عودة “ساينفيلد”: كيف صنعت ديستوبيا التسعينات الضاحكة ذواتنا المعاصرة

عودة “ساينفيلد”: كيف صنعت ديستوبيا التسعينات الضاحكة ذواتنا المعاصرة

أعلنت منصة “نيتفليكس”، في تشرين الأول/أكتوبر 2021، عن بث مسلسل “ساينفيلد” Seinfeld الأميركي على شبكتها للمرة الأولى. وهو ما اعتبر بمثابة نفضٍ للغبار عن المسلسل، الذي تم انتاجه بين عامي 1989 و1998.

نية “نيتفليكس” إعادة عرض “ساينفيلد” أثارت كثيراً من ردود الأفعال. ليس فقط بسبب شعبية المسلسل، الذي كان وما يزال يمتلك قاعدة واسعة من المعجبين. بل أيضاً لما يمكن اعتباره “أهمية تاريخية” لذلك العمل الفني، الذي ساهم بتأسيس جانب من الثقافة الشعبية المعاصرة.

ما كان يميز “ساينفيلد” في عصره أنه انتقل بالكوميديا التلفزيوينة الأميركية من أشكالها التقليدية إلى نمط كوميديا “فارس” Frace اللاذعة، التي تتعرّض، كما هو مفترض، لنقد المجتمع. من خلال التركيز على نماذج بشرية مختلفة، لا تتسم بالمثالية بالتأكيد. وهو ما جعل للمسلسل أبعاداً متعددة وقراءات مختلفة. تتعلق بتعبيراته عن نمط الذات في مطلع عصر العولمة، والتغيرات الاجتماعية والأخلاقية والقيمية التي عرفتها المجتمعات الغربية في أواخر القرن الماضي. والتي ما تزال تطبع عالمنا حتى اليوم.

 

الشخصيات الكريهة التي أحببناها

تأثير “ساينفلد” على الثقافة الشعبية كان كبيراً. على مستوى طرق الكلام والتعبير؛ حس الفكاهة؛ الأزياء وأنماط الحياة. خاصة بين أفراد الفئة العمرية، التي كانت تعاني من أزمة سن الثلاثين آنذاك. فالمسلسل ينطلق من أبطال في سنهم نفسه. ويعرض عالماً مشابهاً لعوالمهم، التي خلت من معانٍ أو قيم كبرى. على خلاف الأجيال السابقة.

لاحظ المشاهدون في عالم “ساينفيلد” تقديساً مطلقاً للتفاهة. عالماً صغير جداً يتكوّن من أربعة أشخاص لا يقومون بكثير من الأشياء المهمة في حياتهم. لا يعيشون في عائلات مستقرة. ولا يسعون إلى أهداف شخصية أو عامة باستثناء تحصيل عدد من المكاسب السريعة. ومهما تمادوا في أفعالهم الوقحة فإن كل حلقة من حلقات المسلسل ستنتهي حتماً نهاية سعيدة.

كان المسلسل قادراً على أن يخلق مساحة شعورية بالأمان، في الوقت الذي كان العالم لا يتوقف عن الصخب في الخارج. وإذا كانت أفلام تلك المرحلة، مثل “نادي القتال” Fight Club، قد عكست حالة التوتر والفصام، التي يعيشها الفرد في عالم لا معنى له. فإن “ساينفيلد” قد أنشأ حالة من الألفة مع اللامعنى.

تلك الحالة من الخفة ليست بالباسطة التي يظنها البعض، بل حملت معها أبعاداً نفسية واجتماعية شديدة التركيب والتعقيد. فالناس انجذبوا لمشاهدة المسلسل لأنه، رغم لطفه الظاهري، يمثّل حياتهم الصغيرة بأكثر صورها قتامة. والشخصيات الأربعة فيه تحوّل النوازع المكبوتة، التي لم يكن الفرد يستطيع التصريح عنها في المجتمع سابقاً، إلى نكت مضحكة.

