الدكة العشائرية في العراق: هل يختلف سلاح العشائر المنفلت عن سلاح الميلشيات الولائية؟

الدكة العشائرية في العراق: هل يختلف سلاح العشائر المنفلت عن سلاح الميلشيات الولائية؟

مع استفحال ظاهرة الدكة العشائرية في العراق وجّه مجلس القضاء العراقي، في الثامن من تشرين الثاني/نوفمبر 2018، الأجهزة الأمنية والقضائية بالتعامل مع قضايا الدكات العشائرية وفق قانون مكافحة الاٍرهاب. إلا أن تطبيق هذا التوجيه كان خجولاً إلى حد كبير. ما أدى لتحوّل النزاعات العشائرية إلى معارك كبرى.  تُستخدم فيها الأسلحة المتوسطة والرشاشات الثقيلة. وحتى مدافع الهاون.

وتعرّف الدكة العشائرية بقيام مجموعة، تنتمي لعشيرة أو قبيلة ما، بإطلاق الرصاص على منازل آخرين. ينتمون لعشيرة أخرى. بهدف دفعهم لدفع تعويضات (دية، فدية، إتاوة، غرامة). أو الخضوع لحكم عشائري.

الحكومة العراقية تجري بين فترة وأخرى عمليات أمنية. تسعى من خلالها للقضاء على السلاح المنفلت بين العشائر. إلا أن الإخيرة تقوم، بعد كل عملية، بتسليم بعض الأسلحة الخفيفة للشرطة. وتحتفظ بالأسلحة الثقيلة في مخازن مؤمّنة. لاستخدامها بين الحين والآخر في الدكات والنزاعات العشائرية.

كثير من المحللين يرون أن مشكلة الدكة العشائرية والسلاح المنفلت بأيدي العشائر جانب من مشكلة أعم في العراق. وهي عدم احتكار الدولة العراقية للعنف. فليست العشائر وحدها من يمتلك سلاحاً غير شرعي. بل عشرات الفصائل والميلشيات، التي تعدّ أذرعاً سياسية لأحزاب مشاركة في السلطة. إلا أن محللين آخرين يذهبون إلى ما هو أبعد. أي الربط المباشر بين سلاح العشائر وسلاح الميلشيات. خاصة في الجنوب العراقي.

 

الدكة العشائرية تجتاح البلاد

ظاهرة الدكة العشائرية لا تقتصر على جنوب العراق. إذا يورد مصدر أمني لموقع «الحل نت» مثالاً عن دكة عشائرية. دارت بالأسلحة الخفيفة والمتوسطة في منطقة “الكمالية” شرقي العاصمة بغداد. وأودت بحياة شخصين وجرح ثالت بإصابات خطيرة.

المصدر الأمني، الذي رفض نشر اسمه، أكد أن «النزاع اندلع بين عشيرتي “شمر” و”عكيل”. بسبب عربة لبيع الطعام تعود لأحد أفراد عشيرة “شمر”، كانت منصوبة قرب منزل شخص من عشيرة “عكيل”. وتحوّلت المشادة الكلامية بين الطرفين إلى مواجهة عنيفة بين أفراد العشيرتين. لتشهد المنطقة دكات متعددة. روّعت الآمنين. وأدت لإحراق عدد من المنازل».

ولدى توجه موقع «الحل نت» إلى وزارة الداخلية العراقية بشكل رسمي، لسؤالها عن هذه الحادثة، أكد “سعد معن”، المتحدث باسم الوزارة، أنها «تمكنت من القاء القبض عدد من المتهمين بالمشاركة بهذه الدكة العشائرية. وهم معتقلون الآن بموجب المادة الرابعة من قانون مكافحة الإرهاب العراقي».

ومن جهته بيّن اللواء “تحسين الخفاجي”، المتحدث باسم قيادة العمليات المشتركة العراقية، في تصريح صحفي أن «هناك عملًا كبيرًا من قبل وزارة الداخلية وقيادة العمليات المشتركة العراقية. لمتابعة ملف النزاعات والدكات العشائرية. من خلال جهة مختصة، تعمل على الاتصال برؤساء العشائر وشيوخها. فضلًا عن أن هناك عملًا كبيرًا تم تحقيقه مع وجهاء العشائر».

