سوريا (الحل) – كان إحدى أهم انتكاسات الإعلام العربي، التبعية المطلقة للأنظمة الحاكمة، ليكون مجرد بوق صغير للمسؤولين، وحين انطلقت ثورات الربيع العربي، توقعنا «خيراً» أن ينال التغيير الإعلام أيضاً ويخرج من بوتقة الأنظمة، لكن الإعلام البديل الذي خرج كناطق باسمها كما هو في الحالة السورية، حمل معه أمراض النظام ذاته، ومع مرور الزمن زادت سلبياته وفقد مصداقيته، وتحوّل كلياً عن الأهداف التي خرج من أجلها الشعب السوري، فتحوّل إلى بوق للفصائل بمختلف تسمياتها وتوجهاتها، وبالتالي لم يعد باستطاعة أحد انتقادها، رغم انكشاف مرجعيات بعضها للتنظيمات الجهادية، وذلك خوفاً من الاعتقال أو الاغتيال أو التعذيب، وهذا ما حصل لمن خالفهم الرأي على أيدي من سموهم لاحقاً بـ«شبيحة الثورة».
لقد ظهر الكثير من الفصائل والتنظيمات المسلحة في سورية، بعد انتقال الحراك الشعبي من السلمية إلى السلاح، بعض تلك الفصائل لبس ثياب «الدين وادعى نصرة “أهل الشام”، إلى أن ظهرت حقيقته، حيث تبين سعيه إلى حكم السوريين، وليس تحريرهم من الاستبداد وإسقاط نظام الأسد، إنما أيضا بات ذريعة للنظام والعالم من أجل وأد الثورة السورية.
تلك الفصائل وعلى رأسها “جبهة النصرة” ذات النهج القاعدي المتشدّد، امتدت وسيطرت على بقاع واسعة كانت تسيطر عليها المعارضة السورية المسلحة، وذلك بعد تحويل “الجهاد ضد النظام” إلى “الجهاد ضد المرتدين والبغاة”، حيث باتت النصرة تحت مسمى “هيئة تحرير الشام” وبذراعها “حكومة الإنقاذ” هي المسيطرة على كل جوانب الحياة في إدلب.
واستعاد النظام مناطق واسعة من ريف حماة وإدلب ومناطق مهمة في الثورة مثل ريف حمص والغوطة الشرقية ودرعا بحجة محاربته للإرهاب متمثلا بـ”جبهة النصرة” والتي لم تكن موجودة في تلك المناطق إلا بأعداد صغيرة.
في هذه الوقفة لموقع «الحل السوري» نقف عند الدور الذي لعبه الإعلام المحلي المعارض للنظام السوري، مستطلعا آراء العديد من السوريين في مناطق مختلفة، ورأوا أن هناك جزء من هذا الإعلام أسهم بدور سلبي، حيث كان له دور في الترويج لتلك الفصائل وعلى رأسها “جبهة النصرة”.
ورأى الكثير من السوريين أن العديد من الناشطين الإعلاميين؛ أو وسائل الإعلام وقعت عن قصد أو عن غير قصد في فخ الترويج لتلك الفصائل، عندما ركزوا منذ البداية على أن تلك الفصائل تقوم بمقاومة النظام والدفاع عن الشعب، وتعاموا عن الانتهاكات التي كانت تقوم بها تلك الفصائل المتشددة، وخاصة ضد المدنيين أو عناصر المعارضة، أو عن المشاريع التي تحملها تلك الفصائل من خلال ارتباطها بفكر القاعدة على أقل تقدير.
دور سلبي
يقول “محمد الادلبي” من معرة النعمان لـ«الحل السوري» بعد سؤاله عن دور الناشطين في الترويج للفصائل المتطرفة: إن «هناك ناشطين (لا أريد ذكر اسمهم) كان لهم إسهام كبير في الترويج لكل من (النصرة، وداعش) على أنهم فصائل تريد نصرة السوريين وإسقاط نظام الأسد، وبدأ ذلك منذ قيام جبهة النصرة باحتجاز راهبات معلولا، وهناك ناشطون أظهروا من خلال تلك العملية أن النصرة حمامة سلام».
وأضاف: «كما أن بعض الناشطين من قام بالترويج لـ(داعش، والنصرة) على أقنية تلفزيونية كبيرة أيضاً، فضلاً عن الترويج لهم على حساباته الشخصية في مواقع التواصل الاجتماعي، وهم ناشطون من المفترض أن يكونوا على درجة عالية من الوعي كونهم ليسوا ناشطين إنما صحفيين وإعلاميين، وكان ذلك إما من أجل كسب المشاهدات أو مطلوب منه ذلك».
