الإجهاض في سوريا بين القانون والواقع

الإجهاض في سوريا بين القانون والواقع
أستمع للمادة

“تجاوز حملي الشهر والنصف ولم أجد وسيلة للتخلص منه، لم أستطع الحصول على الحبوب اللازمة لذلك لأنني لا أملك وصفة، ولا أملك المال الكافي لإجراء عملية الإجهاض، بدأت حالتي النفسية بالانهيار وأصبحت أتوسل  إلى أي أحد لمساعدتي”.

تتحدث ناديا سروجي “اسم مستعار” عن تجربتها مع الإجهاض، وهي تبلغ من العمر اثنين وعشرين عاما متزوجة من رجل يكبرها بعشرة أعوام، قررت الإجهاض بعد أن علمت بأن زوجها متزوج بأخرى غيرها، وهي التي تزوجته قبل ثلاثة سنوات من حملها، كان قرارها نابعا من رغبتها بإنهاء العلاقة وصعوبة تحملها لتربية طفل ضمن ظروفها المادية تتابع:

“بعد محاولات كثيرة ساعدتني إحدى صديقاتي على إجراء عملية لدى طبيب تعرفه، وتخلصت من الحمل كانت هذه التجربة من أصعب ما مررت به، قلق وخوف وشعور بالذنب، عدى عن الإهانة التي شعرت بها من قبل الطبيب والممرضة”.

تتشارك مع ناديا الكثيرات من نساء المجتمع السوري هذا القلق والخوف، رعب الحمل وإنجاب طفل أصبح ظاهر واضحة المعالم في سوريا، فالحرب والانهيار الاقتصادي والمرض والحالة النفسية السيئة التي يعيشها مجتمع كامل جعلت من هذا الأمر صعبا جدا، ما من ضمانات لمستقبل الأطفال وليس هنالك حلول أمام أزواج قرروا البقاء مع بعضهم، دون القدرة على المتابعة وإنجاب الأطفال ضمن هذه الظروف.

يعتبر الإجهاض من المواضيع الحساسة اجتماعيا حيث يواجه باللوم و الاستنكار في حال حدوثه حتى وإن كانت المرأة متزوجة، فهو يعتبر فعلا محرما دينيا وأخلاقيا ما لم يكن له سبب صحي، وللإجهاض نوعان إجهاض لاإرادي وهو الذي يحدث نتيجة عدم نمو الجنين بشكل طبيعي، أو إجهاض متعمَّد نتيجة عدم رغبة المرأة بإنجاب هذا الطفل لأسباب مختلفة منها اقتصادية أو اجتماعية مثل وجود عدد كبير من الأبناء أو تخطيها لسن الأربعين، وفي حالات أخرى كالحمل دون زواج أو نتيجة اعتداء جنسي، مؤخرا يحدث الإجهاض المتعمَّد بشكل كبير تقف وراء ذلك مشاكل دينية واجتماعية واقتصادية وقد أصبحت الأخيرة السبب الأكثر انتشارا للإجهاض، فضمن ظروف المعيشة السيئة وعدم قدرة الفرد على إعالة نفسه من الصعب عليه إنجاب طفل وتحمل تكاليف تربيته في ظروف مماثلة لما يعيشه الشعب السوري.

الإجهاض غير الآمن

يجرِّم القانون السوري عمليات الإجهاض وتبلغ مدة العقوبة على ذلك من ستة أشهر حتى ثلاث سنوات لكل من الأم والطبيب ويمكن أن تمتد العقوبة لتسحب رخصة الطبيب أو يحكم عليه بالأعمال الشاقة في حال تعرضت حياة المرأة للخطر، وبالرغم من تقييد الإجهاض ومنع ممارسته في سوريا إلا أن الواقع مختلف فالكثير من عمليات الإجهاض تحدث في الخفاء، هناك أطباء متخصصون بهذه العمليات يدفعهم للقيام بها الربح المادي الذي يحصلون عليه دون أن يقوموا بإجرائه بطرق آمنة تحمي حياة المرأة، تتحدث منى السعيد “اسم مستعار للحل نت عن تجربتها تقول:

“بعد أن اكتشفت حملي حصلت على حبوب الإجهاض عن طريق إحدى الفتيات اللواتي يعملن في صيدلية بسعر مضاعف، تناولت الحبوب لكن لم يستجب جسدي لها وأصبت بنزيف دون أن أتخلص من الحمل بعد ذلك قصدت طبيبتي النسائية التي رفضت مساعدتي، لأضطر بعدها لمراجعة طبيب يقوم بإجراء عمليات الإجهاض، كلمة جزار تليق به أكثر من طبيب، فكل ما يهمه هو المبلغ المالي الذي سيحصل عليه، عند بدء العملية لم يقم بتخديري بشكل جيد كنت أشعر بالأدوات الحادة تدخل جسدي، بعد انتهاء العملية منع صديقتي من رؤيتي، معتبرا أن بكائي لا مبرر له وعلي تحمل المسؤولية لما قمت به”.

تؤدي حالة التقييد على عمليات الإجهاض إلى نتائج غير آمنة قد تودي بحياة المرأة أو تسبب لها عطبا دائما في جسدها، فعدم إمكانية إجراء هذه العمليات في المستشفيات تحت إشراف أطباء مختصين يخضعون المرأة للرقابة والمتابعة بعد العملية سينتج أضرارا كبيرة على الحالة النفسية والجسدية للنساء اللواتي اضطررن للقيام بهذه العملية، لا يمكن للنساء مراجعة أطباء في العيادات أو في المستشفيات فتجري عملية البحث عن طبيب يمكن أن يجري العملية بخفاء تام وغالبا في شروط غير مناسبة لا تستوفي المعايير الطبية اللازمة للقيام بجراحة جسدية.