ورغم استفحال ظاهرة الدكة العشائرية. حتى في قلب المناطق الحضرية بوسط البلاد، فإن احصائيات وزارة الداخلية العراقية تؤكد أن الجنوب العراقي يبقى المنطقة التي تشهد الدكات العشائرية الأكبر. فقد جاءت محافظة البصرة في المرتبة الأولى في النزاعات العشائرية، تليها محافظات ذي قار وميسان. ومن ثم وبغداد وواسط. وأودت ظاهرة الدكة العشائرية، منذ بداية العام الحالي، بحياة واحد وعشرين شخصاً.

 

زعماء عشائريون من الجنوب: «فقدنا السيطرة على الدكة العشائرية»

وبالاتجاه إلى جنوب البلاد يحمّل الشيخ “علي الفرطوسي”،  شيخ إحدى العشائر في محافظة ميسان العراقية، مسؤولية استفحال ظاهرة الدكة العشائرية للأحزاب المتنفذة في البلاد. مؤكداً، في حديثه لـ«الحل نت»، أن «تعدد الأحزاب والمليشيات والفصائل المسلّحة أضعف كثيراً القانون العراقي. وأسهم بأن تكون أعراف العشيرة أقوى من المؤسسات الأمنية. وهذا أدى بدوره إلى انتشار الفوضى وسط العشائر نفسها. إذ اصبحت الدكة العشائرية تنفّذ لأسباب تافهة وبسيطة. وربما تكون مجرد رد فعل شخصي. دون العودة إلى مشيخة العشيرة».

“اتلا الهيص”، شيخ عشيرة “زبيد”، أكد كلام الشيخ “الفرطوسي”. كاشفاً لموقع «الحل نت» عن مصادر الأسلحة، التي تحصل عليها العشائر في الجنوب العراقي: «هذه الأسلحة تدخل إلى العراق عبر منافذ خاصة. تعرفها الدولة العراقية والأحزاب المتنفذة فيها. ومن يدفع المال يحصل عليها. وقد كان قائد شرطة البصرة “رشيد فليح” قد أعلن، في إحدى مقابلاته الصحفية، أن  هناك عشائر تملك أسلحة تكفي لتسليح عدة فرق عسكرية. وهذا دليل واضح على أن الدولة العراقية على علم كامل بمدى وكيفية انتشار الأسلحة بين العشائر».

أما عن دور الميلشيات الولائية، التي تسيطر على محافظات الجنوب، في ظاهرة الدكة العشائرية، فيؤكد الشيخ “الهيص” أن «كثير من أبناء العشائر هم أعضاء في هذه الميلشيات. وبالتالي لا تعلب الميلشيات الولائية أي دور تحكيمي في فض أو حل النزاعات العشائرية. بل ربما تكون طرفاً مشاركاً في الدكات التي تشهدها المحافظات. فيختلط العشائري بالميلشياوي».

 

هيبة الدولة أم شرف العشائر؟

من جهته يؤكد “على البيدر”، الكاتب والمحلل السياسي العراقي، إفادات مشايخ الجنوب، مشدداً على أن «العراق من البلدان ذات الحدود المفتوحة. كما أنه خاض كثيراً من الحروب. ومواطنوه خدموا طويلاً في الجيوش والفرق العسكرية والميلشيات. ولذلك ليس من الصعب عليهم حيازة وتهريب واستخدام الأسلحة. وساهمت عمليات الفساد داخل المؤسسات الأمنية في استفحال الوضع. وتصاعد ظاهرة الدكة العشائرية. إذ يلعب عدد من كبار الضباط دوراً في تسريب السلاح للعشائر».

ويتابع “البيدر” في حديثه لـ«الحل نت»: «علينا أن لا ننسى أن أبناء بعض العشائر ينتمون للمليشيات والفصائل المسلحة. وهذا يعدّ أحد مصادر تأمين السلاح للعشيرة. ومن المعروف أن من لا يمتلك السلاح في المحافظات الجنوبية يعتبر قاصراً عن حماية شرفه. ولذلك فإن موقف الجهات الأمنية في الجنوب ضعيف ومخجل. فهي تقف في كل دكة عشائرية تحدث موقف المتفرج. لأنها تخشى رد فعل العشائر، التي تهددها بالانتقام في حال تدخّلت. واعتقلت المتورطين في الدكات».

ويختتم المحلل السياسي حديثه بالقول: «نحن بحاجة إلى تضافر الجهود الإعلامية والتربوية والأمنية والقانونية والسياسية للقضاء على ظاهرة الدكة العشائرية. والتعاون مع رؤساء العشائر العراقية. والتفاوض والتفاهم معهم. لاستغلال سلطتهم المعنوية على أبناء عشائرهم».

كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول تقارير وتحقيقات