الشَّيخُ الذي خَسر رصيده الاجتماعي في دمشق لن يجده في إعزاز

الشَّيخُ الذي خَسر رصيده الاجتماعي في دمشق لن يجده في إعزاز

أثارت خطبة رئيس المجلس الإسلامي السوري، الشيخ أسامة الرفاعي، التي ألقاها في زيارته الأولى إلى مدينة إعزاز، في الشمال السوري الذي تحكمه فصائل الجيش الوطني والجبهة الشامية، المدعومة من تركيا، أثارت الكثير من الجدل، وتحديداً بسبب مهاجمتها للنشاط النسوي الذي تقوم به منظمات المجتمع المدني؛ حيث وصل الأمر بالشيخ الرفاعي إلى تخوين الناشطات العاملات في المجال الإنساني والإغاثي والتوعوي، في الشمال السوري، بوصفهن بـ”المجندات” من الأمم المتحدة والغرب، لـ”ضرب الأسرة التي يفتقدها الغرب”، و”نشر الإلحاد”، و”تحرر المرأة والجندر” وغير ذلك من الأفكار الخارجة عما هو متعارف عليه عرفياً واجتماعياً.

تجاوز خطاب الشيخ الرفاعي صيغة الوعظ إلى صيغة التحريض على النساء الناشطات في مجالات العمل الإنساني والمدني، ما أثار انتقادات واسعة له في أوساط المنظمات الحقوقية والنسوية، ومنها بيان أصدره اللوبي النسوي السوري انتقد فيه خطبة الشيخ، ما أربك المدافعين عن موقف الرفاعي، خاصة بعد انتشار جرائم الشرف في الفترة الأخيرة، واستهداف ما لا يقل عن 67 امرأة، بسبب عملهن الإنساني، في الشمال السوري، في الفترة بين آذار 2020، وآذار 2021، بحسب “الشبكة السورية لحقوق الإنسان”.

عدا عن تناسي الشيخ أن تلك المنظمات النسوية تقمن بتأمين فرص عمل للنساء، وأن الآلاف منهن أصبحن معيلات للأسر النازحة في المخيمات وغيرها، والكثير منهن يبحثن عن العمل على قارعة الطريق؛ وأعطى الشيخ الأولوية للجانب الأخلاقي، وليس للمعركة السياسية والعسكرية، متجاهلاً أزمة فساد الفصائل المدعومة من تركيا، واقتتالها المستمر على المعابر، وقد التقاها كلها في زيارته تلك، وناسياً حصار درعا، والهجوم على إدلب، وأزمة المعتقلين، والمخيمات، حيث انتهت خطبته، حتى دون ذكر دعاء لكل أولئك بالفرج القريب.

إن كتلة مريدي الشيخ أسامة الأصليين، هم في دمشق، حين كان أبرز رموز المشيخة الشامية، وخطيب مسجد زيد بن ثابت في كفرسوسة بدمشق، وتوسع جمهوره، عبر مشاريع جماعة زيد الخيرية، التي يموِّلها بسخاء تجارٌ دمشقيون، وفق التقليد الشامي المعتاد، وكانت تلك الجمعيات الخيرية تخص بالمنفعة شبان دمشق وحدهم (بعضها انتشر في الريف بحدود ضيقة)، وهدفها السيطرة على المجتمع الدمشقي، وحماية هويَّته المحافظة؛ لدرجة أن انتشار نشاط تلك الجماعة، مكَّن الشيخ، عبر سلسلة من الخطب بعنوان “الدفاع عن المرأة المسلمة”، من تعطيل فعالية تعاونٍ بين النظام السوري والأمم المتحدة حول مشروع تحديد النسل، في 2006، وذلك حسب رواية الشيخ نفسه، في نهاية خطبة إعزاز الأخيرة.

اتخذ الشيخ موقفاً جريئاً بمعارضة نظام الأسد، انتهى به بمغادرة دمشق إلى اسطنبول، منتقلاً بذلك من المجال الدعوي إلى المجال السياسي، حيث تنشط المعارضة السورية هناك، والتي يسيطر عليها الإخوان المسلمون؛ وأسس رابطة علماء دمشق؛ وظن أن موقفه هذا سيستقطب جمهوره الشامي، الأمر الذي لم يحصل وفق ما اعتقد الشيخ وتمنَّى.

الشيخ المتشدد في فكره المحافظ، لا يجيد لعبة السياسة، ويرفض أن يتخلى عن خطاب وأدوات المشيخة الشامية التقليدية، والاستعلائية أحياناً في التعاطي مع الفصائل، ذات الطابع الريفي، دون أن يدرك تغير المكان والزمان والجمهور؛ فأسس المجلس الإسلامي السوري، برفقة 128 عالم دين وداعية دمشقيون، وفشل في إشراك الفصائل الإسلامية فيه، حيث أراد هو، وزملاؤه، التحكم في قرارات المجلس، والهيمنة على المجال الديني للفصائل، الأمر الذي دفع بتلك الفصائل إلى الانسحاب من المجلس.

