تحسبني sweet girl: كيف ننجو من الست؟

تحسبني sweet girl: كيف ننجو من الست؟
أستمع للمادة

الست أم كلثوم.. الست فيروز

السيدتان استثناء في تاريخ غناء النساء في المنطقة العربية. لا “ست” قبلهما ولا بعدهما. في عصرهما أيضاً كان هناك أيضاً سيدة/ست للمسرح العربي (سميحة أيوب). وسيدة/ست للشاشة العربية (فاتن حمامة). مسألة التفريد وانتخاب الست الممثّلة للنساء والأمة تبدأ ربما مع “صفية زغلول” زوجة الزعيم الوطني سعد زغلول، التي كانت “أم المصريين” التي لم تنجب أطفالاً (أم/زعيمة). في ارتباط واضح مع تشكّل الهويات الوطنية في مصر بعد ثورة 1919. ثم في لبنان بعد الاستقلال عام 1943. وهما البلدان الأكثر غزارة من حيث الاستثمار المؤسسي في الصناعة الفنية حتى زمن قريب.

انتخاب “الست”، التي تنوب عن جنسها، مهمٌ لتعيين الصورة المطلوبة للنساء. في عملية متداخلة مع التفاوض على خروج المرأة التدريجي من الحرملك  للمجال العام. لم تكن أم كلثوم أول مطربة في مصر، سبقتها كثيرات منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر، ولكن لم يتح لهن أن يلعبن الدور الذي لعبته، عقب ثورة شعبية كبرى شهدتها مصر عام 1919، تبحث عن كينونة الشعب، والنساء من بين أفراده. بلقاء أم كلثوم مع الشاعر أحمد رامي، والدعم الذي تلقته من نخب الثورة مع وصولها للقاهرة، صارت هي “الست”.

 المغنية”ألمظ” مثلاً كانت أشهر من نار على علم، لكنها قبلت بسهولة القعود في بيتها. بناء على طلب زوجها “سي عبده الحامولي”، الذي طبقت شهرته الآفاق أيضاً. لكنّ أم كلثوم، الفتاة الريفية التي اقتحمت العاصمة في عام كتابة دستور عام 1923، أطلقت منذ البداية على نفسها لقب “الست” في إعلانات حفلاتها، بوصفها منشدة دينية. لتتميّز عن العوالم، المغنيات السائدات آنذاك. أبوها، المهووس بحماية سمعتها، كان يفرض إطاراً وقوراً على ملبسها وغنائها، الذي التزم بالإنشاد الديني، قبل أن تساعدها نخبة قاهرية في تنويع ألوانه، خوفاً عليها من الفشل. اضطرت أم كلثوم سريعاً لتغيير لقب “الست”. عندما لفت القاهريون نظرها لما يحمله اللقب من دلالات بخصوص عذريتها. وأطلقت على نفسها لقب “الآنسة”. لتصبح آنسة بين آنسات منافسات في ذلك الوقت، أشهرهن “الآنسة فتحية أحمد”.

أم كلثوم (على اليسار) مع أخيها. مرتدية ملابس الذكور

استعادت أم كلثوم اللقب، بعدما صار لائقاً بصورتها وسيرتها لاحقاً. فصارت بدورها امتداداً للسيدات المنفردات، مثل صفية زغلول وهدى شعراوي. أيقونةً وطنية. فلاحةً محتشمة، كالتي رمز بها الفنان “محمود مختار” للبلد، في تمثاله “نهضة مصر”. وزعيمةً أنثى وحيدة، في عصر الزعيم الذكر الأوحد جمال عبد الناصر بعد 1952. فيما بعد اكتسبت فيروز اللقب ذاته خلال الحرب الأهلية اللبنانية وبعدها. بوصفها رمزاً حيادياً بين فرقاء متناحرين، وصوتاً ملائكياً أثيرياً يعلو فوق خلافهم.

والأمر لم يكن فقط مرتبطاً بالصورة المحتشمة، ولكن بكل ما تمثلته السيدتان في غنائهما: الشعر الرمزي، البعد عن الحسي والخلاعي والعادي، الاقتدار في غناء ألوان مثل الابتهالات الدينية والقصائد الفصيحة والأغاني الوطنية. خارجات عن المتوقع من غناء النساء الخفيف أو المنطلق من البيئات المحلية. كـ”الطقطوقة” الشعبية في مصر، والغناء البدوي والزجلي في لبنان. غناء التسرية والأعراس، الذي بدأ داخل مجالس النساء المغلقة، فكانت ألفاظه جريئة وجنسية، إلى أن تهذّبت مع خروجه لعالم التسجيلات العلنية، وخروج النساء أنفسهن للحفلات العامة والشوارع.

