في ظل مواسم سيئة للقمح.. ما مصير إنتاج الخبز السوري؟

في ظل مواسم سيئة للقمح.. ما مصير إنتاج الخبز السوري؟
أستمع للمادة

يستمر الواقع السيء لمحصول القمح، أبرز المحاصيل الزراعية الاستراتيجية السورية، بتسجيل أحد أكبر أزمات إنتاج الخبز السوري في مناطق سيطرة حكومة دمشق.

تصريحات متعددة وسط ظروف سيئة للموسم الحالي من القمح لا يختلف بكثير عن سابقاته عبر السنوات القليلة الماضية، تؤكد على استمرار تدهور مصدر الخبز للمواطن السوري، لا سيما بعدما أعلنت دمشق خلال شهر تشرين الثاني/نوفمبر الفائت، عن سعيها لاستيراد مليون طن من القمح وسط تفاقم أزمة إنتاج الخبز السوري.

ما سبق ما يوضح فشل الحملة التي أطلقها الرئيس السوري بشار الأسد، مطلع العام الجاري، والتي أسماها بـ”عام القمح”، معتمدا فيها على توسيع نطاق الزراعة على امتداد المناطق التي تسيطر عليها حكومته، إلا أن تلك الحملة باءت بالفشل بسبب عوامل عدة، سواء بسبب الجفاف أو قلة مساحة الأراضي المزروعة، وأسباب أخرى.

الإنتاج مقبول.. ولكن؟

وزير الزراعة السوري، محمد حسان قطنا، ادعى في أيار الماضي بأن إنتاج الموسم الحالي لمحصول القمح بأنه “مقبول”، لكنه لا يكفي كامل الاحتياجات. مشيرا إلى إنه “لا توجد أرقام محددة حاليا لمحصول القمح، حيث ستعتمد الوزارة على الكميات الاحتياطية المستوردة، إضافة إلى الإنتاج الحالي، لتغطية الاحتياج السنوي”. موضحاً بأن مساحات القمح البعل “شبه متضررة” في كل المحافظات، بينما إنتاج الأراضي المروية من القمح جيد.

ولفت إلى أن إنتاج البعل كان من المتوقع أن يصل إلى 1200 مليون طن. إلّا أن الإنتاج الفعلي قد لا يتجاوز 300 ألف طن، كما أن المساحات الباقية سيكون إنتاجها متدنيا عن الإنتاج المخطط.

من جانبها أفادت روسيا، في وقت سابق، وهي من أكبر الدول المصدرة للقمح في العالم وحليفة دمشق، بأنها ستبيع مليون طن من الحبوب لسوريا على مدار العام لمساعدتها على الوفاء بالطلب المحلي السنوي الذي يبلغ أربعة ملايين طن.

لكن وصول الشحنات تباطأ في السنوات الأخيرة مع تزايد شح التمويل ولم تظهر بيانات الجمارك المتاحة أي إمدادات كبرى لسوريا.

للقراءة أو الاستماع: إطلاق بيع الخبز وفق الشرائح الجديدة لمخصصات الفرد في سوريا

ميزانية خاصة وخطة استراتيجية

يُقدّر مسؤولون وخبراء في منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (فاو) ومقرها روما، أن هناك حاجة إلى 1.5 مليون طن على الأقل من واردات القمح. وقالوا إن استهداف الحكومة السورية شراء 1.2 مليون طن محليا يبدو حاليا غير واقعي إلى حد كبير.

على المدى القريب لا يمكن تأمين الكمية التي يحتاجها السوق من القمح داخل مناطق حكومة دمشق، نتيجة لخروج نسبة لا بأس بها من الأراضي الزراعية من يد سلطة دمشق، والتي كانت تشكل السلة الغذائية الأساسية لسوريا، بحسب الباحث الاقتصادي أدهم قضيماتي، فضلا عن غياب البنى التحتية والتكلفة الباهظة اللازمة لتحسين واستصلاح الأراضي الزراعية الخاضعة تحت سيطرة حكومة دمشق.

المناطق الزراعية في سوريا تحتاج لميزانية خاصة وخطة محكمة وواضحة. فسوريا بشكل عام تحتاج لإزالة مخلفات الحرب وإعادة المزارعين المهجرين لأراضيهم وحل مشكلة انخفاض منسوب المياه وانتشار التصحر، وفق قضيماتي.

منذ فترة ليست بالبعيدة انتشر في سوريا عدة حرائق استهدفت المحاصيل الزراعية بخاصة القمح. ولكن سبق تلك الحرائق تصريح لمسؤولين روس أنهم يتطلعون لجعل سوريا مركز لتصريف القمح الروسي ومنها إلى الشرق الأوسط. ما يزيد احتمالات وجود خطة ممنهجة من قبل دمشق لصالح الروس، بحسب ما أفاد به الباحث الاقتصادي. وبالتالي تكتمل رؤية الروس لتوريد القمح إلى سوريا وإلى بقية دول الشرق الأوسط.

