أعاد إعلان نتائج التحقيق في وفاة الشاب محمد حسام الدين غميرة داخل قسم شرطة الحفة في محافظة اللاذقية فتح ملف التعذيب وسوء المعاملة في أماكن الاحتجاز السورية، وسط جدل متصاعد حول مدى كفاية الرواية الرسمية والإجراءات التي اتخذتها وزارة الداخلية، ومخاوف حقوقية من أن تتحول الواقعة إلى مؤشر على عودة ممارسات ارتبطت لعقود بأجهزة الأمن في عهد بشار الأسد.
وجاء إعلان نتائج اللجنة المكلفة بالتحقيق بعد أيام من وفاة غميرة في 16 آب/أغسطس الجاري، عقب تدهور حاد في حالته الصحية خلال احتجازه.
ثلاثة أيام لكشف الحقيقة
كانت السلطات السورية قد أعلنت في البداية تشكيل لجنة للتحقيق في ملابسات الوفاة، وأوقفت سبعة من منتسبي وزارة الداخلية للتحقيق معهم، في خطوة قالت إنها تستهدف كشف حقيقة ما جرى وتحديد المسؤوليات.
لكن نتائج اللجنة، التي عرضها معاون وزير الداخلية للشؤون الشرطية ورئيس لجنة التحقيق اللواء أحمد لطوف، لم تغلق باب الأسئلة، بل فتحت نقاشاً جديداً حول العلاقة بين الحالة المرضية لغميرة وما تعرض له أثناء احتجازه.

وقال لطوف إن الخبرة الطبية خلصت إلى أن سبب الوفاة هو مضاعفات نزف دماغي لدى شخص مصاب بالناعور، موضحاً أن الكشف الأولي أظهر جرحاً قاطعاً في أعلى الجبهة اليمنى وجرحاً ثقبياً مجاوراً قال إن مصدره إجراء علاجي في مستشفى اللاذقية الجامعي، فيما اعتبر تشققات جلدية على البطن مرتبطة بعلاج طويل بالكورتيزون، والكدمات الموجودة على الجبهة والقدم كدمات نزفية مرضية.
وأضاف أن الفحص الطبي الشرعي لم يظهر علامات واضحة على العنف أو الشدة، ولم يسجل وجود كسور في الجمجمة أو جروح رضية يمكن ربطها بالنزف الذي أدى إلى الوفاة.
صفعة تفتح سؤال المسؤولية
في الوقت ذاته، أقرت اللجنة بأن غميرة أبلغ عناصر الأمن الداخلي بإصابته بالناعور، وأن أحد المحققين، قام بصفعه على منطقة الرقبة، الأمر الذي انتهى إلى إحالته للنيابة العامة في اللاذقية، بينما تقرر التوسع في التحقيق المسلكي مع النقيب أحمد شاكر المصري والمحقق عمر يوسف.
تكمن حساسية القضية في أن الرواية الرسمية تجمع بين نتيجتين تبدوان متجاورتين لكنهما تطرحان سؤالاً جوهرياً، فإذا كان غميرة يعاني من مرض يجعل النزيف أكثر خطورة، وكان قد أبلغ عناصر الشرطة بحالته، فهل كان التعامل معه داخل مركز التوقيف متوافقاً مع وضعه الصحي؟، وهل يمكن فصل الصفعة التي أقرت بها اللجنة عن مسؤولية السلطات عن سلامته، حتى في حال عدم ثبوت أنها كانت السبب الطبي المباشر للوفاة؟.
هذه الأسئلة اكتسبت وزناً أكبر لدى منظمات حقوقية سورية ودولية، إذ طالبت الشبكة السورية لحقوق الإنسان بتحقيق مستقل وشفاف في الواقعة، معتبرة أن وفاة غميرة تثير مخاوف جدية بشأن استمرار أنماط من سوء المعاملة داخل أماكن الاحتجاز.
كما دعت منظمات حقوقية أخرى إلى عدم الاكتفاء بالتحقيق الداخلي، بالنظر إلى أن التحقيقات التي تجريها الجهة نفسها التي يتبع لها المتهمون قد لا توفر، في نظر الضحايا وذويهم، الضمانات الكافية للاستقلالية والمساءلة.