في هذه الأوقات الاستقطابية تحدث المفاوضات: الخروج للشارع مقابل التهذيب. أداء أدوار عامة مقابل الاحتفاظ بالذاكرة الجنسية في صندوق بيتي مغلق. في وقت الاستقطاب تسللت صورة أم كلثوم المحتشمة والقديرة لتعلن عصراً غنائياً جديداً، تزود فيه “الست” عن شرف الأخريات وتتمثّله، وتطهّر ما علق بثوب المطربات من “خلاعة” انحطت بصورتهن. كما انكتب في السردية الجديدة عن عصر “العوالم”، وكما وصف غنائهن بالجملة دون تمييز. لم تكن أم كلثوم أول من غنت القصائد والأدوار والابتهالات التي أنشدها الرجال، ولكنها كانت أول من وضعت إطاراً متكاملاً، يعيّن ما سوف يترسّخ وما يُستبعد، صوتاً وشعراً وصورة.

فيما عدا هذين الاستثنائين كانت المغنيات غالباً حائرات بين حدي الطيف: إما “عالمة” تشوّهت صورتها، أو مطربة مقدّرة تكرمها دولة ما بعد الاستقلال. الأولى رمزياً أصبحت تساوي صورة الرقّاصة (الغازية)، وهي الصورة الأكثر احتقاراً وارتباطاً بالإغراء الجنسي. والثانية تحاول الهروب من احتجازها في وظيفتها الإغوائية. في هذا الإطار تشكّلت صورة صباح وشادية ووردة. اللاتي لم تسعين خلف شبح “الست”، لأن هناك ستاً واحدة فقط. ولكنهن كن الأقرب لنتاج التفاوض الذي ظهرت ملامحه في الخمسينات والستينات. متدللات ولكن بحياء. متحررات ولكن بحدود. إنها الصورة المطلوبة الآن لفتيات الطبقة الوسطى، والأقرب لواقعهن. بينما كانت فاتن حمامة، سيدة الشاشة العربية، تؤدي في بعض أدوارها نموذج المرأة التي تنفلت من الحدود، فتلاقي بئس المصير.

أغنية الوعيد: بدايات التمرّد النسائي

في العادة يفتح الرجال باب نوع غنائي جديد ثم تلتحق النساء. والسبب الرئيسي هو حرمان النساء لوقت طويل من التعليم في مجال الموسيقى، وحصارهن في دور المؤدية. لا مؤلفة ولا ملحنة. وهو المسار التاريخي التقليدي في معظم الأنواع الموسيقية حتى في الغرب. هناك مثلا معركة “جانيس جوبلين” لاقتحام فرق الروك، بوصفها صانعة موسيقى لا تكتفي بدور فتاة الروك، التي تظهر حليةً مع فرقة من الرجال. وهي المعركة التي انتهت بانتحار “جوبلين”. ولكنها فتحت الباب لموجة من الموسيقيات والمغنيات في الروك والبلوز، مثل “جوني ميتشيل” و”باتي سميث”، بالتزامن مع صعود الحركات النسوية.

جانيس جوبلين

في ذلك الزمن اعتبرت استعارة النوع وتقمص خطابه متغيراً ثورياً. أخذ دلالة جديدة برغم أنه عملية شبه طبيعية في العالم الغنائي. في أيامنا، لن يتخيّل المستمع لاسطوانات “عبد اللطيف البنا” أو “صالح عبد الحي” في شبابه أنهما رجلان. خصوصاً عندما يتفنّن كل منهما في غناء الطقطوقة بلسان أنثى. لكن ظهور “فريدي ميركوري” و”ديفيد بووي” في السبعينات، بملابس وماكياج نسائي كان له وقع آخر. من هنا صعدت نبرة التحدي النسائية في بوب الثمانينات، بوصفها علامة ثقافية، بفضل مغنيات مثل “آني لينوكس” و”مادونا”، عملن على تقديم صورة لأنفسهن مزجت الإثارة، ازدواج الميل الجنسي، ثنائية المرأة المؤدية والمنتج الموسيقي الوغد، الغناء للقضايا العامة والسخرية من القيم التقليدية. صارت موضوعات غناء النساء قريبة من مثيلاتها عند الرجال.

