حمالة الحطب … “كَقَلبٍ قُدَّ من خَشَبِ”

السيارة المنحوتة.. من دمشق إلى بيروت

حمالة

 

جود حسون

 

لا ينتظر حسين ناصوري أي سؤال ليتحدث عن (حمالة الحطب ـ السيارة المنحوتة)، فالنحات السوري الذي يتجول بسيارته “الغريبة” على العابرين على أقل تقدير، لا يؤطر السيارة وفق مفهوم فني معين، ولا يرخي بثقله عليها ويتحدث عنها كمنجز يبحث له عن معرض أو مقتن…. هو يراها “رحلة فريدة في عالم الارتجال المباغت، بين الوعي والدهشة ولحظات التأمل التي تتجاوز الزمن وتتعالى على مفرداته وصولاً إلى الشغف، كما كانت البداية….”.

 

السيارة.. المنحوتة

هي سيارة (فولكس فاغن) المعروفة بالسلحفاة، صنعت سنة 1973 وهي من الطراز 1303S، سماها صاحبها “حمالة الحطب”، شأنها شأن بقية الأعمال الفنية التي يراها ناصوري لا تمت لعالم الأفكار المباشرة بصلة، بل تمثل: “امتداداً للحالة الارتجالية المباغتة التي يتصف بها وجودي عموماً وممارستي الفنية بشكل خاص”.

يرى الفنان سيارته التي لا يمكن توصيف مجمل زواياها بدقة، وإنما يمكن إعطائها صفة العمل الفني الذي يحمل هوية سيارة، بعيدة كل البعد عن كافة الأفكار والتصورات المسبقة، وعن عالم المشاعر البسيطة المباشرة، فيقول: “حمالة الحطب تأتي تتويجاً لسلسلة من العمليات النفسية والروحية المعقدة على مستوى اللاوعي… أعمل بشكل مقصود على تبني الصدفة المطلقة في كل ما يتعلق بعملي الفني، بدءاً من اللقاء بوسائط العمل الفني (الخشب)، حيث أترك للصدفة أن تجمعني بها وتمتد هذه الحالة أثناء العمل في غياب كامل للوعي، وصولاً إلى لحظة اكتمال العمل والتي تمثل لحظة انكشاف في مرحلة أبعد من مراحل الوعي، والدهشة”.

كانت البداية في العمل على (حمالة الحطب) بداية شهر تشرين الأول 2013، والعمل ما زال مستمراً حتى اليوم “كلما شاءت الصدفة”، ولا يرتبط بالزمن أصلاً فالعامل الزمني “يناقض تماماً مع طبيعة العمل الارتجالي الذي لا يخضع لشروط الزمان والمكان المعتادين بحيث يكاد الأمر يكون أشبه برحلة خارج الزمن، في عالم آخر مغلق تلهو فيه الغرائز على هواها بعيداً عن عالم الضوء”.

 

حماله1

رفيقة الدرب..

“حمالة الحطب هي رفيقة الدرب، فمنذ لقائنا الأول قبل ستة أعوام، تحولت هذه الكتلة المعدنية إلى عالمي الخاص”، يقول ناصوري… فالعلاقة بينه وبين سيارته متجددة ملؤها مشاعر لحظة اللقاء الأول حيث “الشغف، الجمال، التجلي الآلي لمفهوم الاحتضان ومتعة الطريق”… لا شيء يضاهي متعة قضاء الوقت أو التجول على الطريق في هذه السيارة وفق مصممها، فقد تحولت إلى “كون خشبي فريد من نوعه” حيث يحتار ناصوري “بين عظمتها كآلة تمثل علامة فارقة في تاريخ الإنجاز البشري في واحدة من اللحظات الخارجة عن المألوف بما تحمله من أبعاد نفسية وفلسفية وتاريخية، وبين تجليها الخشبي الذي يغمرني بإحساس الحقيقة البدائي في فيض هذا الوجود المصطنع، وكوني من أنجز هذا العمل بكل تفاصيله فهذا يمنحني وجوداً إضافياً يتفوق على وجودي الشخصي، إنه وجود القدرة”.

 

الخشب

“علاقتي مع الخشب هي الأقوى والأكثر صدقاً في علاقاتي مع الكائنات، وهي تفوق من حيث القيمة والنتيجة علاقاتي البشرية مجتمعة، تواصلي مع الخشب، بغض النظر عن النحت، تواصل فريد بطبيعته حيث استطعت من خلاله الولوج إلى درجة وعي الكائنات المغلقة والتفاعل معها بفضل تواصلي الحسي والجسدي المباشر مع الخشب حيث نتحول إلى كلٍّ منعزل له أسراره وخصوصيته وقد تطورت هذه العلاقة من الجهل المطلق إلى الانغماس الكامل بالخشب وتفاصيله، بملمسه ورائحته وخطوطه وطبائعه والأحاسيس التي يولدها ككائنٍ مستقل متكامل قبل أن يتحول إلى صورته الحتمية التي تفرضها الصدفة ويقتصر دوري على تشكيلها المادي”… يستفيض الناصوري في الحديث عن الخشب.