 

طرافة الارتكاس

تجلّت فاعلية “ساينفيلد” في قدرته على خلق الكوميديا بطرق مختلفة. ولكن إحدى أكثر خصائصه إثارة للاهتمام أن أبطاله شخصيات غير متعاطفة. ولا تملك القدرة على الارتباط بالآخرين، أو الشعور بالأسف تجاههم. هذا مطابق لما يسمى في علم النفس “التمركز حول الذات”.

التعريف الأبسط للتمركز حول الذات هو انعدام التمييز بين بعض جوانب الذات والآخر. أي تقييد رؤية العالم بمنظور الفرد الخاص فقط. وهو عَرَض طفولي بشدة. فالأطفال دون سن السابعة يعيشون حالة من التمركز حول الذات، ولذلك لا يستطيعون أن يفهموا مشاعر أي شخص آخر. أو حتى يدركوا تمايزه.

في “ساينفيلد” نرى عدداً من البالغين الذين يتصرفون كأطفال أنانيين. يتشاجرون لأتفه الأمور. ولا يجدون حرجاً في إبداء غيرتهم ونرجسيتهم وأفكارهم الصبيانية. مرحى! لقد بات ما كنا نخجل منه، بوصفنا عاقلين راشدين، رمزاً للثقافة الجماهيرية القادمة من قلب نيويورك. واحدة من أعظم مراكز العالم الحضارية. يمكننا أن نفهم الآن أحد أسباب شعبية المسلسل العالمية.

غياب التعاطف والنضج لدى أبطال المسلسل هو ما أعطى كتّاب “ساينفيلد” الحرية الكاملة في فعل ما يريدون بالنص والشخصيات. لأنه لا يوجد شيء متطرّف للغاية في عالم المسلسل، مادام معروضاً من منظور شخصياته المطفلنة.  وكان حضور المشاهدين في استوديو التصوير. وتسجيل أصوات ضحكاتهم أثناء تسجيل الحلقة، بجعل أي موقف في المسلسل، مهما بلغ من السوء والأنانية وانعدام اللباقة، أمراً طبيعياً وطريفاً. فالضحك الجماعي الصاخب أعطى نوعاً من القبول والألفة الاجتماعية. “ساينفيلد” بهذا المعنى ليس كوميديا ناقدة كما يصنّفه كثيرون. لأنه لا يسعى إلى خلق مسافة بين الشخصيات والمشاهد، بل يجعله يتماهى تماماً معها. ويشعر بحالة من التطهير الداخلي، مادامت نوازعه الأنانية المكبوتة أليفة ومقبولة لهذه الدرجة.

ولأول مرة تظهر في الثقافة الشعبية مواقف أنانية لدرجة الإجرام. مثل تسبب أحد الأبطال بمقتل زوجته عن طريق الخطأ، دون أن يشعر بالذنب، أو يذرف دمعة واحدة على قبرها. هذه المشاعر لم تعرض بكل ما تثيره من اشمئزاز. بل كانت أمراً يبعث على الضحك.

عالم “ساينفيلد” هو عالم ديستوبي مغلّف بكثير من الطرافة والعصرنة. أن تكون مثل أبطال المسلسل وتعيش في عالمهم، ليس وفق منطق المسلسل أمراً خاطئاً أو محزناً، أو يعكس خضوعك لظروف اجتماعية ومنظومات أخلاقية بالغة السوء والاستلاب، بل هو بكل بساطة دليل على أنك ابن عصرك الظريف واللامع. هكذا ساهم المسلسل الأميركي بصياغة ذاتيتنا المعاصرة.

 

استجداء الشفقة

من العلامات الأخرى على دور “ساينفيلد” في صياغة الذاتية المعاصرة عبر تطبيع الارتكاسات النفسية الطفولية، سعي شخصيات المسلسل الدائم لاستجداء الشفقة من أصدقائها ومعارفها. فعلى الرغم من أنانية تلك الشخصيات، وعدم قدرتها على التعاطف، تتوقع أن من حقها الحصول على دعم وتشجيع الآخرين. ودون أن يلزمها هذا بإبداء أي استعداد لرد الجميل.