نستطيع أن نلمح أثرا مشابهاً في الملامح التراجيدية الغاضبة في أغنيات أم كلثوم المتأخرة، التي بدأت فيها تخرج من أسر قصة الحب السرمدية، مثل “فات المعاد” و”هسيبك للزمن” و”اسأل روحك.” أغنية الوعيد والانتقام كانت أحد فضاءات تخيّل المغنيات لأنفسهن خارج ثنائية العالمة والمطربة. الافتراض الكامن هو الجمع بين جفاف العاطفة في الظاهر، ونغمة الإغواء السادي في الأداء والنص. وهذا ما قدمته أيضاً شادية في “إن راح منك يا عين”، ووداد في “تندم”، وفايزة أحمد في “تهجرني بحكاية”، بعيداً عن نغمة الضحية المتألمة.

 في الثمانينات، مع صعود موجة “أغاني الجيل” لحميد الشاعري، تلتحق مغنيات شابات، أبرزهن “سيمون”، بمطربي “التريننج سوت” والأغنية الشبابية. ويسعين لتصوّر فضاء جديد، باقتباس موسيقى البوب المعاصرة. بنسخة مطابقة لتوزيعاتها الغربية وكلمات مصرية مشاغبة. تطل بين كلماتها وأدائها نبرة التوعّد والملاطفة من موقع أكثر ندّية.

في معظم ملابسها تتخلى سيمون عن الفساتين والتنانير. تظهر ببدلة “سموكينج” وربطة عنق، على نهج المطربات الغربيات. والمفهوم ضمناً أن العلامات والتورية أصدق بياناً في مناخ غنائي مراقب بشدة، وحدود الكلام فيه معروفة. في ألبوم “فيه حاجة كدا”، آخر ألبومات سيمون تتميز أغنية “مالك بيا”، التي تأخذ شكلاً مختلفاً لأغنية الوعيد، يتعدّى على مساحة الذكر، ولا يلتزم بحدود التشفي بالوسائل النسوانية التحتية: “روّح يالا نام واتغطى.. خد بالك ع السلم قطة”. “خليك ماشي جنب الحيطة.. ومن الشمس البس برنيطة”. والموضوع حوار في سياق معاكسة، تردّ فيها الفتاة على الشاب، مؤكدةً على التزامها داخل الحدود المعروفة: “ولا فاكرني زي فلانة.. لأ يا واد أنا متربية”.

أصبحت أغنية الوعيد بعد فترة تأكيداً جديد على حدود الالتزام ومعاني الشرف بمعناها الاجتماعي الشائع. لم تعد تمثّل تمرداً، لأن عصر الرومانسية الغنائية، الذي صوّر الحب عذاباً محضاً، وكلنا ضحاياه، كان قد مضى عليه بالفعل وقت طويل. ورحل كباره في نهاية السبعينيات. ودخلت تيمة الوعيد مجال الغناء المعتاد والمتكرر، الذي تتناوله أي مغنية بمقاربات مختلفة.

ما بعد العوالم: تطبيع ثنائية الجسد/الغناء

في عصر ظهور الفضائيات، وبعد خروج لبنان من الحرب الأهلية، وانتعاش البوب اللبناني، جاء ظهور نانسي عجرم وهيفاء وهبي ثم أليسا ليطرح مسألة الجسد الأنثوي بقوة في سوق الموسيقى. هذه المرة، لا يعلن الإغواء الجسدي عن نفسه في سياق تحدٍ تراجيدي، ولكن في سياق أكثر طبيعية. وهنا تكمن جدليته. من حيث النوع هو غناء للتسلية، لا يخرج عن حدود المداعبة اللطيفة، الشبيهة في لغتها وموضوعها لما صار تقليدياً. لكن العلامات الأدائية والبصرية، التي حفلت بها كليبات وأصوات المغنيات، كانت تعيد تأطير الجسد والغناء، بوصفهما متلازمين وليسا ضدين. رسالتهما الضمنية أن الالتباس بين العالمة والمطربة لم يعد شاغلاً إلا لمن يستدعيه، في مجتمعات صارت تتحكم في أغلبياتها خطابات الصحوة الإسلامية ورموزها. لكن المطربات الثلاث، ومن بعدهن روبي لم تعلقن على طلبات الإحاطة المرفوعة ضدهن في مجلس الشعب المصري. ولا هجوم الدعاة الجدد والجماعات الإسلامية عليهن. لم تدخلن المواجهة أصلاً. سلكت كل منهن فيما بعد طريقاً مختلفاً. لكنهن ساهمن في كسر الثنائية بتطبيعها. والحقيقة أن ما فعلته هيفا ونانسي وروبي يرجع جزئياً لعودة الاحترام التدريجية لمغنيات “الشعبي” بعد مرحلة السبعينات، والصعود الملفت للنوع مع أحمد عدوية وانتشار الكاسيت.