(حمالة الحطب) حالة فنية متنقلة غيرت منظور صاحبها في الفن والحياة بشكل عام، كونه يتواصل معها بشكل يومي ويراها حالة فنية متجددة، “تختلف بشكل كلي عن الأعمال المنجزة التي تحمل امتداداتها الخاصة ضمن حدود المكان المغلق”، ولكن بالمقابل، منحت حمالة الحطب لبقية الأعمال الفنية فرصة الظهور حيث توجد بعض المنحوتات واللوحات بشكل دائم فيها، وهي بذلك تشكل محترفاً وقاعدة عرض متنقلة “تثير الدهشة بوجودها المفاجئ وغير المتوقع في كل الأماكن وفي أي وقت بجماليتها الخاصة وطابعها الفريد وأسلوب العمل الفني الذي يتضح جلياً في كل تفاصيلها”، هي مزيج بين مختلف أنواع وأجناس الخشب التي اجتمعت وتجانست بفضل الصدفة لتشكل “تحفة فنية فريدة من نوعها على مستوى الشرق الأوسط”، وهي على الرغم من طبيعتها المختلطة وحاجتها إلى عناية خاصة لكنها تقوم بعملها على أكمل وجه في كل الظروف المناخية ومختلف التضاريس، “تنشر صورة البساطة والجمال والغرابة في كتلة من الخشب المتنقل بلا انتماء ولا نهاية”.

حماله2

 

ورشة .. شارع

تم إنجاز هذه السيارة بالكامل في الشوارع، الجزء الداخلي تم إنجازه في أحد شوارع مدينة جرمانا في دمشق، والجزء الخارجي تم في بيروت وجبيل بلبنان، ولأنها كانت تتشكل أمام المارة فقد كانت هذه التحفة منذ بداية العمل مثار جدل ومشاعر مختلطة لا تنتهي، “بين الدهشة والسعادة والاستغراب والخوف والإحساس بالمجهول”، كانت بالنسبة لمن يلتقيها للمرة الأولى “حالة مبهمة”، لا يستطيع معها تحديد مشاعره لكن الابتسامة كانت الرابط بين الجميع، ابتسامة “النشوة البدائية التي تتحرض عندما تلامس الأشياء أقصى عوالم الغريزة الدفينة”.

من دمشق، مروراً بالحواجز العسكرية إلى نقطة المصنع الحدودية وصولاً إلى بيروت ومنها إلى باقي المناطق اللبنانية، “البسمة والدهشة، أو الصدمة ربما، كانا ردة الفعل المشتركة عند الجميع”، الناس العاديون، الجنود، رجال الشرطة وعناصر الأمن على الرغم من الهوس الأمني والعسكري الذي نعيشه، وبالطبع “حملت هذه الدهشة أسئلة عن سبب تشكيلها بهذه الطريقة والوقت الذي استغرقته وغيرها من الأسئلة التي لم ترقَ إلى مستوى الحالة الوجودية لهذا العمل”.

بشكل عام لم تلق حمالة الحطب سوى الترحيب والتقدير حيثما حلت، وهي تتلقى إشارات الإعجاب من المارة وسائقي السيارات الأخرى إضافة إلى صفحتها الخاصة على موقع الفيسبوك (Foxy حمالة الحطب)

يقول ناصوري: “الموقف الأكثر غرابة كان في اليوم التالي لوصولي إلى بيروت، حيث تجمهر الناس حول السيارة في منطقة فرن الشباك حيث كنت أقيم … كنت قد ركنت السيارة ليلاً على الشارع العام أمام أحد المتاجر، وقام صاحب المتجر الذي لا يعرف السيارة باستدعاء الأمن وخبراء المتفجرات لاشتباهه بالسيارة لكن الأمر انقضى دون أية مشاكل”.

 

حمالة3

“ما تزال هذه السيرة الخشبية تتأرجح بين البداية والنهاية، فهي بدأت دون مقدمات وتطورت دون تخطيط وما تزال، تتفتح أسرار جمالها البسيط شيئاً فشيئاً، وأما الشغف الذي يربطني بالخشب ومتعة ممارسته التي توفرها لي هذه التحفة فهو يستغرقني بشكل كامل، لا أفكر بنهاية أو حدود لهذه المغامرة، أو بما قد يتغير أو يضاف، المهم أن ما يتم انجازه يبقى كما خرج دون أي تغيير فالأساس في هذا العمل هو الحفاظ على صفة التلقائية والارتجال بغض النظر عن التفاصيل الجمالية التي أعيها تماماً ولكنني أتجاهلها أحياناً، ولا يقتصر هذا الثبات على المفهوم بل يمتد ليشمل ادوات العمل البسيطة، بقايا الأخشاب، الخيوط، منشار يدوي ومطرقة، والتي تشكل برأيي أحد نقاط تميز العمل والمصدر الأساس لعنصر المتعة الجسدية الذي يوفره والذي يعتبر بالنسبة لي الجانب الأهم في عملية الخلق الفني”.

 

صفحة السيارة على موقف فيس بوك

https://www.facebook.com/Foxywoody?fref=ts