لماذا أُبعِدت النساء عن الفلسفة وصارت حكراً على الرجال؟

لماذا أُبعِدت النساء عن الفلسفة وصارت حكراً على الرجال؟

يقول الدكتور “إمام عبد الفتاح إمام” رئيس قسم الفلسفة في جامعة الكويت مؤلف كتاب (نساء فلاسفة)، أنَّ الهدف من كتابه هو إعادة الثقة للمرأة العربية والدعوة لنبذ الفكرة الساذجة التي تقول بأن “النساء ناقصات عقل” وذلك من خلال الإثبات عن طريق الشواهد التاريخية بأنَّ العديد من النساء اشتغلن  في الفلسفة وقدمن الكثير من الأفكار الفلسفية الهامة والفارقة.

يهدم “إمام” الفكرة التي تحولت إلى بديهية والتي تقول إن تاريخ الفلسفة هو تاريخ الفلاسفة الرجال، مبيناً أن المؤرخون الغربيون من أمثال (فيندلبنت، وكونوفيشر، وكوبلستون، وإميل برييه) وحتى المؤرخون الفلاسفة أمثال (هيغل وراسل) عندما دوّنوا تاريخ الفلسفة استعرضوا أفكار الرجال ومذاهبهم، دون أن توجد إشارة واحدة إلى الفلاسفة النساء، باستثناء فيلسوفة  مدينة الإسكندرية “هيباتيا” الأفلاطونية المحدثة التي يذكرون اسمها على استحياء، لأن قصتها الشهيرة – تحولت إلى فيلم اسمه Agora- أشهر من أن يتم تجاهلها.

لماذا لا نجد “نساء فلاسفة”؟

يتساءل رئيس قسم الفلسفة عن سبب إسقاط الفلاسفة النساء من التاريخ، موضحاً أنه لو طرح هذا السؤال على المؤرخين الرجال لكانت إجاباتهم على الشكل التالي: «لأن المرأة رقيقة وعاطفية وانفعالية وليس لديها القدرة على التفكير المجرد!». أو «إن الفلسفة تحتاج إلى عقل مبدع والقدرة العقلية للنساء لا تسمح لهن بذلك!».

ويرد “إمام” إن الحملة التي تُشن على عقل المرأة وتزعم عدم قدرتها على التفلسف، تتغافل عن الدور البارز الذي تلعبه الظروف الاجتماعية والدينية وظروف استعباد الرجال للنساء وسيطرتهم عليهن طويلاً، وما ترتب على ذلك من عدم إتاحة الفرصة للنساء للتعلم وإظهار قدراتهن العقلية والإبداعية.

العنصرية بشكليها ضد النساء وضد العقل الشرقي:

يقارب صاحب كتاب (الفلاسفة النساء) العنصرية التي يتعرض لها عقل المرأة وتلك التي كانت تُمارس خلال فترة الاستعمار الغربي ضد العقل الشرقي.

حيث ظهرت نظريات مفادها أنَّ العقل الشرقي أقل من العقل الغربي وبالتالي الشرق بحاجة إلى الاستعمار الغربي حتى يلحق بركب الحضارة.

موضحاً أنَّ هذه الفكرة أيضاً تسقط عامل البيئة والظروف وتتغافل عن الأثر السلبي للبيئة الشرقية، متهمة العقل الشرقي بالقصور، والأصح القول: إنَّ الظروف والبيئة أعاقت العقل الشرقي والدليل وجود نماذج مضيئة في العقل الشرقي أثبتت جدارتها عندما واتتها الفرصة، وكذلك حال النساء في الفلسفة.

ويرجع رئيس قسم الفلسفة عدم رغبة الرجل بالاعتراف بالقدرات العقلية للمرأة إلى رغبته في إبقاء المرأة في وضع أدنى لكي تخدمه، وتعطيه الوقت اللازم ليمارس هو حياته ومهامه وتطوره.

ولذلك برأيه، لجأ العديد من الفلاسفة وعلى رأسهم أرسطو إلى التأصيل لفكرة دنو عقل المرأة، محولين العادات والتقاليد الذكورية وما يترتب عليها من نساء غير قادرة على الإنتاج والإبداع إلى نظريات فلسفية تنم عن الكراهية للمرأة.

نيرون عدو الفلسفة وكذلك الذكورية:

ويتابع  “إمام”: الظروف الاجتماعية والسياسية والدينية والاقتصادية، هي التي منعت المرأة من التفلسف وليس بسبب “نقص” أو “خلل” في قدراتها العقلية، الظروف التي مرت بها المرأة هي التي مكنت الرجل من استعبادها وتحويلها إلى حريم.

في المقابل، عندما خضع الرجل لطغاة عبر التاريخ حرّموا عليه التفلسف على نحو ما فعل الإمبراطور الروماني “نيرون” وغيره اختفت الفلسفة أيضا حتى بالنسبة للرجل، ومعنى ذلك أنه لو مرَّ الرجل بظروف القهر والقمع التي مرّت بها النساء، لكان هو الأدنى والعاجز عن التفلسف.

يختم “إمام” دفاعه عن قدرات المرأة على التفلسف بأدلة استخدمها الأديب والمفكر “عباس محمود عقاد” في كتابه (أثر العرب في الحضارة الأوروبية) للتأكيد على قدرة العقل العربي على التفلسف، رداً على اتهام الغرب العقل العربي بالقصور فلسفيا.

“إمام” استعار إحدى أدلة “العقاد” وهي أن مجرد “فهم” الفلسفة وحده؛ دليل على قدرة عقلية متقدمة، «فإذا وجدنا من النساء من استطاعت أن تفهم الفلسفة وأن تناقش موضوعاتها وأن تدلي في قضاياها، فذلك دليل قوي على قدرتها العقلية، حتى لو لم تبدع لنفسها فلسفة مستقلة».