احتفظت مطربات الأعراس الشعبية، ذوات الشهرة المناطقية، بنوع من الحرية الجسدية، اكتسبنها عبر عملهن في وسط ذكوري قاسٍ، يحتاج لمناورات مختلفة للنجاة. أبرز المناورات صنع المسافة بين الجسدي على المسرح، والسلوك المحافظ في إدارة العلاقات الشخصية. تؤكد المطربات الشعبيات دوماً أن سمعتهن كالألماس، لا يستطيع رجل تشويهها، ولا تمارسن العلاقات الجنسية إلا في الإطار الشرعي. لذلك هن غير مضطرات للتنازلات بشأن ملابسهن أو رقصهن على المسرح. ولا يجرؤ أحد على الاعتداء عليهن (جزئياً لأنهن في حماية فتوات)، أو افتراض أنهن رخيصات. حملت مطربات عصر الفضائيات المنطق نفسه للشاشة والسوق الموسيقي، لذا بدت استعانتهن بتيمات شعبية على مستوى الكلمة والصورة مفهومة في السياق الأوسع، الذي قدّمن أنفسهن فيه (مثل المقهى البلدي والطشت والجلابية المفتوحة في كليبات نانسي عجرم). وظهر ذلك المنطق بصورة واضحة في نماذج مغنيات، مثل “أمينة” و”بوسي”، اللواتي اخترقن مجال البوب والسينما بسهولة أكبر  من المطربات الشعبيات السابقات.

الخلاص من “الست” ونقيضها

اليوم، بعد خروج عملية الإنتاج الموسيقي من كل إطار مركزي، بسبب الانتقال لمنصات الإنترنت والسوفت وير قليلة التكلفة، ودخول عدد كبير من النساء في عملية الإنتاج الموسيقي لأول مرة، تفرض الشابات في مختلف البلاد العربية خطاباً أكثر حدة ضد منظومة الشرف العربية. يساعدهن بكل تأكيد خطاب نسوي يخرج للمرة الأولى بعد 2011 من حدوده النخبوية، وينتشر على مواقع التواصل الاجتماعي. وتساعدهن لغة الراب الخطابية بطبعها، البعيدة عن التورية، وغير المستوعبة للأنماط البلاغية والجماليات البديعية.

الفارق متعلّق بطموح هاته المغنيات لتجاوز مستوى موسيقي محدود بالهتافات الخطابية، لمستوى إنتاجي أرقى، غالبا ما يزال يتحقق بالتعاون مع المشاهير، من المنتجين الموسيقيين الرجال. مثل حالة مغنيات الراب المغربيات، اللاتي يتمتعن بالجماهيرية الأكبر: “منال” و”ختك” و”إلي بنت الستاتي” و”سايكو كوين”. على مستوى آخر تنتزع المغنيات مساحة داخل دائرة الراب السياسي الاحتجاجي في الجزائر (رجاء مزيان) وفلسطين (صفاء حتحوت) ولبنان (مليكة).

صفاء حتحوت

في معظم الأحيان يمتزج في غناء شابات الموجة الجديدة خطاب نسوي مع تلميحات سياسية، تتوافق صراحتها مع الحدود السياسية في كل بلد. “Lesaa” في السعودية تغني الراب بحجابها وردائها الطويل، وتعلّق على السماح للنساء بقيادة السيارات بنبرة هازئة بالمعترضين، وأداء حركي جريء ورشيق. كذلك تفعل “Lil MC” في الإمارات، و”كوين جي” و”Bnya TXD” في الكويت. وفي أغلب الأحيان لم يعد الجسد يشكّل مشكلة، لأن حركات الرجال والنساء في الراب، تماماً كما حدث في الرقص على المهرجانات، لم تعد علامات جنسية مميزة.

فيديو كليب المغنية السعودية Lesaa

في هذا الطور الأخير من التحولات تشحب صورة “الست”، التي لم تعد المغنيات الشابات تبحثن عنها، أو عن مهرب منها، لا يحددهن في صورة العالمة المحتقرة. على العكس، صارت الملقبات بـ”الست”، ولو على سبيل المجاملة، كحالة المطربات المخضرمات في البوب أو الغناء الكلاسيكي، نموذجاً تبتعد عنه الفتيات، لتحافظن على فرصة على منصات الاستماع. حيث المنافسة خشنة، والدسّات عنوان للمرحلة.

قد تكون عملية الانصهار في نوع يُقرّب الذكوري من الأنثوي إلى هذه الدرجة رمزاً لعصر ترتفع فيه شعارات “نهاية الثنائية”. وقد تكون، من زاوية نظر أخرى، انتقالاً لما هو أنثوي في الاتجاه العكسي: من التورية الحذرة إلى التواري الكامل.

كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول ثقافة