فيلم “الذنب” .. لا مهرب من الحقيقة

فيلم “الذنب” .. لا مهرب من الحقيقة
أستمع للمادة

للفن السابع بما يمتلكه من إبداع و جرأة ومهارة في طرح القضايا وتقديمها ونقلها للمشاهد بذكاء، وفق حبكة مبسطة ذكية، دور في ملامسة واقع الإنسان وحياته وهمومه ومعاناته، بأدبيات ومشاعر تسلط الضوء على ما يمر به خلال الحياة اليومية من مصاعب وتحديات، ما يواجهه عند ارتكاب ذنب يحاول الفرار منه أو يستسلم له. فهو يطرح الأسئلة ويترك الإجابات للحظات الحاسمة، لحظات تنبض فيها قلوب المشاهدين كما تنبض فيها قلوب الشخصيات، ما هو الحلّ، ما الخيار الصحيح الذي يجب اتخاذه في هذه اللحظات.

وفي هذا المقال سنذهب لتجربة فردية قدمتها شبكة “نتفليكس” في فيلم صدر عنها عنوانه “الذنب”، عمل ينبض بالمشاعر والمفاجآت، يكسر أفق التوقع لدى المشاهد باكتشافات صادمة، عن كل من المنقذ والضحية. يثير ما في النفس البشرية من مشاعر تدفع لذرف الدموع والغضب وفقدان السيطرة، والعودة لحالة الانضباط النفسي لهدف أسمى هو إنقاذ الروح البشرية.

قصة الفيلم

تدور الأحداث في مركز استقبال الطوارئ 911 الموجود في ولاية كاليفورنيا، التي تطوقها حرائق الغابات، وتحجب الرؤيا فيها سمائها. ويظهر في المشهد الأول من الفيلم “جو بايلور/جيك جيلنهال”، وهو شرطي في يعمل في مركز الطوارئ يحمل الرقم 625، يتلقى اتصالات الطوارئ من أنحاء مختلفة من الولاية بشكل روتيني. يتعرض لملاحقة من إحدى الصحافيات بسبب قضية مرتبطة به، حيث يرده اتصال منها ويمتنع عن الإدلاء بأي تفاصيل لها. ليتابع عمله في تلقي الاتصالات. حيث يتوق للعودة إلى ممارسة عمله كشرطي ميداني في يجوب شوارع المدينة.

طفلة جو

بعد تلقي عدة اتصالات، يذهب “جو” لشرب القهوة وينظر في هاتفه المحمول حيث صورة طفلته الصغيرة، يأخذ استراحة صغيرة من العمل في محاولة منه للاطمئنان عليها، يتصل بزوجته التي انفصل عنها ليطمأن عن ابنته “بيج” ليترك لها رسالة صوتية، محملة بمشاعر شوق يحملها الأب لابنته. بعدها يعود لمكتبه، يشرد قليلا حيث يتلقى لكمة على كتفه من قبل زميله في العمل ليرد على اتصال سيقلب حياته.

اتصال إيميلي

يتلقى “جو” اتصال طوارئ من “إيميلي”، تكون بحالة هلع وخوف تخبر “جو” بأنها مختطفة، يحاول تهدأتها، ويعطيها تعليمات للرد عليه دون أن يشعر الخاطف أنها تكلمه، في الوقت الذي يسعى لتحديد موقع السيارة التي اختطفت فيها إيميلي، بعدها يجري اتصالا مع شرطة مرور لوس انجلوس لملاحقة السيارة، حيث ترد الشرطة بحاجتها لمعلومات عن نوع السيارة ولونها ومكان سيرها ليعود مجددا إلى الحديث مع “إيميلي”، ثم يفقد الاتصال بها.

توقف شرطة لوس أنجلوس سيارة بالمواصفات التي زودها “جو” بها، ليتبين أنها ليست السيارة المطلوبة، يدخل بعدها بحالة من الانفعال والغضب، من ثم يضبط أعصابه من جديد. يهدأ ويتوصل لرقم منزل المتصلة “إيميلي”، وبعد الاتصال بالمنزل، تجيب على الاتصال الطفلة “آبي” ابنة إيميلي، وبعد أخذ معلومات الاتصال الخاصة بوالدها، تسيطر على “جو” مشاعر الأبوة، يطمأن آبي أن أمها ستعود للمنزل قريبا، وتخبره بالذي جرى لشقيقها، حيث يدخل بحالة صدمة، بعد ربط الأحداث، التي تبين أن “هنري” صاحب السجل الإجرامي، اختطف زوجته وقتل ابنه الصغير في المنزل.

بعد أن يحصل “جو” على رقم والد الطفلة، يتصل بدوريات أمن الطرق، و يزودهم بمعلومات حول “هنري” والسيارة التي يقودها، ليتمكنوا من ملاحقته، ويرسل دورية من الشرطة لمنزل العائلة حيث الطفلة وشقيقها. وفي الأثناء تعاود الصحفية “كاثرين” من صحيفة لوس أنجلوس تايمز الاتصال ب”جو” وتخبره بأنها ستنشر قصته يوم الغد. يغلق الاتصال، ويتجه لمكتب، لمواصلة البحث عن الخاطف وتعقبه. حيث يتصل بالشرطي “بيل” طلبا للمساعدة، الذي يوافق، ويذكر “جو” بالمحاكمة المرتقبة له.