عند سؤال أحد الأطباء عن رأيه بعمليات الإجهاض في سوريا قال الدكتور بسام محمود “اسم مستعار”:

“في النهاية هذه العملية جراحية وسينتج عنها تأثير على جسد المرأة، وربما على إمكانية الحمل مجددا فقد ينتج عنها مضاعفات أشدها استئصال الرحم بشكل كامل، لا يمكنني القيام بمثل هذه العمليات إلا في مستشفى و في حال كان الحمل يعرض حياة المرأة للخطر عدا عن ذلك لا أنصح بإجراء مثل هذه العمليات ضمن الظروف التي تجري بها، يمكن للنساء تجنب حدوث الحمل أساسا بالكثير من الطرق”.

يمتلك بعض الأطباء رفضا كاملا لإجراء عمليات الإجهاض خوفا على مهنتهم فيما يعتبرها آخرون مصدرا للربح والمتاجرة، ضمن مكان لا يعطي الحق للنساء بإجراء هذه العملية بشكل طبيعي في حال كان الحمل غير مستحب.

الحمل خارج الزواج

تختلف أسباب الإجهاض فيما كانت المرأة متزوجة أو غير متزوجة ففي الحالة الأولى تسعى النساء للإجهاض في حال كان الجنين غير طبيعي أو كانت تعاني المرأة من مشاكل تشكل خطرا على حياتها في حال أنجبت.

مؤخرا وبعد الحرب أصبح الوضع الاقتصادي أيضا يشكل عائقا أمام رغبة المرأة بإنجاب طفل، فقد يحدث الحمل دون وجود شروط مناسبة لنمو الطفل وتأمين احتياجاته وهنا يضطر بعض الأزواج للتخلص من الحمل في الأسابيع الأولى.

فيما تشكل حالات الإجهاض في سوريا لنساء غير متزوجات النسبة الأكبر خاصة بعد الحرب، حيث يمكننا إيجاد الكثير من الفتيات اللواتي قررن الارتباط  دون أن يستطعن وشركائهن الزواج وهنا بسبب تطور هذه العلاقات قد يحدث حمل لا يستطعن الاحتفاظ به ليلجأن لعمليات الإجهاض، في هذه الحالة تعيش الفتاة ضغطا نفسيا مضاعفا بسبب خوفها من رد فعل المحيطين بها عند معرفتهم بحملها، و خوفا من عدم إمكانية التخلص من الحمل أو التعرض لنزيف ومضاعفات ما بعد العملية.

وتشير الكثير من المصادر إلى ارتفاع نسبة عمليات الإجهاض في السنوات الأخيرة في سوريا ولكن لا يوجد إحصائية دقيقة لعددها ونسبة نجاحها وتأثيرها على حياة النساء فوزارة الصحة لا تمتلك إحصائية لجميع العمليات التي تحدث، خاصة وأن الأطباء يرفضون التصريح في حال قاموا بهذه العمليات فجميعها تحدث بطرق غير شرعية وتفتقر للشروط الصحية، وهذا يجعل  الموضوع أكثر تعقيدا بالنسبة للنساء ودون حلول ضمن قانون يمنعهنَّ وواقع يجبرهنَّ بسبب قسوته وصعوبة إنجاب الأطفال ضمنه.

تحدثت الكاتبة والناشطة النسوية “سلوى زكزك” لـ( للحل. نت): “أنا ضد قانون الإجهاض في سوريا والأهم أنني ضد قانون تنظيم الأسرة الذي يمنع بيع وتداول وسائل منع الحمل ويعاقب بالسجن عليها، الإجهاض حق أساسي للمرأة ليس فقط من أجل تنظيم النسل بل هو حقها بتحديد عدد الأطفال ومواعيد الحمل، كما أن الإجهاض هو حق للنساء حفاظا وحماية لصحتهنَّ لأنه في حال منعه سيحصل في أماكن وظروف غير صحية لا تراعي الوضع الصحي الخاص بالمرأة، وقد يعرض النساء للابتزاز والتحرش وربما الاعتداء الجنسي عدا عن تكلفته العالية جداً والتي قد تجبر النساء على الإجهاض بطرق متخلفة وغير آمنة أو بشكل فردي تفتقد أثناءه لكل سبل الدعم والحماية، إن قوننة قانون خاص في سلم أولوياته احترام قرارات النساء وأولوياتهنَّ دون الرجوع للرجل والعائلة والدين هو خطوة مهمة جداً وتبدأ بإلغاء القانون القديم”

وأضافت الناشطة زكزك: ” لم تعد الصحة الإنجابية تعتمد على السلامة الصحية والجسدية للجنين والأم بل تم ربطها بالرفاه الصحي وحق التمتع بالحياة والوقت والموارد والسلامة النفسية والعقلية للنساء، لذلك فإن حدوث حمول غير مرغوبة من قبل النساء أو قسرية لأسباب عديدة قد يهدد السلامة النفسية والعقلية للنساء أيضاً”

الإجهاض المتعمَّد في سوريا والذي يزداد يوماً بعد يوم هو إشكالية تمتد في بنية المجتمع السوري دون إيجاد حلول لها أو إحداث أي تغيير في القانون الذي يقيد حرية النساء فيما يخص رغبتهنَّ بالإنجاب في الوقت والظرف المناسبين لهن.

كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول المرأة