انتعش نشاط المجلس مجدداً في 2018، مع قدوم وافدين مهجرين من غوطة دمشق، ما قوى مكانته الاجتماعية، وحاول مراراً العمل على توحيد المجال الديني المتشظي في مناطق سيطرة الفصائل المدعومة من تركيا، وهو ما يظهر في زيارته لإعزاز مؤخراً، حيث تتولى المجالس المحلية التابعة للحكومة المؤقتة، الجناح التنفيذي للائتلاف السوري، مهمة الشأن الديني بدعم من وقف الديانة التركي، فيما لجيش الإسلام مرجعياته الخاصة وحاضنته الشرعية من مهجري الغوطة، ويعمل المجلس الشرعي التابع للمجلس الإسلامي السوري بدوره في تلك المناطق، وهناك علماء دين أكراد، التقاهم الشيخ.

وضع الشيخ الرفاعي في إعزاز، بالاتفاق مع الحكومة المؤقتة، حجر الأساس لإنشاء جسم خاص بالحكومة، يحاكي بوظيفته وزارة أوقاف النظام، ويحاكي أيضاً المجلس الأعلى للإفتاء الذي أنشأته وزارة أوقاف حكومة الإنقاذ التابعة لهيئة تحرير الشام في إدلب، والذي استطاع السيطرة على المجال الديني، وبمركزية شديدة، فرضت المرجعية السلفية، المغايرة لشكل التدين الصوفي السائد لدى عموم الشعب السوري.

إذا كان الشيخ الرفاعي يريد من توحيد المرجعية الدينية، في المناطق الخاضعة للفصائل المدعومة من تركيا، أن يواجه الخطاب السلفي لهيئة تحرير الشام في إدلب، فإنه يلتقي بالضرورة مع خطابات رئيس النظام في دمشق مؤخراً، والتي يعطي فيها أولوية للإصلاح الديني والاجتماعي والأسري، وأن أزمتنا هي أزمة أخلاق، ومعركتنا هنا قبل كل شيء، في محاكاة للمطالب التاريخية للتيار الصوفي التقليدي في دمشق، وإلهاءً للمجتمع عن فشل النظام في معركته المزعومة ضد الإرهاب والمتآمرين، وفي إدارة أزمته الاقتصادية، وفي محاولة لترسيخ المفهوم الأبوي البطرياركي التقليدي في دمشق خصوصاً، وعموم سوريا، لإخضاع المجتمع، في تزاوج واضح للسلطة الأبوية بالسلطة السياسية من جهة، وفي سعي من النظام لاحتكار تمثيل الهوية الإسلامية السنية  التقليدية في دمشق.

الشيخ أسامة الرفاعي يسعى بدوره إلى هذا التمثيل، عبر جذب المزيد من المريدين، لكنه سقط في خطأ كبير أثار نقمة معارضيه، وأربك داعميه، ومنهم الإخوانيون الذين يعملون في المجالات الإغاثية والمدنية، ونفَّر منه بعض مريديه السابقين، خاصة من النساء، ومنهن الناشطة بيان الريحاوي، تلميذته في دمشق سابقاً، والتي انتقدت خطبة الشيخ ومهاجمته للنشاط النسوي.

يدخل الشيخ المخضرم دائرة العمل السياسي، بأدوات خطابية قديمة لم تعد تتلاءم مع التغييرات الجذرية التي ألمت بالمجتمع السوري طيلة سنوات الحرب والتهجير العشرة، حيث سمحت الهجرة إلى الغرب بالاطلاع على ثقافات أخرى، وتقبلها خاصة من النساء، كونها تنصفهن، وتحترم عقولهن، وأنهن مسؤولات عن أنفسهن، ولا يحتجن إلى رب أسرة لرعايتهن، كما يريد الشيخ، وسمحت وسائل التواصل والإنترنت للجميع بهذا الاطلاع.

شيخنا الرفاعي، بعقله المحافظ والفئوي، لا يستطيع مواكبة كل هذا التغيير الإجباري في المجتمع، ولا يملك غير التخويف منه، وشيطنة الآخر، المرأة والمنظمات النسوية، والإنترنت، والأمم المتحدة والغرب.

يفشل الشيخ بأدواته التقليدية، وعدم قراءته للواقع، في الدعوة إلى التمسك بما يسميه “الهوية السورية المحافظة”، ولعله بذلك يتمنى لو يرجع به الزمن إلى 2011، لتغيير موقفه من النظام، والبقاء في دمشق، حيث رصيده الاجتماعي التاريخي، وحيث يلتقي مع خطاب رأس النظام في أولوية الإصلاح الديني والاجتماعي والحفاظ على الأسرة، ولكن، تحت جناح وزارة الأوقاف ومجلس إفتائها.