من ثم يتصل بزوجته السابقة للاطمئنان عن ابنته الصغيرة التي تكون نائمة، وبعد مشادة كلامية بينه وبين زوجته، تبلغه بأن محققين قصدوا منزله ومنزل صديقه.

يغلق “جو” ستائر المكتب، ويتصل بالخاطف هنري، ويبلغه بضرورة التوقف، وأنه يعرف سجله الإجرامي، حيث يتجاهل “هنري” كلام “جو”. يسير منفعلا، من ثم يتصل بصديقه “ريك” وهو شرطي أيضا، ويطلب منه المساعدة في ملاحقة هنري” الخاطف. ويتفقان من جديد على ألا يغير “ريك أقواله في المحكمة. يعاود الاتصال بالدورية التي اتجهت لمنزل “إيميلي” حيث الفتاة والطفل “أوليفر” يتبين أن أوليفر الرضيع تلقى طعنات في بطنه، لينقل إلى المشفى ويظن “جو” أن الطفل فارق الحياة.

يحاول “جو” إنقاذ “إيميلي” بافتعال حادث في السيارة، وبعد حديث مطول معها، تبلغ إيميلي المضطربة “جو” بأنها أزالت الثعابين عن بطن “أوليفر” حيث ينتهي الاتصال.

خيوط الحقيقة

بعد أن وصل “إيريك” لمنزل “هنري” يجد تفاصيل حول علاج “إيميلي” في مركز “باتون” للأمراض النفسية. يكلم بعدها “هنري” على الفور، حيث تبدأ الحقيقة بالظهور ليكشف هنري أن زوجته “إيميلي” ليست مختطفة من قبله وأنها مصابة باضطراب نفسي ويحاول نقلها لمركز الحجز، بعد أن طعنت طفلهما الصغير “هنري” في بطنه، يصاب “جو” بصدمة بعد أن أدرك الصورة كاملة، ويعلم أن “إيميلي” غادرت السيارة.

الاعتراف

تتخذ الأحداث منحى تصاعدي في الفيلم، حيث يفقد “هنري” زوجته، التي يتبين أنها ستقدم على الانتحار، بعد اتصال جرى بينها وبين “جو”، المضطرب الذي يحاول إنقاذها، حيث يعترف “جو” بأنه ارتكب جريمة قتل، ضحيتها شاب يبلغ من العمر 19 عاما ويسعى جاهدا للخلاص من هذا الذنب الذي يؤرق مضجعه. وبعد مكالمة مطولة معها ينجح جو في إنقاذها. ليقرر أن يقول الحقيقة في محاكمة يوم الغد التي تنتظره، ويبلغ صديقه بالحديث عما شاهده فقط دون تحريف للحقيقة. وهنا يتصل “جو” بالصحفية “كاثرين” ويبلغها بقصته.

يغذي الفيلم دافع الاعتراف بالحقيقة لدى الجاني، وتدفعه الأحداث التي يكتشفها تباعا لذلك، ليتبين له أن الخلاص من الذنب هو بالاعتراف به وتقبل الأحكام التي تترتب على هذا الذنب. فالنفس البشرية تضعف أمام الحقيقة ولا تكون قادرة على الفرار منها ومن ذنب ارتكبته، وهنا الذنب الذي ارتكبه جو وظل يلاحقه هو “القتل”.

السيناريو والإخراج

اتخذ السيناريو خط درامي واحد، تسير فيه الأحداث وفق هذا الخط نحو كشف متتابع لأجزاء من الحقيقة، تتكتل صورة الحقيقة وفق السيناريو في المشاهد الأخيرة من الفيلم، وتتراكب كأحجية يسهل على المشاهد جمع أجزائها التي حصل عليها بالتتالي من بداية الفيلم. ويسير السيناريو في الفيلم دون فجوات قد تدخل المشاهد بحالة من الحيرة، حيث يكون مدفوعا للوصول للنهاية وفق التناغم الذي قدمه السيناريو لإكمال الصورة. دون الشعور بالملل منذ أول مشهد حتى المشهد الأخير.

مخرج الفيلم “أنطوان فوكوا” معروف بالقوة في إخراج هذا النوع من الأفلام، لا سيما فيلم “The Equalizer”، حيث نجح في تقديم صورة كاملة بشخصية رئيسية دون الحاجة لكادر تمثيل ضخم، مكتفيا بمكان واحد للتصوير، مستخدما نهج واحد في المشاهد للوصول إلى نهاية الفيلم دون إدخال الملل لنفس المشاهد.

الموسيقى والتصوير

استخدمت الموسيقى التصويرية في الفيلم لمدة قليلة من زمن الفيلم، وهي موسيقى ذات طابع درامي، تضع المشاهد في أجواء الفيلم، دون أي إرباك أو تحييد عن السيناريو والمشاهد فيه.
أما التصوير، اعتمد فيه على التصوير الداخلي في كامل الفيلم، مع مشاهد قليلة أخذت فيها لقطات خارجية سريعة. وتركز التصوير في معظم المشاهد على لقطات قريبة ركزت على تفاصيل وجه الممثل “جايك جيلنهال” الذي برع في الأداء في هذا النوع من زوايا التصوير.

كادر التمثيل

جيك جيلنهال
إيثان هوك
رايلي كيو
بيتر سارسجارد
كريستينا ميتشل
بول دانو
ايلي جوري
دوفين راندولف
ديفيد كاستيندا

الإخراج

أنطوان فوكوا

السيناريو

نيك بيتزولاتو

التصنيف الفني

عمل درامي واثارة

كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول ثقافة