ما بعد الحوار الاستراتيجي بين واشنطن وبغداد: هل ستستطيع الحكومة العراقية مواجهة التحديات السياسية والأمنية بعد الانسحاب الأميركي؟

ما بعد الحوار الاستراتيجي بين واشنطن وبغداد: هل ستستطيع الحكومة العراقية مواجهة التحديات السياسية والأمنية بعد الانسحاب الأميركي؟

بأغلبية مؤيدة استقبلت القوى السياسية العراقية ما آلت إليه الجولة الرابعة من الحوار الاستراتيجي بين العراق والولايات المتحدة، التي اقيمت في واشنطن، وخلصت إلى الاتفاق على قرار بسحب القوات القتالية الأميركية من العراق، بحلول الحادي والثلاثين من كانون الأول/ ديسمبر المقبل.

وعلى الرغم من إصرار القوى السياسية الموالية لإيران على الانسحاب الفوري للقوات الأميركية من البلاد، إلا أنها لم تعترض على موعد الانسحاب المُحدد في الاتفاق، والذي سيحّل بعد عدة أشهر، فيما شككت قوى سياسية سنيّة بإمكانية الانسحاب، وشددت على ضرورة عدم إجرائه.
موقع «الحل نت» استقصى مواقف القوى العراقية المختلفة من مخرجات الحوار الاستراتيجي مع واشنطن، ودوافع الترحيب أو التشكيك به، ومنظورات الحكومة العراقية للفترة المقبلة، والعلاقات المستقبلية مع الولايات المتحدة.

 

علاقة قرار سحب القوات القتالية بالانتخابات المبكرة

وكشف مصدر مقرّب من رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي لموقع «الحل نت» عن كواليس الحوار الذي جرى في واشنطن، مؤكداً أن «الكاظمي أبلغ وزير الخارجية العراقي “فؤاد حسين”، قبيل سفره إلى واشنطن لإدارة الحوار، أن يطلب من الجانب الأميركي قراراً واضحاً، لا لبس فيه، بالانسحاب، لأن الوضع على الأرض محرج جداً للحكومة العراقية، التي تبحث عن تهدئة ترضي القوى الشيعية، الرافضة للوجود الأميركي، وذلك لضمان إجراء الانتخابات التشريعية المبكرة في موعدها، دون مشاكل أو مخاوف من خروقات جسيمة، تؤثّر على مصداقية النتائج».

ويضيف المصدر، الذي رفض نشر اسمه أو صفته الرسمية، أن «المفاوضين الأميركيين ردوا بإيجابية على المطالب العراقية، وأكدوا أن أولوية الولايات المتحدة هي إجراء الانتخابات بموعدها، وبمستوى مطمئن من المصداقية، لتعبّر بوضوح عن إرادة الشعب العراقي؛ وأن واشنطن مستعدة لدعم أي توجّه يحقق هذا الهدف».

الموقف الأميركي، بحسب المصدر، «وفّر أريحية كبيرة، كان رئيس الوزراء العراقي بأمس الحاجة لها قبل سفره لواشنطن، فقد أبلغ القوى السياسية العراقية بالموقف الأميركي المؤيد للانسحاب، وهو ما قوبل باستحسان شيعي، خاصة من القوى المصرّة على تصعيد الموقف قبيل الانتخابات، للتأثير على موعدها، بل وربما تأجيلها لأجل غير مسمى، طالما ظل رئيس الحكومة مصراً على إبقاء الوجود الأميركي».

 

انسحاب القوات القتالية مقابل تعزيز التواجد بالقواعد العسكرية

ويرى مراقبون عراقيون أن «القرار الأميركي بسحب القوات القتالية يتناغم أيضاً مع مصالح واشنطن».

وهو ما يؤكده “علاء مصطفى”، أستاذ العلوم السياسية في جامعة بغداد، الذي يقول لموقع «الحل نت» إن «مصالح الولايات المتحدة هي من دفعتها لإصدار قرار بسحب قواتها القتالية من العراق، وليس التصعيد، الذي تقوم به قوى شيعية، بالتزامن مع اقتراب الانتخابات العراقية».

ويضيف: «الولايات المتحدة تريد تعزيز تواجدها على الأراضي العراقية بشكل استراتيجي، ليس عبر القوات القتالية المتحرّكة، بل من خلال ضمان سلامة قواعدها العسكرية الثابتة، وخاصةً قاعدة “عين الأسد” بمحافظة الأنبار غربي العراق. فهي تؤمّن بذلك تعزيز موقفها في الصراع مع إيران، قبيل مفاوضات فيينا بشأن البرنامج الإيراني النووي، وأيضاً حماية الأمن القومي الإسرائيلي، لأن تواجد قواعد أميركية غربي العراق يمنع وصول أية صواريخ إيرانية إلى إسرائيل».

