لم يعد ارتفاع الأسعار في سوريا مجرد موجة غلاء عابرة، بل تحول إلى ضغط متواصل يعيد رسم ميزانية الأسرة من أساسها، بعدما اتسعت الفجوة بين الرواتب ومتطلبات الحياة اليومية.
وجاء القرار الحكومي الأخير برفع أسعار المحروقات والغاز المنزلي ليضيف عبئاً جديداً إلى كلفة الغذاء والنقل والخدمات، في اقتصاد لا يزال أكثر من 90 بالمئة من سكانه يعيشون تحت خط الفقر.
من المضخة إلى الأسواق
لم تتوقف تداعيات القرار عند محطات الوقود، إذ انتقلت سريعاً إلى أسعار المواد الغذائية والخضار والفاكهة وأجور النقل والشحن، مع دخول نشرة الأسعار الجديدة للمشتقات النفطية حيز التنفيذ في 13 أيلول الجاري، بعدما رفعت الأسعار بنسب تراوحت بين 9 و40 بالمئة.
وبحسب وزارة الطاقة السورية، جاء التعديل في ظل ارتفاع استثنائي في كلفة تأمين المشتقات عالمياً، بالتزامن مع أعمال صيانة شاملة في مصفاة بانياس زادت اعتماد البلاد على الاستيراد.

ورغم أن وزارة الطاقة أعلنت لاحقاً، في 17 أيلول، طرح المازوت المدعوم بسعر مخفض للتدفئة والزراعة والفئات المستحقة، فإن ذلك لم يُعد الأسعار إلى مستوياتها السابقة، فقد استقرت تكاليف كثير من السلع والخدمات عند المستويات الجديدة التي أعقبت رفع أسعار الوقود، بما يعكس سرعة انتقال أثر الطاقة إلى بقية حلقات الاقتصاد، وأعلنت الوزارة بالفعل ثلاثة مستويات للمازوت، بينها سعر مدعوم للفئات المستحقة، في محاولة لتوزيع أثر الزيادة وفق طبيعة الاستخدام.
وتظهر الفجوة بصورة أوضح عند مقارنة الدخول بالنفقات. فبحسب ما نقلت صحيفة “الشرق الأوسط”، يقدر خبراء اقتصاديون ودراسات تكاليف الأسرة احتياجات أسرة من ثلاثة أفراد لتأمين مستوى معيشي متوسط بما لا يقل عن 80 ألف ليرة سورية شهرياً، مقابل راتب لا يتجاوز 20 ألف ليرة لأغلبية موظفي الدرجة الأولى الحكوميين.
ولا تترك هذه المسافة بين الدخل والكلفة للأسرة مجالاً واسعاً للمناورة، بل تدفعها إلى تقليص الاستهلاك وتأجيل بعض الاحتياجات أو البحث عن مصادر دخل إضافية.
زيادات الأجور تلاحق الأسعار
لم تكن زيادة الأجور قادرة على سد الفجوة، رغم صدور مراسيم متتالية بهذا الشأن، فالارتفاعات التي شهدتها الأسعار أعادت امتصاص جانب كبير من الزيادات الاسمية في الرواتب، فيما جاءت زيادة تعرفة الكهرباء لتضيف طبقة أخرى من الضغط على ميزانية الأسر.
كانت وزارة الطاقة قد أقرت في تشرين الأول/أكتوبر 2025 تعرفة جديدة للكهرباء بدأ تطبيقها في تشرين الثاني، في إطار ما وصفته الوزارة بإصلاح منظومة الكهرباء وتحقيق قدر أكبر من التوازن بين كلفة الخدمة وسعرها.
لكن أزمة المعيشة لا تتوقف عند الأسعار والدخل، ففي دمشق وريفها، تحول نقص المياه إلى تكلفة إضافية تدفعها الأسر من جيوبها، مع ضعف وصول مياه الشبكة الحكومية إلى مناطق عديدة واضطرار السكان إلى شراء المياه من الصهاريج.