للقراءة أو الاستماع: رغيف الخبز في سوريا… رحلة من المساس بالخط الأحمر!

وضع مالي وزراعي سيئ

انعكست المشكلات المالية في سوريا بالفعل في موجات نقص إنتاج الخبز السوري في العام المنصرم، وكذا الحال خلال العام الجاري. وشكا سكان من الانتظار في طوابير طويلة للحصول على الخبز في أنحاء المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة إذ اضطروا في بعض الأحيان للانتظار لما يصل إلى خمس ساعات.

وقال “برنامج الأغذية العالمي” التابع للأمم المتحدة، في آذار/مارس الماضي، إن عددا قياسيا من السوريين بلغ 12.4 مليون نسمة أي أكثر من 60 بالمئة من السكان يعاني من انعدام الأمن الغذائي والجوع، وهو ضعف الرقم المسجل في 2018.

وذكر البنك الدولي أن اعتماد السوريين على الخبز المدعم يتزايد. إذ دفع التضخم الهائل أسعار الغذاء للارتفاع بأكثر من 200 في المئة العام الماضي.

المهندس الزراعي، سام خضير، أشار خلال حديث لـ”الحل نت” متحدثا حول واقع الزراعة السورية بالعموم وتأثيره على إنتاج محصول القمح، إلى عدم وجود “موارد زراعية كافية، سواء من حيث البذور الهجينة، المغذيات، الأسمدة، المبيدات، الأدوية البيطرية، معدات التصنيع، قطع التبديل، آلات زراعية، بخاصة وأن كل ما سبق يحتاج إلى عملة صعبة لاستيرادها أو الحصول عليها، وهذا لا يمكن في ظل خزينة دولة شبه فارغة من العملة الصعبة.

يضاف إلى ذلك بأن المساحات الزراعية حالياً في سوريا هي مساحات صغيرة جدا. وبنيتها التحتية هشة وبحاجة إلى صيانة من قنوات الري والصرف، وصولا إلى استصلاح الأراضي الموبوءة بمخلفات الحرب. والمحاصيل الاستراتيجية (أبرزها القمح) يتم زراعة أغلبها خارج مناطق سيطرة حكومة دمشق.

أزمة إنتاج الخبز السوري تزيد الأسعار

تبرز أيضاً أزمة المحروقات والمياه، فمع موجة الجفاف التي تضرب سوريا فضلا عن طبيعة طقسها الجاف، فقد زاد الاعتماد على الآبار بالسقاية ما يتطلب كهرباء (أي وقود) وهو أمر مكلف في حال توفره، حيث تشكل الأراضي المروية 0.73 مليون هكتار من أصل 1.68 مليون هكتار مزروع أي ما نسبته 43 بالمئة وباقي النسبة 0.96 مليون هكتار بعلية أي 57 بالمئة وقد انخفضت نسب الأمطار هذا الموسم بمقدار 43 بالمئة، ويشكل ما نسبته 70 بالمئة من إنتاج القمح من الأراضي المروية.

ويطلق المسؤولون في الحكومة السورية باستمرار وعوداً بحل مشكلة الخبز أو وعوداً بعدم رفع المواد الغذائية كالخبز وغيره. إلا أنه غالباً ما يعقب مثل هذه التصريحات قرارات برفع المواد التي وعدوا بعدم رفع سعرها.

ورفعت حكومة دمشق في 11 من تموز/يوليو الفائت سعر مادة الخبز بنسبة مئة في المئة. إذ وصل سعر ربطة الخبز “المعبأ بالنايلون” (نحو 1100 غرام) إلى 200 ل.س، لتصبح بعدها بـ 250 ليرة بعد زيادة 50 ل.س “عمولة”.

ويتسبّب الارتفاع المستمر للأسعار بزيادة معاناة السكّان المقيمين في مناطق سيطرة “النظام”. التي تشهد أساساً وضعاً اقتصادياً سيئاً في ظل انهيار الليرة السوريّة وتلاشي قيمتها الشرائية. ويأتي ذلك مع تدنّي الرواتب في القطاعين العام والخاص.

يذكر أن إنتاج سوريا من القمح كان قبل عام 2011 بين 3.5 و4 ملايين طن، في حين أن الاستهلاك السوري لا يزيد عن 2.5 مليون طن. ولكن، منذ نحو عشر سنوات، تراجع إنتاج القمح إلى نحو 1.2 مليون طن تتوزع على مناطق المعارضة “شمال غرب” ومناطق الإدارة الذاتية “شمال شرق” ومناطق سيطرة حكومة دمشق.

للقراءة أو الاستماع: الطوابير تطول.. وآلية جديدة لبيع الخبز في سوريا موزعة على أيام محددة

كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول أخبار اقتصادية