وعن موقف الحكومة العراقية يرى “مصطفى” أن «الكاظمي كان ذكياً بتشكيله وفداً برئاسته، يضم لاعبين رئيسيين من المكونين الكردي والشيعي. أبرزهم وزير الخارجية العراقي “فؤاد الحسين”، المنحدر من المكون الكردي؛ ومستشار الأمن القومي العراقي “قاسم الأعرجي”، المنتمي لمنظمة “بدر” الشيعية، بزعامة “هادي العامري”، وهكذا ضمن الكاظمي فتح قناة اتصال مع القوى السياسية الكردية من جهة، والفصائل الشيعية المسلّحة من جهة أخرى، لضمان كسب رضى تلك الفصائل، واحترامها للاتفاق الاستراتيجي مع الولايات المتحدة، دون تجاهل موقف الكُرد ومصالحهم».

 

ترحيب شيعي

وعطفاً على تحليلات “مصطفى” يمكن رصد حالة من الارتياح بين الأطراف الشيعية المقرّبة من إيران، التي رحّبت بالاتفاق، لكنها حذّرت من عدم تطبيقه.

“كاظم الفرطوسي”، المتحدث باسم ميلشيا “كتائب سيد الشهداء”، أكد لموقع «الحل نت» أن «الحكومة العراقية حققت منجزاً بتثبيت موعد انسحاب القوات القتالية الأميركية، مع ملاحظة أن موقفها أثبت وجود هذه القوات، رغم أنها كانت تنكر ذلك فيما سبق. على كل حال سننتظر ونرى، هل سيتحقق الانسحاب أم لا، إذ سيكون لنا موقف على الأرض إن لم يتم».

وفي رده على تشكيك الأطراف الرافضة للانسحاب قال “الفرطوسي”: «لسنا بحاجة لبقاء الأميركيين تحت أي ظرف، وما يقال عن ضرورتهم لقتال تنظيم داعش غير واقعي، فمن هزم داعش، في فترة ما بعد سقوط الموصل في حزيران/يونيو 2014، هو القوات العراقية، وعلى رأسها الحشد الشعبي والجيش والشرطة، وليس الأميركيين. ومن يعتبر القوات الأميركية صديقة للشعب العراقي مستفيدٌ من وجودها وانتهاكها للسيادة العراقية».

 

تشكيك سني وكردي

من جانب آخر بدا الطرفان السني والكردي غير مرتاحين لانسحاب القوات القتالية الأميركية.

“مصطفى الدليمي”، السياسي العراقي المعارض، المنحدر من محافظة الأنبار ذات الأغلبية السنية، أكد لموقع «الحل نت» أن «العراق لن يتحمّل تكرار سيناريو ما حدث في عامي 2013 و2014، بعد الانسحاب الأميركي نهاية عام 2011، حين ظهر تنظيم داعش. وما يحصل في أفغانستان مؤخراً، من تقدم حركة طالبان بعد انسحاب الأميركيين، إشارة واضحة إلى العواقب المحتملة للانسحاب».

ويشدد السياسي السني على أن «العراق ليس حقل تجارب، ويجب أن تخرج إيران أولاً من البلاد، لا أن تُترك لها الفرص على الأرض لتتمدد وتقوى أكثر، وتنشئ مجاميع إرهابية جديدة».

وعن البديل المتوقع بعد الخروج الأميركي يقول “الدليمي”: «الانسحاب لن يترك بديلاً سوى الميلشيات المرتبطة بإيران، والتي تقتل أبناء جلدتها من المكون الشيعي، من أجل إرضاء طهران. هذه الميلشيات، رغم كل ادعاءاتها، أضعف من أن تواجه أميركا، وهي تعلم جيداً أن الأميركيين لن يخرجوا نهائياً من العراق، إلا أنها تحاول الاستفادة من الموقف قدر الإمكان».

أما “صبحي المندلاوي”، عضو الحزب الديمقراطي الكردستاني الحاكم في إقليم كردستان العراق، فيرى أنه «لا توجد أية مؤشرات على أن الانسحاب يأتي في الوقت المناسب».

ويوضح، في تصريحاته لـ«الحل نت»، أن «التواجد الأميركي ضروري، والانسحاب يضرّ بالعراق. فهناك تداخل إقليمي يمنع الحكومة العراقية والقوات الأمنية من بسط الأمن بشكل كامل في البلاد؛ وهناك أزمات وانتخابات وصراع سياسي واضح، وكل هذا يتطلّب تواجد القوات الأميركية، بوصفها طرفاً داعماً للحكومة العراقية، في مواجهة هذه التحديات».

مختتماً حديثه بالقول: «الوضع المتدهور في العراق لا يوفّر أية ضمانات، تمنع اعتداء داعش أو أية جهة مسلحة على إقليم كردستان بعد الانسحاب. والعمليات الإرهابية والضربات الصاروخية الأخيرة في أربيل تؤكد أن هنالك تهديداً، ربما يتصاعد خطره بعد خروج الأميركيين. نحتاج لتحقيق الاستقرار في البلاد، قبل أي تحرك أميركي نحو تقليل التواجد أو الانسحاب».