وكانت المؤسسة العامة لمياه دمشق قد أعلنت خلال الصيف تعديلات متكررة على برامج التزويد بسبب انخفاض غزارة المصادر الرئيسية وارتفاع الاستهلاك، في وقت كان فيه برنامج التقنين في بعض المناطق يقوم على ضخ المياه نحو عشر ساعات كل ثلاثة أيام.
ثلاث فجوات وراء الأزمة
تعكس هذه الصورة ثلاثة ضغوط اقتصادية مترابطة أكثر من كونها أزمات منفصلة، فحدد الخبير الاقتصادي الأكاديمي زياد عربش، جذور الأزمة في ثلاث فجوات، ميزان المدفوعات، والموازنة العامة، والقدرة الشرائية في مواجهة الأسعار، في تصريح لـ”الشرق الأوسط”.
ومن هذا المنظور، فإن رفع سعر المحروقات أو تعديل الدعم لا يمكن أن يعالج الاختلال بمفرده، لأن سعر المازوت مرتبط بسعر الصرف وكلفة الاستيراد ووضع الموازنة ومستوى الأسعار في الأسواق.

وتأتي أرقام المالية العامة لتظهر جانباً من هذا الضغط؛ فقد سجلت سوريا خلال النصف الأول من 2026 إيرادات عامة بلغت نحو 2.7 مليار دولار، مقابل إنفاق يقارب 3.7 مليارات دولار، ما نتج عنه عجز بنحو مليار دولار، كما ارتفع الإنفاق بوتيرة أسرع بكثير من الإيرادات مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، ما يضع قدرة المالية العامة على تمويل الدعم والخدمات والحماية الاجتماعية أمام اختبار صعب.
ولا يرى عربش، أن الحل يكمن في إجراء منفرد، بل في “خطة متكاملة متدرجة” تبدأ بإجراءات عاجلة لحماية الأسر، مثل السلة الغذائية المدعومة والتحويلات النقدية ومنافذ البيع المدعومة وبرامج التشغيل المؤقتة، إلى جانب تثبيت سعر صرف مرجعي للسلع الأساسية، ثم الانتقال إلى إصلاحات تشمل الكهرباء والزراعة والمشروعات الصغيرة، وصولاً إلى إصلاحات هيكلية في الموازنة والتجارة والطاقة المتجددة، داعياً إلى استعادة الإقراض الإنتاجي الميسر وسياسة تجارية تحمي المنتج المحلي وتدعم الإنتاج بدلاً من الاكتفاء بدعم المدخلات.
المحروقات تكشف الخلل الأعمق
يختصر عربش رؤيته بقاعدة يقول إنها ضرورية لإدارة المرحلة: “لا رفع أسعار دون بدائل، ولا خفض دعم دون تعويض الفقراء، ولا إصلاح دون عدالة اجتماعية”.
بحسب تقديره يمكن أن يظهر تحسن ملموس خلال عامين إلى ثلاثة أعوام إذا نُفذت خطة اقتصادية متماسكة، بينما يؤدي غيابها واستمرار المعالجة الجزئية إلى إطالة أمد الأزمة لسنوات أطول.
وبينما تحاول الحكومة إعادة ضبط أسعار الطاقة بما يتناسب مع كلفة الاستيراد والظروف العالمية، تبقى المشكلة الأوسع في قدرة الاقتصاد على تحويل أي إصلاح سعري إلى تحسن فعلي في دخل الأسر، فالمحروقات تضيف وقوداً إلى موجة الغلاء، لكنها تكشف في الوقت نفسه اختلالات أعمق في الإنتاج والدخل والمالية العامة والخدمات.
ومع استمرار هذه الفجوات، يصبح ارتفاع سعر لتر الوقود أو فاتورة المياه والكهرباء جزءاً من معادلة أكبر، وهي دخل محدود يلاحق تكاليف معيشة تتسع أسرع من قدرة الأسرة على تحملها.

