انتفاضة تشرين في العراق: ما الذي حققه “التشرينيون” بعد عامين من حراكهم الاحتجاجي؟

انتفاضة تشرين في العراق: ما الذي حققه “التشرينيون” بعد عامين من حراكهم الاحتجاجي؟

مرّ عامان على اندلاع انتفاضة تشرين في العراق، التي بدأت في مطلع شهر تشرين الأول/أكتوبر، واستمرت حتى منتصف شهر آذار/مارس 2020. وشهد الواقع السياسي بالعراق في هذين العامين عديداً من المنعطفات. لعل من أهمها استقالة حكومة رئيس الوزراء العراقي السابق “عادل عبد المهدي”، ومجيء حكومة جديدة برئاسة مصطفى الكاظمي. ناهيك عن تحديد موعد للانتخابات التشريعية المبكرة، التي ستجرى في العاشر من الشهر الجاري. إضافة إلى إعداد قانون انتخابات جديد.

وبحلول الذكرى الثانية لانتفاضة تشرين حاول موقع «الحل نت» استطلاع آراء عدد من الناشطين والمحللين السياسيين،  بشأن ما حققته الانتفاضة. ورأي “التشرينيين” بالانتخابات المبكرة، التي كانت مطلب الانتفاضة.

 

انتفاضة تشرين وكسر الحواجز

“لوديا ريمون”، الناشطة والمتظاهرة البارزة إبان الاحتجاجات العراقية، قالت لموقع «الحل نت»: «انتفاضة تشرين لم تحقّق أية مكتسبات بعد. لكن هناك بعض الإيجابيات. منها أنها خلقت الوعي لدى الشباب بضرورة التغيير، والوقوف بوجه الأحزاب والميلشيات. لقد كسرت حاجز الخوف نهائياً».

“ريمون” تبدو مثالاً جيداً عن كسر حاجز الخوف. فقد تعرّضت لمحاولة اغتيال، على يد ميليشيا مسلّحة في مدينة البصرة. أصيبت خلالها بطلق ناري في إحدى قدميها. ورغم مغادرتها لمدينتها البصرة، وإقامتها في إقليم كردستان، إلا أنها لم توقف نشاطها السياسي. مؤكدةّ أن «من إيجابيات انتفاضة تشرين تأسيس أحزاب سياسية تعبّر عنها. لتأخذ دور المعارضة للنظام السياسي الحالي».

وتختتم إفادتها بالقول: «مكتسبات تشرين ستتوضح بعد ما ستفرزه الانتخابات المقبلة».

من جهته يقول “علاء مصطفى”، الأكاديمي والمحلل السياسي: «انتفاضة تشرين كانت نبتة طيبة. كان يمكن لها تغيير المشهد السياسي العراقي بأكمله. لولا استغلالها من الأحزاب والدول الخارجية. ومن قبل بعض من تسلّقوا على أكتاف الانتفاضة من التشرينيين أنفسهم».

لكنّ هذا الرأي لا يمنعه من الإشارة إلى أن «انتفاضة تشرين أرغمت الأحزاب، التي تمتلك المال والسلطة والقوة، على تغيير خطابها. ودفعتها إلى التنازل عن غرورها. ومحاولة إرضاء الشارع. ليس حباً به، بل للحفاظ على الغنائم السياسية، التي حصلت عليها بعد تغيير النظام السياسي العراقي عام 2003».

وبالنسبة للانتخابات يؤكد “مصطفى” في حديثه لـ«الحل نت»: «القانون الانتخابي الجديد، الذي جاء وفق نظام الدوائر المتعدّدة، ما كانت ليُشرّع لولا انتفاضة تشرين. وبفضله صار بإمكان كثير من المستقلين الترشّح للانتخابات. على عكس القانون السابق، الذي يسمح للأحزاب بالهيمنة على كل شيء».

يذكر أن صيغة الدوائر الانتخابية المتعدّدة، التي جاءت بديلاً لقانون “سانت ليغو” المعتمد سابقاً، يتيح فتح دائرة انتخابية أو أكثر في المحافظة الواحدة. حسب توزيع الأقضية والنواحي في كل محافظة عراقية. كما يتميّز بأن الفائز بأعلى الأصوات يصبح عضواً في البرلمان العراقي. عكس قانون “سانت ليغو”. الذي يعتمد على أصوات القوائم الأعلى. ويهمل الأفراد الذين يحصلون على أصوات عالية.

 

سلبيات انتفاضة تشرين

وفيما يخصّ السلبيات، التي شابت انتفاضة تشرين، تبيّن الصحفية “هناء رياض” لموقع «الحل نت» أن «تشتّت التشرينيين وعدم توحّدهم وتنظيمهم، من أهم سلبيات الانتفاضة. لأنهما أتاحا الفرصة للأحزاب للقضاء على التظاهرات والالتفاف حولها».