أما المواطن “وائل جمعة” يرى أن السوريين خدعوا من الفصائل المتشددة عندما تركهم العالم فريسة للنظام والميليشيات الطائفية تقتل وتنكل بهم، إذ ظهرت تلك الفصائل بمظهر المساعد، وبعض الناشطين أو العاملين في الحقل الإعلامي طبعا كان لهم دور سلبي إما من خلال الترويج لتلك الفصائل بغض النظر عن اسمها، أو بالسكوت عن انتهاكاتها.
وتابع أن «تلك الفصائل بدورها كان لها دور كبير في دفع الناشطين لاتخاذ موقف المتفرج من تلك الانتهاكات، حيث دفعوا للسكوت خشية تعرضهم للاغتيال والاعتقال، أو فضلوا مغادرة سورية». مضيفاً في حديثه مع «الحل السوري» أن تلك الحالة وقعت في جميع المناطق، وهناك حالة فريدة يمكن ذكرها، وهي ما يتعلق بموضوع اختطاف وتغييب الناشطة «رزان زيتونة» في الغوطة الشرقية مع مجموعة من الناشطين خطفهم “جيش الإسلام”، وهناك بعض الناشطين لم يكن همهم سوى تلميع ذلك الفصيل والحديث عن بطولاته، ولم يذكروا أي شيء في تلك القضية، أما الناشطين الذين عملوا على فضح جيش الإسلام تعرضوا للضرب والملاحقة والتهديد بالاغتيال.
بدوره يرى “وئام الحموي” أن الناشطين في المجال الإعلامي وخاصة في وقت ما، وقعوا في فخ الترويج للفصائل المتطرفة، وبعض الناشطين لم يكتف بالترويج لها إنما ذهب وبايع وبات جزءاً منها وعلى سبيل المثال الناشط “أبو بلال الحمصي” الذي بايع تنظيم «داعش» وقام بتكفير بقية الناشطين الإعلاميين.
ويذكر أن “أبو بلال الحمصي” قتل في 30 كانون الثاني عام 2015 في غارة جوية على مدينة تدمر، وذلك بعد خروجه من حصار حمص القديمة وإعلانه مبايعة أبي بكر البغدادي، وكان قبل ذلك أحد أبرز الناشطين السوريين على العديد من القنوات الفضائية والراديوهات.
وأضاف “وئام” أن العديد من الناشطين وقعوا في ذلك الخطأ، وربما يمكن تفسيره بأنه نتيجة طبيعية للظروف التي تمر فيها البلاد، سواء من حيث الحالة النفسية التي وقع فيها الناشطون بعد الخذلان، أو من حيث الوضع المادي الذي لعب دوراً كبيراً في استدراج العديد من الناشطين ليكونوا جزءاً من وكالة «أعماق» الناطقة باسم «داعش» ومنهم الناشط الحلبي «ريان مشعل» الذي كان أحد مؤسسيّ وكالة «أعماق» وقتل مع ابنته في ضربة جوية نفذها التحالف على مدينة الميادين”.
الخذلان هو السبب
من جانبه يرى الناشط “باسل فؤاد” الذي عمل في المكتب الإعلامي بحي بابا عمرو مع مجموعة كبيرة من الناشطين”أنه لا يمكن القول إن هناك ناشطين روجوا لبعض الفصائل المتطرفة، لأن تلك الفصائل كانت تخفي وجهها الحقيقي، وفي البداية جاؤوا مختبئين خلف مشاريعهم المتطرفة بشعار نصرة الثورة السورية، وردة الفعل الطبيعة في ذلك الوقت الترحيب بهم.”
وأضاف: “الجميع شاهد كيف انقلب الكثير من هؤلاء الناشطين على تلك الفصائل بعد إعلان تلك المشاريع التي لا تمت بصلة لأهداف الثورة السورية في بناء دولة الحرية والعدالة وصون حقوق الانسان.”
وأشار إلى أن “الحقيقة التي لا بد من قولها هي إن دول العالم وخاصة أمريكا وأصدقاء الشعب السوري ساهموا بشكل أو بآخر بنمو وتمدد تلك الفصائل بسبب عدم اتخاذ قرار حاسم بدعم قوات الجيش الحر ليتخلص من النظام السوري الذي بدوره ساهم بشكل كبير بتوفير بيئة لتلك الفصائل بهدف إضعاف القوى الثورية والقضاء عليها.”
كل ما قيل أنفاً؛ يتطلب العمل المستمرّ وبمصداقية وبجهود الجميع في إيجاد إستراتيجية إعلامية مهنية وأخلاقية، تنظم نفسها بعيداً عن تلك الأبواق، لمواجهة إعلام النظام و«داعش» وجبهة النصرة معاً، ومن لفَّ- لفهما- من الجهات الأخرى التي تساندها بطريقة أو أخرى.
إعداد: جلال بكور – تحرير: أروى السعدي

