البلاد من النفط الخام نحو 100 ألف برميل يومياً، مقابل احتياجات تقارب 300 ألف برميل يومياً وفق أحدث توضيحات الوزارة، ما يجعل الاستيراد ضرورياً لتغطية جزء من الفجوة.
ما يؤكد أن ارتفاع أسعار المشتقات العالمية أو تكاليف نقلها وتأمينها ينعكس سريعاً على السوق السورية في ظل العجز التي تعاني منها الحكومة السورية.
المواطن يدفع أكثر من مرة
بالنسبة إلى السوريين، المشكلة ليست في الزيادة المباشرة عند محطة الوقود فقط. فالمازوت وقود للشاحنات التي تنقل المواد الغذائية والسلع، وللآليات الزراعية ومضخات المياه، كما تعتمد عليه بعض المولدات الخاصة. أما البنزين، فيؤثر بصورة مباشرة في كلفة تنقل الموظفين والعمال وأصحاب سيارات الأجرة ووسائل النقل.
ولهذا فإن ارتفاع أسعار المحروقات يمكن أن يتحول سريعاً إلى ارتفاع في أجور النقل، ثم إلى زيادة في تكلفة نقل السلع، وصولاً إلى المستهلك النهائي.
ويحذر الباحث الاقتصادي زياد عربش في منشور على حسابه في “فيسبوك” من أن الزيادة الحالية تمثل “صدمة سعرية”، خصوصاً مع ارتفاع المازوت بنحو 40% والبنزين بنحو 25 إلى 26%.
ويرى عربش أن أثر القرار قد ينتقل من محطات الوقود إلى قطاع النقل، ثم إلى أسواق الجملة والسلع الأساسية، لأن جزءاً كبيراً من حركة البضائع داخل البلاد يعتمد على النقل البري.
كما يحذر من انعكاس الزيادة على الزراعة، بسبب ارتفاع كلفة تشغيل الآليات وضخ المياه والنقل، وعلى المناطق التي تعتمد على المولدات العاملة بالمازوت في تأمين الكهرباء.
الغلاء قبل وصوله إلى الأسواق
هذا الاحتمال يفسر جانباً من ردود الفعل الشعبية، رصدها “الحل نت”، التي رافقت القرار. فعبد الكريم الرحيل قال إن رفع أسعار المحروقات لم يعد، في نظره، قراراً اقتصادياً عابراً، بل عبئاً مباشراً ينعكس على النقل والغذاء وتفاصيل الحياة اليومية.
وطالب الحكومة ووزارة الطاقة بمراعاة الظروف المعيشية للسوريين، معتبراً أن المواطنين الذين أنهكتهم الظروف الاقتصادية لا يحتملون قرارات تزيد أعباءهم.
أما أورهان إسماعيل، فذهب في انتقاده إلى مقارنة الوضع المعيشي الحالي بما كان عليه قبل سقوط النظام، قائلاً إن السوريين في مناطق السيطرة المختلفة كانوا، رغم الحرب، يرون أن الحركة الاقتصادية والأسعار وفرص العمل كانت أفضل في بعض الجوانب.
وتعكس هذه الآراء، بصرف النظر عن الاختلاف في تفسير أسباب الأزمة، شعوراً متزايداً لدى شريحة من السوريين بأن التحسن السياسي أو رفع العقوبات أو عودة بعض موارد النفط إلى سيطرة الدولة لم ينعكس بعد بصورة واضحة على حياتهم اليومية.
الاحتجاجات تخرج الأزمة من السوق
لم تقتصر ردود الفعل على مواقع التواصل الاجتماعي. ففي بلدة مركدة جنوبي الحسكة، شهدت المنطقة احتجاجاً واعتصاماً تنديداً برفع أسعار المحروقات، فيما أفادت مصادر محلية بقطع بعض الطرق الرئيسية تعبيراً عن رفض القرار.

كما شهدت بلدة الـ47، في المنطقة نفسها، احتجاجات وقطعاً للطرقات على خلفية ارتفاع أسعار الوقود.
وتكتسب هذه الاحتجاجات أهمية تتجاوز حجمها الجغرافي، لأنها تشير إلى انتقال القرار من كونه مسألة مرتبطة بتسعير الطاقة إلى قضية تمس العلاقة بين المواطن والحكومة. فالمواطن لا ينظر إلى الزيادة باعتبارها معادلة بين سعر النفط العالمي وتكلفة الاستيراد، وإنما باعتبارها زيادة جديدة في كلفة حياته اليومية.

