بغداد 31°C
دمشق 22°C
السبت 19 يونيو 2021
قناديل سورية في ألمانيا.. دراسات الترانس إيريا - الحل نت

قناديل سورية في ألمانيا.. دراسات الترانس إيريا


د. محمد حبش

 الترانس إيريا…. هذا هو عنوان المؤتمر الأكاديمي الذي عقدته جامعة روستوك في الشمال الألماني للحوار حول ظاهرة اللاجئين التي تفاقمت في السنوات الأخيرة، وبدت مشكلة عصية وتحدياً صارماً، وأشغلت #أوروبا كلها عن قوس واحدة، وربما كانت سبباً في خروج #بريطانيا من النادي الأوروبي.

 

والترانس إيريا مصطلح جديد ذكي، أو هو على الأقل  جديد على كاتب هذه السطور، وهو تعبير ديمغرافي يهدف إلى دراسة التجمعات البشرية التي تنشأ فجأة في غير سياق تاريخي منضبط، وتقوم عادة في أعقاب حروب طاحنة أو موجات نزوح ولجوء، وتتميز إقامة  الوافدين إليها بأنها غير مستقرة، وأنها إقامة عبور، أو على الأقل  تساكن المقيمين فيها نزعة العبور والانتقال.

وهذا العنوان هو المدخل الأكاديمي لدراسة  ظاهرة اللجوء السوري الرهيب إلى #ألمانيا، والذي يشكل بداية دياسبورا رهيبة مثقلة بالأحزان والعذابات والاسرار.

وربما كان أوضح وعي بدراسات الترانس إيريا هو ما قدمه العلامة ابن عساكر في تاريخ #دمشق، حيث أرخ لها وترجم لرجالها ونسائها بصفتها مركز تفاعل حضاري، وحيت كتب عن أعلام دمشق فإنه أرخ لأبناء دمشق والوافدين إليها والعابرين فيها والكاتبين عنها والناظرين إليها بإحسان.

كان عنوان ورقتي اللاجئون السوريون في ألمانيا ثروة وليسوا أزمة، وكنت سعيداً بقادة الفكر الألماني من الاختصاصيين الذين تجمعوا في جامعة روستوك في الرابع والعشرين من شهر حزيران الجاري، وهم يحملون رؤى وتصورات متقابلة حول ظاهرة اللجوء التي تهز المجتمع الألماني من الأعماق وتتسبب في انقسام حاد في المزاج الشعبي الألماني، وهو الحال نفسه في كل بلاد اللجوء التي استضافت السوريين.

وجامعة روستوك التي تأسست عام 1419 تعتبر من أعرق الجامعات الألمانية وقدمت للبشرية سلسلة مبدعين قلّ أن تقدمهم جامعة أخرى وفيهم ألبرت اينشتاين وماكس بلانك وأوتو اشتيرن والبرشت كوشل وآخرين، ولا تزال تعتبر إلى اليوم من أهم مراكز البحث العلمي في ألمانيا.

قلت لهم: اللاجئون السوريون ثروة وليسوا أزمة، إنهم مسكونون حتى الغاية برغائب السلم، لقد جاؤوا من عصف الحرب وأهوالها وحولتهم هذه الحرب المجنونة إلى عشاق سلام يدركون تماما بؤس العنف ومآتمه وأحزانه ولطمياته، ويتوقون إلى عوالم هادئة ليس فيها قمع ولا قصف ولا ملاجئ ولا رصاص.

اللاجئون السوريون ليسوا متسولين بائسين، يطمحون إلى  معونة السوشل، وكثير منهم لا يعاني  الفقر  أصلاً، ولكنهم يعانون الظلم والقهر، ويسكنهم حب  الحياة والأمل، وهم ينتظرون فرصتهم ليدهشوا العالم، بعد أن حرمهم الاستبداد من حقهم في الإبداع والتنمية والتفوق.

قلت لهم إن الهدف الذي يسعى  إليه الألمان في تحقيق إدماج اجتماعي للمهاجرين بالمجتمع الألماني هو مطلب حيوي، ولكن يجب القول إن الاندماج ليس بعداً واحداً، ومطالبة اللاجئين بالاندماج في المجتمع الألماني  فيها لون من التعالي والنرجسية، فالإدماج عملية متبادلة، وهؤلاء المهاجرون لا يدخلون ألمانيا خاوي الوفاض، إنهم لا يحملون فلوساً كثيرة، ولكنهم يحملون قيماً وفضائل ومواهب تنتظر أن تتفجر.

وحين تطلقون حملة تنقيب عن مواهب اللاجئ السوري في أرض الألمان ستقفون على ما يدهشكم، فهؤلاء المهاجرون المعذبون فيهم العلماء والشعراء والفنانون والعاشقون، وستكون حكاياهم في الدياسبورا الرهيبة ملهمة لفلاسفة ألمانيا، وسيكونون جزءاً حيوياً من حراكها وتوثبها ونجاحها.

هؤلاء  اللاجئون ليسوا شروداً غجرياً تائها في أرض الشراد كما رسمتهم صور الإعلام الانفعالي في طريق اللجوء الرهيب، إنهم في الواقع موجات تثاقف إنساني وتبادل حضاري وتشارك معرفي، وسيجد الالمان في جوانحهم من الحب والعلم والعشق والموهبة ما يجعل الحياة أغنى وأجمل وأبهى.