مسؤولية لا تنتهي عند سبب الوفاة
يرى المدير التنفيذي للمركز السوري للعدالة والمساءلة في واشنطن، محمد العبدالله، أن الدولة تتحمل قانوناً مسؤولية سلامة أي شخص يقع تحت الاحتجاز منذ لحظة توقيفه وحتى الإفراج عنه، بغض النظر عن سبب التوقيف أو وضعه القانوني أو الصحي، وبالنسبة إليه، فإن الإشارة إلى إصابة غميرة بالناعور لا يمكن أن تكون وحدها أساساً لإعفاء السلطات من مسؤوليتها عن ظروف احتجازه وما حدث خلال تلك الفترة.
ويؤكد العبدالله، في منشور له عبر منصة “فيسبوك”، أن دخول شخص مصاب بمرض يؤثر في تخثر الدم إلى مركز احتجاز يفرض على السلطات مسؤولية مضاعفة في التعامل معه، خصوصاً إذا كان قد أبلغ المحققين بحالته.
ويشير إلى أن التحقيق في ادعاءات التعذيب أو سوء المعاملة لا ينبغي أن يتوقف عند البحث عن آثار جسدية ظاهرة، لأن بعض أشكال الانتهاك قد لا تترك علامات يمكن رصدها بعد الوفاة أو بعد مرور وقت على الواقعة.
ومن وجهة نظر العبدالله، فإن التحقيق الفعال يجب أن يشمل ظروف الاحتجاز كاملة، وسبل التواصل مع الأسرة والمحامي، وإمكانية إجراء فحص طبي مستقل، وآليات مراقبة وتوثيق ما يجري داخل مراكز التوقيف، بما في ذلك استخدام الكاميرات، معتبراً أن ضمانات كهذه لا تحمي المحتجزين فحسب، وإنما تساعد السلطات نفسها على إثبات ما جرى في حال ظهور ادعاءات بالتعذيب أو سوء المعاملة.
إرث الأسد يثقل ملف الاحتجاز
لا ينفصل هذا الجدل عن إرث ثقيل تركه نظام الأسد في ملف الاعتقال والتعذيب، فقد وثقت منظمات حقوقية على مدى سنوات واسعة أنماطاً ممنهجة من التعذيب وسوء المعاملة داخل مراكز الاحتجاز السورية، وهو ما جعل أي حادثة وفاة داخل مركز أمني بعد الثورة السياسية في البلاد شديدة الحساسية، خصوصاً عندما تترافق مع اتهامات بالضرب أو التعذيب.
يأتي ذلك أيضاً في ظل قضية دولية لا تزال منظورة أمام محكمة العدل الدولية، ففي حزيران/يونيو 2023، رفعت كندا وهولندا دعوى ضد سوريا تتعلق بانتهاكات مزعومة لاتفاقية مناهضة التعذيب، فيما أصدرت المحكمة في تشرين الثاني/نوفمبر من العام نفسه تدابير مؤقتة أمرت سوريا باتخاذ إجراءات فعالة لمنع أعمال التعذيب وغيره من ضروب المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، إلى جانب الحفاظ على الأدلة المرتبطة بالادعاءات المتعلقة بها.
ويرى العبدالله أن استمرار التعذيب أو سوء المعاملة داخل أماكن الاحتجاز، إذا ثبتت، سيكون ذا تبعات تتجاوز الواقعة نفسها، لأنه قد يثير تساؤلات حول مدى التزام السلطات السورية بالتزامات الدولة الدولية، ويضع السلطة الانتقالية أمام اختبار حقيقي بشأن قدرتها على القطع مع إرث الأجهزة الأمنية في عهد الأسد.
