“أمي.. لماذا نسي الجميع سوريا عندما بدأت غزّة؟”

يصعب الجواب بسبب محدودية مصادر الإعلام وعدم تعاطف المسئولين، كما بسبب أوجه التشابه والاختلاف بين الحربين.

إيان بلاك, رئيس تحرير قسم الشرق الأوسط, الغارديان, 25 تموز 2014

ترجمة: موقع الحل السوري.

حلب 2

من البديهي أن تجاهد كلٌّ من وكالات الأنباء ومتابعيهم على حد سواء للتعامل بنجاح مع أكثر من أزمة دولية واحدة في الوقت ذاته. فإذا لم تكن الحرب على غزة، ومن بعدها إسقاط الطائرة الماليزية MH17 في أوكرانيا والتي كانت أيضاً حملاً لا يطاق، هي قصص كافية لتذكر. فماذا عن سوريا، والتي تم الإبلاغ عن 1700 حالة وفاة فيها خلال العشرة أيام الماضية فقط؟ لقد أصبحت الثورة ضد بشار الأسد أكبر وأطول حدث من ضمن ما عُرف “بالربيع العربي”.

تغيرت موجة الحرب مؤخراً بسبب النجاحات العسكرية للحكومة، والفوضى الحاصلة في صفوف الثوار، وتزايد مجاهدي داعش في كل من سوريا والعراق… وبسبب الانقسامات الدولية المعيقة والمستمرة أيضاً. من الصعب كتابة تقارير عن سوريا، حيث أوقفت الحكومة منح تأشيرات الدخول للصحفيين إلى سوريا، ويتم العمل بصرامة مع إذن الدخول.

كما أن تقديم التقارير من جانب الثوار عبر تركيا أمر خطير للغاية، إلا أن دخول غزة المحاصرة أسهل بكثير، حيث تتواجد فيها الآن معظم وكالات الأنباء الدولية، وتصلها المساعدات الدولية والبشرية. تتضمن آخر حصيلة 700 قتيل سوري في منطقة حمص خلال يومين فقط، والمئات سقطوا في مواجهاتهم مع داعش حول حقول دير الزور النفطية.

ولمن يريد أن يلعب لعبة الأرقام البشعة، ما تزال النسبة الإجمالية للقتلى الفلسطينيين أقل من 800 فلسطيني متوفٍّ من أصل سكان غزة البالغ عددهم 1.8 مليون. لكن مستويات المجازر في سوريا قد أصبحت أمراً روتينياً من قبل انفجار الأوضاع في غزة مؤخراً. أخبرتني إحدى النساء الليبيات أن ابنتها ذات العشرة أعوام سألتها: “أمي، لماذا نسي الجميع أحوال سوريا عندما بدأت غزّة؟ فأجابتها بأسف قائلة: “نسي الجميع سوريا منذ وقت طويل”.

إن هاتين الأزمتين الشرق أوسطيتين منفصلتان، لكنهما أيضاً مرتبطتان من نواحٍ كثيرة، فقد ذكر الإعلام السوري الحكومي القصف والضربات الجوية من قبل العدو الصهيوني، ذلك الأسلوب المتبع خلال عقود من المواجهات، حيث يعرض صوراً لأطفال فلسطين القتلى، تلك الصور التي تذكّر قسوتها بضحايا براميل الأسد المتفجرة من الشباب والأطفال، والذين لم تظهر صورهم على المحطات التلفزيونية الحكومية. وقد نُشرت في بعض الحالات صور عبر وسائل الإعلام الاجتماعية على أنها حدثت في غزة، لكنها في الأصل وقعت في حلب|، وكأنها لم تكن مؤلمة كفايةً لِتُنشر من حيث حدثت.

الفصل الأخير للحرب غير المتكافئة بين إسرائيل والفلسطينيين أتاحت للأسد فرصة نفض الغبار عن القصة القديمة المتعلقة بـ “محور المقاومة” الذي يضم سوريا وحليفتيها الوفيتين إيران وحزب الله.

ومن المفيد ذكره أن حماس اضطرت رغم ذلك أن تترك مقراتها في دمشق لأنها لم تستطع إرغام نفسها على معارضة الانتفاضة السورية، الأمر الذي يعتبر سبباً في ضعفها الحالي، كما أدى جدلياً ليأسها في اختيار مواجهة عدو متفوق جداً عليها. العداء السوري لجارته الجنوبية حقيقي ما فيه الكفاية، حيث تحتل إسرائيل مرتفعات الجولان، كما تقوم باضطهاد الفلسطينيين “الذين اعتادوا العيش في سوريا بشكل أفضل من أي بلد عربي آخر”، ومع ذلك قام الأسد كما والده من قبل باستغلال القضية الفلسطينية لأغراضه الخاصة. يجادل نديم شحادة، من مركز أبحاث شاثام هاوس قائلاً: “عاد الآن الصراع العربي الإسرائيلي إلى دائرة الضوء، كما عاد الأسد ليستقر ويرتاح في مكانته “، ويضيف: “يستخدم النظام هذا الصراع لإضفاء الشرعية لنفسه، الأمر الذي تتجاهله المعارضة وتصر على مطالب لا علاقة لها بالصراع”.

قاب قوسين، تثير كلا الحربين معاً جدلاً مباشراً، فالإعلاميون الذين يعتبر رأيهم داعماً لإسرائيل متهمون بـ “استخدام سوريا كوسيلة لصرف الانتباه عن جرائم الحرب الإسرائيلية في غزة”، أو “الحرص على التركيز على الأسد وإهمال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو”.

يدعم العديد من مؤيدي المقاومة الفلسطينية الرئيس السوري في حربه ضد الثوار الذين اتصفوا بالمجاهدين المتعصبين الممولين من قبل الدول الخليجية المتصفة بالرجعية والطائفية، بينما تُهمَل الشخصيات المعارضة المتزنة والديمقراطية. يشتكي الإسرائيليون ومؤيديهم من “الانتهاكات المختارة”، وغالباً ما يلمحون للدوافع المعادية للسامية. ومع ذلك، من غير الواضح كم سيساعد اهتمام الإعلام بسوريا، أو حتى قلة تركيزه على غزة، في حل القضية الفلسطينية، ما لم يمكن حلها من قبل العلاقات العامة الأكثر فاعلية.

يحتج النشطاء المناهضون للأسد على “الأممية المختارة” التي تتعارض مع ” العقاب والقتل الجماعي للفلسطينيين والعرب على أرض واحدة من قبل حكومة واحدة، وتدعم، أو تبرر عقابهم والقتل الجماعي لهم لدى الجارة عندما تختلف الحكومة الجانية”.

قد يكون شعاراً مؤثراً تسمية الصراع السوري والفلسطيني ” ثورة واحدة، وحرية لا تتجزأ “، لكن هذه التسمية تتجاهل العديد من جوانب الاختلاف بين الحربين. فمازال هناك شيء مهم واحد مشترك بينهما: حيث لم تحصل هناك أية مفاوضات سلام حول مستقبل سوريا منذ انهيار مؤتمر جنيف المنعقد في شباط بدعم الأمم المتحدة. الأمر ذاته ينطبق على الفلسطينيين والإسرائيليين منذ بدء جهود الوساطة في ماراثون جون كيري في نيسان، والتي ضاعت سدى.

أصبح التنافس بالمجازر الشرق أوسطية أمراً مرهقاً ومملاً بالنسبة للمجتمع الدولي، وتزداد المشاكل التي تركت دون علاج سوءاً، كما تتسبب دوماً بخسائر بشرية رهيبة.