يبدو هذا دليلاً ممتازاً لفهم نمط الذاتية المعاصر، الذي تحفّزه وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي: ذات هشة، تشتكي دوماً من تعرّضها للأذى. تطلب التعاطف والتمكين. ولكنها غير مستعدة للدخول في رابطة اجتماعية تتطلب تضامناً فعلياً بين البشر.

بالعودة للتمركز حول الذات فإن الأطفال في هذه المرحلة ينتظرون دوماً الدعم والرعاية، بل حتى المتعة، دون مقابل أو التزام. ويقومون بالتعبير عن ألمهم ومشاعرهم السلبية من غير يكونوا قادرين على استيعاب أن الآخرين قد يعانون الأمر نفسه. أو أن تصرفاتهم قد تسبب الألم لهم.

وبما أن الأطفال غير قادرين على التمييز بين المنظورين الذاتي والموضوعي، يعتقدون أن من يخالفهم بالرأي والتصرف إما مخطئ وشرير، أو يجب ألا يكون له وجود من الأساس. وهذا يقودنا للحديث عن مشاكل مسلسل “ساينفيلد” مع ما يسمى “الصواب السياسي” و”ثقافة الإلغاء” المعاصرة.

 

“ساينفيلد” في عصر “ثقافة الإلغاء”

“ساينفيلد” أبيض جداً. هذه حقيقة لا يمكن لأحد إنكارها. فالمسلسل الذي تدور أحداثه في نيويورك، التي يشكّل السود 28% من سكانها، لا تكاد تظهر فيه أية شخصية سوداء، خلال 188 حلقة.

الغريب أن ما يثير حفيظة كثيرين هو أن ظهور السود النادر في المسلسل كان عبر شخصيات مثالية أخلاقياً للغاية: محامٍ، شرطي، موظف ملتزم.

يلعب السود في “ساينفيلد” إذاً دوراً خاصاً جداً، فهم بمثابة المحددين للحواف والحدود الاجتماعية لإفراط أبطال العمل في الوقاحة وتخطي الحواجز الأخلاقية. اعتبر كثيرون أنه من الإحباط لإنسانية وفردية الإنسان الأسود أن يظهر دوماً بصفته ملاكاً. تتلخّص مهمته بامتصاص طاقة الوقاحة الهائلة لدى الشخصيات البيضاء.

إلا أن هذا النقد الصوابي للمسلسل، على صحته، لا يبدي اعتراضاً على وقاحة البيض بحد ذاتها، بل استنكاراً فقط لحرمان السود من ممارستها. وكأنه يريد القول: فلنكن كلنا شخصيات وقحة مطفلنة. لا بد من تعميم نمط الذاتية المرتكسة طفولياً على عرقيات وفئات وأجناس أكثر. وإلا فإننا سنعتبر المسلسل قائماً على التمييز. نطالب بالاعتراف بحقنا بأن نصبح جميعاً “ساينفيلد”!

ربما لا يكون هذا النمط من “العدالة الاجتماعية” مبشراً بكثير من الخير. لا من جهة النقد الاجتماعي المتعمّق لنمط الذاتية المصوّر في المسلسل، ولا من جهة حرية التعبير وصيانة التراث الفني.

هنالك مخاوف جدية لدى محبي “ساينفيلد” الأكثر إخلاصاً من أن تقوم منصة “نيتفليكس” باقتطاع مشاهد منه، تحوي عبارات ومواقف تعتبر مسيئة من المنظور الصوابي المعاصر. وهو أمر إن حدث سيكون مؤسفاً بالفعل.

أياً كان النقد الذي يمكن للمرء أن يوجهه لـ”ساينفيلد” فمن الأفضل أن يُترك كما هو. ليعبّر عن فترة ثقافية مهمة في تاريخ المجتمع الأميركي. ما زالت تؤثر على حياتنا ونظرتنا لذواتنا في كل مكان في العالم.

كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول ثقافة