من جهته يشير الناشط “علي المعلم”، عضو الأمانة العامة لحزب “البيت الوطني”، المنبثق عن انتفاضة تشرين، إلى أن «أهم سلبيات الانتفاضة عدم قيام أي جهة مجتمعية بتبني مطالبها، والتفاوض مع الجهات الرسمية بخصوصها. ما أثّر على استمرارية الانتفاضة وتحقيق أهدافها».

لكنّ “علاء مصطفى” بدا أكثر قسوة في نقده لناشطي انتفاضة تشرين، قائلاً: «التشرينيون سمحوا لبعض الأقلام المعروفة، ولدول إقليمية، بتغيير هدف تظاهراتهم. من المطالبة بإصلاح الواقع السياسي في العراق، إلى الحقد على دولة جارة قوية، ولها ثقلها السياسي»، في إشارة منه إلى إيران.

ويعتقد “مصطفى” أنه «كان الأولى بالتشرينيين عدم الانجرار وراء ذلك المسار. والتركيز على الوضع الداخلي. ومحاولة إصلاح النظام السياسي. وإنهاء الفساد وتفعيل الخدمات. لأن عظم البلد ما زال هشاً. ولم يكن من المناسب ترك الهدف الأساس وتغيير مسار الاحتجاج نحو دولة جارة. فلو ركّز المتظاهرون على الواقع وأصلحوه، ستحترم بعدها كل الدول الأخرى قرار العراق، ولن تتمكن من التدخل بشؤونه».

رأي “مصطفى” لا يلقى قبولاً بين معظم من التقاهم «الحل نت»، الذين يؤكدون على عدم إمكانية إجراء تغيير جدي في العراق، في ظل تحكّم الميلشيات الموالية لإيران بالقرار السياسي العراقي، داخلياً وخارجياً.

 

“تشرين” بين المشاركة والمقاطعة

انبثقت عدة قوى سياسية عن انتفاضة تشرين. لكنّ موقفها تجاه الانتخابات المبكرة انقسم بين مشارك فيها وداعين إلى مقاطعتها. ويعدّ حزب “البيت الوطني” من أبرز المقاطعين.  بينما تؤكد قوى “وعي”، و”امتداد”، و”نازل آخذ حقي”، على رغبتها بالمشاركة بالانتخابات.

ويوضّح “علي المعلم” لموقع «الحل نت» أن سبب مقاطعة حزبه “البيت الوطني” للانتخابات «هو أنها لم تحقق الشروط، التي وضعتها انتفاضة تشرين لإجراء أي انتخابات جديدة في البلاد».

ومن أبرز تلك الشروط، حسب “المعلم”، «حصر السلاح المنفلت بيد الدولة. ومحاسبة قتلة المتظاهرين والنشطاء. وعدم السماح للأحزاب الفاسدة بالمشاركة في الانتخابات».

وشهدت انتفاضة تشرين مقتل نحو سبعمئة وخمسين متظاهراً، وإصابة خمسة وعشرين ألفاً. منهم خمسة آلاف متظاهر يعانون من إعاقة دائمة. وفق الإحصاءات الرسمية وغير الرسمية، التي أصدرتها المنظمات الحقوقية.

ويرى الباحث السياسي “غيث التميمي” أن «مقاطعة بعض قوى انتفاضة تشرين للانتخابات، ومشاركة بعضها الآخر فيها، حالة صحية، ولا بد منها».

مردفاً، في حديثه لـ«الحل نت»، أن «مشاركة بعض القوى ومقاطعة أخرى. ستجعل الحكومة والأحزاب العراقية المتنفّذة تحت الضغط من كل جانب. فالقوى المنبثقة عن انتفاضة تشرين، التي ستكون داخل العملية السياسية، مهما كان عدد المقاعد التي ستحصدها، ستراقب عمل الحكومة والأحزاب. وتتربص لعمليات الفساد وتحاول فضحها. أما القوى المقاطعة والمعارضة فستواصل ضغطها من الشارع. لتحقيق المطالب المرجوة، وتصحيح المسار».

من جانبها تتوقّع “هناء رياض” أن «الانتخابات العراقية لن تحقق أياً من مطالب انتفاضة تشرين. وستعود الأحزاب الحاكمة ذاتها للبرلمان والحكومة العراقية. بسبب ما تمتلكه من مال سياسي. يمكّنها من الفوز بالانتخابات، مهما كانت نسبة المشاركة فيها»، على حد تعبيرها.

يشار إلى الانتخابات العراقية المبكرة ستجرى تحت مراقبة أممية من قبل الأمم المتحدة. ودولية من قبل الاتحاد الأوروبي. ودول أخرى، إقليمية وعربية وآسيوية. وذلك لمنع محاولات تزوير النتائج أو التلاعب بها.