اعتراض قانوني على نتائج التحقيق
من جانبه، أعرب المختص في القانون الجنائي الدولي وحقوق الإنسان، المعتصم الكيلاني، عن خيبة أمله العميقة إزاء نتائج التحقيق، معلناً اعتراضه عليها، ومعتبراً أنها لا ترتقي إلى جسامة ما وقع ولا تنصف الضحية، كما أنها لا تطمئن السوريين إلى أن زمن التعذيب انتهى فعلاً.
وطالب الكيلاني، عبر منصة “إكس”، وزارة الداخلية السورية باتخاذ عقوبات مسلكية حازمة وإحالة عناصر مخفر الحفة ومديره إلى القضاء، وفتح مساءلة جزائية بحق كل من تثبت مسؤوليته، سواء بالفعل المباشر من خلال الضرب، حتى وإن اقتصر على “صفعة”، أو نتيجة الإهمال أو التستر.
وشدد على أن بناء دولة القانون لا يمكن أن يتحقق بالتسامح مع التعذيب أو الاكتفاء بإجراءات شكلية، وأن استعادة ثقة السوريين تتطلب كشف الحقيقة كاملة وإنزال العقاب العادل بكل مسؤول، أياً كانت رتبته أو صفته، مؤكداً أن سوريا الجديدة التي حلم بها السوريون وضحوا من أجلها يجب أن تكون “سوريا بلا تعذيب، وبلا حماية للمتجاوزين، وبلا إفلات من العقاب”.
وهذه المعادلة هي تحديداً ما يجعل قضية غميرة أكبر من حادثة فردية؛ فالمسألة لا تتعلق فقط بتحديد السبب الطبي للوفاة، وإنما بما إذا كانت المؤسسات الأمنية والقضائية الجديدة قادرة على إثبات أنها تجاوزت فعلاً أدوات القمع التي ميزت عهد الأسد، وأن أي انتهاك داخل مركز احتجاز لن يجد طريقه إلى التبرير أو الإغلاق الإداري.
المحاسبة أمام اختبار حقيقي
في ظل إقرار اللجنة بوقوع صفعة، وثبوت علم عناصر الأمن بالحالة المرضية لغميرة، مع إحالة أحد المحققين إلى النيابة العامة والتوسع في التحقيقات المسلكية، فإن القضية لم تعد اختباراً لوزارة الداخلية وحدها، بل لاختبار أوسع يتعلق بمفهوم العدالة في سوريا الجديدة، فالمحاسبة الحقيقية لا تقاس فقط بعدد الموقوفين أو المحالين إلى القضاء، وإنما بمدى استقلال التحقيق، وشفافية نتائجه، وقدرته على تحديد المسؤولية الفردية والمؤسساتية، وضمان عدم تكرار الانتهاكات.
وبين الرواية الرسمية التي تربط الوفاة بمضاعفات مرض الناعور، والانتقادات الحقوقية التي تركز على ظروف الاحتجاز والتعامل مع غميرة، تبقى الأسئلة الأكثر حساسية مفتوحة، ماذا حدث خلال فترة توقيفه بالتحديد؟ وهل خضع لرعاية طبية تتناسب مع حالته؟، وهل كانت الصفعة مجرد مخالفة مسلكية أم جزءاً من معاملة أوسع؟، وهل ستكشف التحقيقات القضائية كل الوقائع بعيداً عن حماية المؤسسة الأمنية؟.
الإجابة عن هذه الأسئلة هي التي ستحدد ما إذا كانت قضية محمد غميرة ستشكل خطوة نحو ترسيخ المحاسبة، أم أنها ستعزز مخاوف السوريين من عودة أساليب اعتقدوا أنها أصبحت جزءاً من الماضي.
- 1500 دولار شهرياً للعضو.. كم يدفع السوريون لمجلس الشعب سنوياً؟
- 3 محافظات على صفيح الاحتجاج.. الكهرباء والمستحقات تشعل الغضب في سوريا
- العليمي يعلن بدء العمليات العسكرية لاستعادة مناطق سيطرة الحوثيين
- من الأمن إلى الاقتصاد.. 5 أزمات تحاصر السويداء
- من السقيلبية إلى القلمون.. جرائم متفرقة تكشف أزمة السلاح والمساءلة في سوريا