في لقائي بالسوريين في خطبة الجمعة في روستوك رايت المئات من أبناء  بلادي وقد كتب  عليهم القدر هذا الشراد الرهيب ولكن ضحكاتهم هي نفسها التي  تعودت سماعها بين العصرونية والعمارة والنوفرة، وبين باب الفرج وباب الحديد، آلامهم تطحن الجبال  ولكنهم طافحون بالأمل ويتعلمون بحماس اللغة الألمانية العجيبة وفي خيالهم مشاريع جديدة ستملأ المكان بالحيوية والإبداع.

وفي قراءة حيوية لأهداف المؤتمر فإنني اقدم لكم النموذج السوري التاريخي للترانس إيريا، ففي #سوريا أوضح أشكال التفاعل الثقافي والاجتماعي عبر التاريخ الذي تم عبر سلسلة طويلة من تجارب الترانس إيريا، وفي تاريخها الطويل أسماء كبيرة ألقت بها الأقدار في الشام الشريف طموحاً أو نزوحاً  أو لجوءاً  وحقق هؤلاء امتزاجاً  ثقافياً ومعرفياً غير مسبوق، وأسهموا في جعل الحياة أغنى وأكمل وأجمل.

لقد كان الفتح الإسلامي كله للشام لوناً من الترانس إيريا، ومع أن الشام والعراق أرض  حضارة والمهاجرون أبناء صحراء، ولكن الأرض الخضارية المخصبة أصبحت أكثر خصباً وعطاء بأبناء  الصحراء، وقد رقصت الشام بمشاريعهم الخلاقة وقد نجحوا في تحويل بردى وهو نهر واحد إلى سبعة أنهار، وضاعفوا رقعة غوطتها، وعاش البعير مع الغنم، والنخيل مع الكرز، والسهل مع الجبل، وأصبحت الحياة أجمل وأغنى.

في تاريخ الشام رجال كبار، مروا بالشام في ترانس إيريا بدت عابرة ولكنها انطلقت بأكف  أهل الرسوخ، ومنحتهم فرصة الإنجاز والإعجاز، وهل كان الوليد والرشيد وصلاح الدين ونور الدين وبيبرس وقطز والفارابي والكندي والغزالي إلا ظاهرة ترانس إيريا أنتجت مجداً  ثقافيا وعرفانياً وحضارياً والقائمة تطول، وشواهدها موجودة في كل عصر لوطن سعيد لا  يغلق نوافذه عن نسائم الأمم ويغتني بها ويغنيها ويغني معها.

في #جبل_قاسيون عاشت تجارب المهاجرين  تتكامل في كل عصر، ورسمت الترانس إيريا موزاييك رائعة الجمال، حيث تجاورت هجرات الأمم إلى هذا الجبل المجيد وقامت في الجبل حارة المقادسة ثم حارة الأكراد ثم حارة الشركس والأرمن والأديغة والتركمان والداغستان، وقامت دمشق تدعو كل أمة بكتابها ونشاطها وعطائها وسجل التاريخ ما يكتبون، وأصبح تراثهم وعطاؤهم في سجل التاريخ جزءاً من غنى الشام وتفرده.

وفي الشام كما حلب نزل الموصلي والبغدادي والبصروي والمصري والطرابلسي والاسكندراني والطنطاوي والمكي والمدني والجزائري والمغربي والتونسي والرازي والكرمنشاهي والشيرازي والنيسابوري والقزويني والاسكندراني والاستامبولي والأنقروي، وأمم شتى لا يحصيها إلا الله أصبحت في النهاية جوهر اللوحة الشامية الأصيلة التي اغتنت بكل هذه القيم الجديدة وأصبحت أكثر تفتحاً وإشراقاً.

إنها أمة مارست التفاعل  الثقافي  والحضاري، وهذا هو ما تسميه الأكاديميا الحديثة دراسات الترانس إيريا، والسوريون الذين استقبلوا الهجرات على أرضهم فأنصفوها وطوروها قادرون أن ينجزوا من جديد تلك النجاحات العابرة للقومية والإقليمية والمحلية لحساب قيام الإنسان وإخاء الأديان وكرامة الأوطان.

هل نمارس النرجسية الزائفة حين نروي هذه الحقائق؟ قطعاً لا .. فهذا هو شكل العالم، وهذا هو قيامه وعثاره  في كل أرض أطلقت حضارات متوثبة رائدة، وحين وصل إلى سوريا المسافر المرهق محي الدين ابن عربي قادما من بلنسية في رحلة شراد طويلة منحته دمشق فؤادها وقلبها وصار كعبة العاشقين وروضة المحبة واتخذته الشام حناناً، وحين وصل الأمير عبد القادر الجزائري شريداً مطارداً بوأته الشأم صدر مجالسها ومحافلها، وأصبح زعيمها المطاع وأحيا فيها روح الإخاء الديني، واختار ترابها وهواءها مصيراً أخضر ومرقداً مقدسا نبيلاً.

قلت للأكاديميين الألمان: إنني آمل أن تتأسس في ألمانيا لجان التنقيب عن مواهب السوريين وعلمهم وإبداعهم ونجاحهم، وأنا على يقين من أنهم سيردون التحية بأحسن منها، وسيكونون أوفياء للإنسانية النبيلة التي قدمتها ألمانيا قانوناً ومجتمعاً وزعامات وطنية رشيدة.


التعليقات